الباحث القرآني

* اللغة: (الْغَوْا فِيهِ:) فعل أمر من لغي بالكسر يلغى بالفتح وفيها معنيان أحدهما أنه من لغى إذا تكلم باللغو وهو مالا فائدة فيه والثاني انه من لغي بكذا إذا رمى به فتكون في بمعنى الباء أي ارموا به وانبذوه، وإما أن يكون من لغى بالفتح يلغى بالفتح أيضا، حكاه الأخفش وكان قياسه الضم كغزا يغزو ولكنه فتح لأجل حرف الحلق وقرىء بضم الغين من لغا يلغو كدعا يدعو، هذا ما قرره السمين، وعبارة الزمخشري «والغوا فيه بفتح الغين وضمها يقال لغى يلغى ولغا يلغو واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته» . * الإعراب: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) كلام مستأنف مسوق لتقرير حالهم ومكابرتهم عند قراءة القرآن وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة ولا ناهية وتسمعوا فعل مضارع مجزوم بلا والجملة مقول القول ولهذا متعلقان بتسمعوا والقرآن بدل والغوا فعل أمر وفاعل وفيه متعلقان بالغوا ولعل واسمها وجملة تغلبون خبرها والمراد بالغلبة حمله على السكوت عن القراءة لئلا يستهوي القلوب ويستميلها بقراءة ما لم يعهده من بيان. (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً) الفاء الفصيحة أي إن استمرءوا ذلك واستمروا فيه فلنذيقن، واللام موطئة للقسم ونذيقن فعل مضارع مبني على الفتح واجب التأكيد والفاعل مستتر تقديره نحن والذين مفعول به وجملة كفروا صلة وعذابا مفعول به وشديدا نعت. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ) عطف على ما تقدم وأسوأ الذي كانوا يعملون مفعول ثان لنجزينهم. (ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ) ذلك مبتدأ والإشارة إلى المذكور من الأمرين وهما قوله فلنذيقن وقوله ولنجزينهم وجزاء أعداء الله خبر والنار بدل أو عطف بيان من جزاء، واعترض بعضهم على هذا الإعراب بأن علامة البدل صحة حلوله محل المبدل منه فيصير التقدير ذلك النار وهذا لا يصح ولذلك ينبغي العدول عن الإعراب الأرجح إلى المرجوح وهو أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره سيأتي فيما بعد. (لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) لهم خبر مقدم وفيها حال ودار الخلد مبتدأ مؤخر والجملة إما خبر النار بناء على إعرابها مبتدأ أو في محل نصب حال أو مستأنفة مستقلة مقررة لما قبلها وهذا أقعد بمكان البلاغة كما سيأتي، وجزاء مفعول مطلق منصوب بفعل مقدر وهو مصدر مؤكد أي يجزون جزاء أو منصوب بالمصدر المذكور قبله والمصدر ينصب بمصدر مثله وقد تقدمت له نظائر ولك أن تجعل جزاء مصدرا واقعا موقع الحال وبما متعلقان بجزاء الثاني أو الأول وجملة كانوا صلة وجملة يجحدون خبر كانوا وبآياتنا متعلقان بيجحدون لتضمنه معنى يكفرون وذلك خير من جعلها زائدة. (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) الواو استئنافية وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وأرنا فعل أمر مبني على حذف حرف العلة ونا مفعول به أول واللذين مفعول به ثان لأن الرؤية بصرية وقد عديت إلى اثنين بالهمزة وجملة أضلّانا صلة ومن الجن والإنس حال قيل هما إبليس وقابيل الأول سن الكفر والثاني سن القتل بغير حق لأنه قتل أخاه كما تقدم. (نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) نجعلهما فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به أول وتحت أقدامنا الظرف في موضع المفعول الثاني، ليكونا اللام للتعليل ويكونا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والألف اسمها ومن الأسفلين خبرها والجار والمجرور متعلقان بفعل الرؤية لأنه تعليل لها. * البلاغة: 1- في قوله «فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا» استعارة مكنية وقد تقدم اجراؤها كثيرا. 2- وفي قوله «لهم فيها دار الخلد» تجريد، وهو أن ينتزع من أمر ذي بال صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة مبالغة لكماله فيها، فقد انتزع من النار دارا أخرى سماها دار الخلد. أقسام التجريد: واعلم أن للتجريد أقسام ذكرها علماء البيان، وسنحاول أن نورد ما قالوه فيها على سبيل الإيجاز: 1- فمنه ما يكون بمن التجريدية كقولهم لي من فلان صديق حميم أي قد بلغ فلان حدا من الصداقة يصح معه أن يستخلص منه آخر مثله فيها، ومثاله من الشعر قول القاضي الفاضل: تمد إلى الأعداء منها معاصما ... فترجع من ماء الكلى بأساور 2- ومنه ما يكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه نحو قولهم: لئن سألت فلانا لتسألن به البحر، بالغ في اتصافه بالسماحة حتى انتزع منه بحرا في السماحة. 3- ومنه ما يكون بدخول باء المعية والمصاحبة في المنتزع كقول ابن هانىء: وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدور بكل ليث مخدر وقول أبي تمام: هتك الظلام أبو الوليد بغرة ... فتحت لنا باب الرجاء المقبل بأتم من قمر السماء إذا بدا ... بدرا وأحسن في العيون وأجمل وأجل من قيس إذا استنطقته ... رأيا وألطف في الأمور وأجزل هذا والمراد بأتم من قمر السماء نفس أبي الوليد كما لا يخفى. 4- ومنه أن يكون بدخول في على المنتزع منه أو مدخول ضميره كالآية التي نحن بصددها «لهم فيها دار الخلد» أي في جهنم وهي دار الخلد لكنه انتزع منها دارا أخرى مبالغة، وقول المتنبي: تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائره قد حرن في بشر في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره فإن الأسد هو نفس الممدوح لكنه انتزع منه أسدا آخر تهويلا لأمره ومبالغة في اتصافه بالشجاعة. 