الباحث القرآني

* الإعراب: (لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ) كلام مستأنف للشروع في وصف الإنسان في حالتي شدته ورخائه. ولا نافية ويسأم الإنسان فعل مضارع وفاعل ومن دعاء الخير متعلقان بيسأم (وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ) الواو عاطفة وإن شرطية ومسّه فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به والشر فاعل والفاء رابطة للجواب ويئوس خبر لمبتدأ محذوف أي فهو يئوس وقنوط خبر ثان. والفرق بين اليأس والقنوط وكلاهما بمعنى قطع الرجاء من رحمة أن اليأس من منعات القلب والقنوط ظهور آثاره على ظاهر البدن وقيل هما مترادفان من غير فارق بينهما، وفي المختار: «اليأس القنوط وقد يئس من الشيء من باب فهم وفيه لغة أخرى يئس ييئس بالكسر فيهما وهي شاذة ورجل يئوس، ويئس أيضا بمعنى علم في لغة النخع ومنه قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) ، وآيسه الله من كذا فاستيئس منه بمعنى أيس» وفي المختار أيضا: «أيس منه لغة في يئس وبابهما فهم وآيسه منه غيره بالمدّ مثل أيأسه وكذا أيسه بتشديد الياء تأييسا» وفيه أيضا: «القنوط: اليأس وبابه جلس ودخل وطرب وسلم فهو قنط وقنوط وقانط فأما قنط يقنط بالفتح فيهما، وقنط يقنط بالكسر فيهما فإنما هو على الجمع بين اللغتين» وعبارة الكشاف: «فيئوس قنوط بولغ فيه من طريقين من طريق بناء فعول ومن طريق التكرير. والقنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر أي يقطع الرجاء من فضل الله وروحه وهذه صفة الكافر بدليل قوله تعالى: (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) ، (وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية وأذقناه فعل ماض وفاعل ومفعول به والجملة في محل جزم فعل الشرط ورحمة مفعول به ثان ومن بعد نعت لرحمة أو متعلقان بأذقناه وضرّاء مضاف إليه وجرّ بالفتحة لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة واللام جواب القسم وجواب الشرط محذوف لسدّ جواب القسم مسدّه على القاعدة المشهورة وهذا مبتدأ ولي خبر واللام للاستحقاق أي أستحقه بعملي (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) الواو عاطفة وما نافية وأظن فعل مضارع والفاعل مستتر والساعة مفعول أظن الأول وقائمة مفعولها الثاني والواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية ورجعت في محل جزم الشرط وإلى ربي متعلقان برجعت وإن وما في حيزها جواب القسم ولي خبر إن وعنده حال واللام المزحلقة والحسنى اسم إن وجملة إن لي عنده للحسنى لا محل لها لأنها جواب القسم لسبقه الشرط (فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) الفاء الفصيحة لأنها جواب لقول الكافر ولئن رجعت، واللام موطئة للقسم وننبئنّ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والذين مفعول به وجملة كفروا صلة وبما في محل نصب مفعول ثان لننبئنّ و «ما» يحتمل أن تكون موصولة أو مصدرية ولنذيقنّهم عطف على فلننبئنّ ومن عذاب في موضع المفعول الثاني وغليظ نعت (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أنعمنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وعلى الإنسان متعلقان بأنعمنا وجملة أعرض لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ونأى بجانبه عطف على أعرض والجار والمجرور متعلقان بنأى لأن اللام للتعدية وفيما يلي نص عبارة الزمخشري عن هذا التعبير قال: «فإن قلت: حقق لي معنى قوله تعالى: ونأى بجانبه، قلت: فيه وجهان: أن يوضع جانبه موضع نفسه كما ذكرنا في قوله تعالى «على ما فرطت في جنب الله» أن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة الشيء نفسه ومنه قوله: ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين يريد ونفيت عنه الذئب ومنه «ولمن خاف مقام ربه جنتان» إلى أن يقول: فكأنه قال: ونأى بنفسه كقولهم في المتكبر ذهب بنفسه وذهبت به الخيلاء كلّ مذهب وعصفت به الخيلاء وأن يراد بجانبه عطفه ويكون عبارة عن الانحراف والازورار كما قالوا «ثنى عطفه وتولى بركنه» وفي قراءة وناء بجانبه فالهمزة مؤخرة عن الألف (وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة مسه الشر في محل جر بإضافة الظرف إليها، فذو: الفاء رابطة وذو دعاء خبر لمبتدأ محذوف وعريض نعت لدعاء وسيأتي في باب البلاغة معنى هذا النعت (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) أرأيتم: أي أخبروني عن حالتكم العجيبة وقد تقدم القول في أرأيتم. ومفعول رأى الاول محذوف تقديره أرأيتم أنفسكم والثاني هو الجملة الاستفهامية وإن شرطية وكان فعل الشرط واسمها مستتر تقديره هو أي القرآن ومن عند الله خبر، ثم كفرتم عطف على كان من عند الله وجواب الشرط محذوف تقديره فأنتم أضلّ من غيركم أو ليس ثمة أضلّ منكم وجملة الشرط اعتراض بين المفعولين الأول والثاني ومن اسم استفهام مبتدأ وأضلّ خبر وممّن متعلقان بأضل وهو مبتدأ وفي شقاق بعيد خبر والجملة الاسمية صلة الموصول (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) السين للاستقبال ونريهم فعل مضارع ومفعول به أول وآياتنا مفعول به ثان والرؤية هنا بصرية فلذلك عدّيت إلى اثنين فقط وفي الآفاق حال من الآيات والآفاق جمع أفق وهو الناحية وهو كأعناق في عنق أبدلت همزته ألفا، ونقل الراغب «أنه يقال أفق بفتح الهمزة والفاء فيكون كجبل وأجبال والأفق الذي بلغ نهاية الكرم تشبيها في ذلك بالذاهب في الآفاق والنسبة إلى الأفق أفقي بفتحهما قلت: ويحتمل أنه نسبة إلى المفتوح واستغنوا بذلك عن النسبة إلى المضموم وله نظائر» وفي أنفسهم عطف على في الآفاق (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) حتى حرف غاية وجر ويتبين فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وحتى وما بعدها متعلق بقوله سنريهم وأن وما في حيزها فاعل تبين (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي والواو حرف عطف على مقدر يقتضيه السياق أي ألم يغنهم ولم يكفهم والباء حرف جر زائد وربك مجرور لفظا مرفوع محلا والمفعول به محذوف أي أو لم يكفك ربك، وأن وما في حيزها بدل من ربك فيكون مرفوع المحل مجرور اللفظ وقيل الباء مزيدة في المفعول وأن ما بعدها في محل رفع فاعل أي أو لم يكف بربك شهادته وأن واسمها وشهيد خبرها وعلى كل شيء متعلقان بشهيد (أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) تقدّم إعراب نظيرتها. * البلاغة: في قوله «فذو دعاء عريض» استعارة مكنية تخييلية فقد استعير العرض لكثرة الدعاء وديمومته وهو من صفات الأجرام ويستعار له الطول أيضا ولكن استعارة العرض أبلغ لأنه إذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله شبّه الدعاء بأمر يوصف بالامتداد ثم أثبت له العرض، والطول أطول الامتدادين فإذا كان عرضه بهذه المثابة فناهيك بطوله. * الفوائد: الرجل اللعين: شيء ينصب وسط الزرع لإخافة الطيور، والبيت للشماخ وقبله: وماء قد وردت لأجل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين ذعرت به القطا البيت. وأروى اسم حبيبة الشاعر واللجين: بفتح اللام وكسر الجيم ما يتساقط من الورق من اللجن وهو الدق لأنه يضربه الهواء أو الراعي فيسقط من الشجر وذعرت بفتحتين أي أخفت فيه القطا وخصّها لأنها أسبق الطير إلى الماء والرجل اللعين هو الصورة التي تنصب وسط الزرع تطرد عنه الطير والهوام، يقول: ورب ماء قد وردته لأجل محبوبتي على أن تجيء عنده فأراها وشبّه الطير حول الماء بورق الشجر المتساقط في الكدرة والكثرة والانتشار وكالرجل اللعين حال من ضمير الشاعر فيفيد أنه سبق القطا والذئب وقعد هناك، أو حال من الذئب أي على هيئة مفزعة وفيه دليل على شجاعة الشاعر وجرأته.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.