5- ومنه أن يكون بدخول بين كقول ابن النبيه: يهتزّ بين وشاحيها قضيب نقا ... حمائم الحلي في أفنانه صدحت 6- ومنه أن يكون بدون توسط شيء كقول قتادة بن سلمة الحنفي: فلئن بقيت لأرحلن بعزة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم يعني بالكريم نفسه فكأنه انتزع من نفسه كريما مبالغة في كرمه ولذا لم يقل أو أموت، وقول أبي تمام: ولو تراهم وإيانا وموقفنا ... في مأتم البين لاستهلاكنا زجل من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلبا ومن غزل في نحره عذل وقد طوى الشوق في أحشائنا بقرا ... عينا طوتهن في أحشائها الكلل ومراده بالبقر العين الذين أخبر عنهم أولا بقوله ولو تراهم فكأنه انتزع منهم موصوفين بهذه الصفة مبالغة فيها. 7- ومنه أن ينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سيق لها الكلام ثم يخاطبه كقول أبي الطيب المتنبي: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال أراد بالحال الغنى فكأنه انتزع من نفسه شخصا آخر مثله في فقد الخيل والمال والحال، ومنه قول الأعشى: ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل وقول أبي نواس الممتع: يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن سنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن ومراده الخطاب مع نفسه ولذلك قال بعده: ظنّ بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظّن بات لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن تقسيم آخر للتجريد: وقسمه آخرون إلى قسمين فقط وهما: تجريد محض وتجريد غير محض فالأول، وهو المحض، أن يأتي بكلام هو خطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك كقول الحيص بيص في مطلع قصيدة له: إلام يراك المجد في زيّ شاعر ... وقد بخلت شوقا فروع المنابر كتمت بعيب الشعر حلما وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر أما وأبيك الخير انك فارس ... المقال ومحيي الدارسات الغوابر وأنك أعييت المسامع والنهى ... بقولك عما في بطون الدفاتر فهذا من محاسن التجريد ألا ترى أنه أجرى الخطاب على غيره وهو يريد نفسه كي يتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة وعدّ ما عدّه من الفضائل التائهة، وكل ما يجيء من هذا القبيل فهو التجريد المحض. وأما القسم الثاني، وهو غير المحض، فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك، وبين هذا القسم والذي قبله فرق ظاهر وذاك أولى بأن يسمى تجريدا لأن التجريد لائق به وهذا هو نصف تجريد لأنك لم تجرد به عن نفسك شيئا وإنما خاطبت نفسك بنفسك كأنك فصلتها عنك وهي منك، ومما جاء منه قول عمرو بن الاطنابة: أقول لها وقد جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي وقول الآخر وقد قتل أخواه ابنا له فقدم إليه أخوه ليقتاد منه فألقى السيف من يده وأنشأ يقول: أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يديّ أصابتني ولم ترد كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي وذكر أبو علي الفارسي كلاما جميلا بصدد التجريد فقال: «إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله فتخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره وهو هو بعينه نحو قولهم: لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد ولئن سألته لتسألن به البحر وهو عينه الأسد والبحر لا أن هناك شيئا منفصلا عنه أو متميزا منه» ثم قال «وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب نفسه حتى كأنه يقاول غيره كما قال الأعشى: ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل وهو الرجل نفسه لا غيره. وقد عقب ابن الأثير على ما ذكره أبو علي فقال: «والذي عندي أنه أصاب في الثاني ولم يصب في الأول لأن الثاني هو التجريد، ألا ترى أن الأعشى جرد الخطاب عن نفسه وهو يريدها وأما الأول وهو قوله لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد ولئن سألته لتسألن به البحر فإن هذا تشبيه مضمر الأداة إذ يحسن تقدير أداة التشبيه فيه» إلى أن يقول: «ويبطل على أبي علي قوله أيضا من وجه آخر وذاك أنه قال: إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله فتخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره وهو هو، وهذا ينتقض بقولنا لئن رأيت الأسد لترين منه هضبته. ولئن لقيته لتلقينّ منه الموت فإن الصورة التي أوردها في الإنسان وزعم أن العرب تعتقد أن ذلك معنى كامن فيه قد أوردنا مثلها في الأسد فتخصيصه بالإنسان باطل وكلا الصورتين ليس بتجريد وإنما هو تشبيه مضمر الأداة» . والذي نراه أن ابن الأثير تحامل على أبي علي لأن كون هذا المثال من التشبيه المضمر الأداة لا يمنع كونه تجريدا في وقت واحد. وحسبنا ما تقدم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.