الباحث القرآني

* الإعراب: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) الواو عاطفة وجزاء سيئة مبتدأ وسيئة خبر ومثلها نعت لسيئة وسيأتي معنى هذا الكلام وأسراره في باب البلاغة (فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) الفاء تفريعية ومن اسم شرط جازم مبتدأ وعفا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وأصلح عطف على عفا والفاء رابطة وأجره مبتدأ وعلى الله خبر والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من وجملة إنه لا يحب الظالمين تعليل وإن واسمها وجملة لا يحب الظالمين خبرها (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) الواو عاطفة واللام للابتداء ومن اسم شرط جازم مبتدأ وانتصر مثل ماض في محل جزم فعل الشرط وبعد ظلمه الظرف متعلق بانتصر وظلمه مضاف إليه والهاء مضافة إلى المصدر والإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله وتؤيده قراءة من قرأ من بعد ما ظلم بالبناء للمجهول والفاء رابطة للجواب وأولئك مبتدأ وما نافية وعليهم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وسبيل مجرور لفظا مرفوع بالابتداء محلا والجملة خبر اسم الإشارة وجملة الإشارة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ وهو من (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) إنما كافّة ومكفوفة والسبيل مبتدأ وعلى الذين خبره وجملة يظلمون الناس صلة (وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) الواو عاطفة ويبغون عطف على يظلمون وفي الأرض متعلقان بيبغون وبغير الحق حال وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم. وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم نعت والجملة خبر أولئك وجملة الإشارة نصب على الحال (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) تقدم إعراب نظيرها قريبا فجدد به عهدا، نعم في الكلام حذف الفاء من قوله إن ذلك وهو جواب الشرط فالأولى جعل من موصولة مبتدأ وقوله إن ذلك خبر، وإن واسمها واللام المزحلقة ومن عزم الأمور خبر. * البلاغة: 1- جناس المزاوجة: في قوله «وجزاء سيئة سيئة مثلها» جناس المزاوجة اللفظي فإن السيئة الثانية ليست بسيئة وإنما هي مجازاة عن السيئة، سميت باسمها لقصد المزاوجة، ومثله في البقرة قوله تعالى «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم» فقد تقدم القول هناك أنه تعالى سمى جزاء الاعتداء اعتداء ليكون في نظم الكلام مزاوجة وبعضهم يعبّر عنها بالمشاكلة وبعض المحققين لا يجعله من ذلك الباب بل يقول: إن غرضه تعالى أن السيئة ينبغي أن تقابل بالعفو والصفح عنها فإن عدل عن ذلك إلى الجزاء كان ذلك سيئة مثل تلك السيئة وهذا الكلام لا يخلو من نفحة صوفية روحانية. 2- التهذيب: وفي هذه الآية فن التهذيب أيضا فإنها سلمت من المحذور الذي يقتضي تهذيبها، وتفصيل ذلك أنه عند ما يسند الفعل إلى الله تعالى ينبغي العدول عن إسناد الإساءة إليه كما في قوله «يجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى» فإن صحة المقابلة في هذا النظم أن يقال ليجزي الذين أساءوا بالإساءة حتى تصحّ مقابلته بقوله «ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى» لكن منع من ذلك التزام الأدب مع الله سبحانه في إسناد فعل الإساءة إليه أو الآية التي نحن بصددها فقد أمن فيها ذلك المحذور فأتى النظم على مقتضى البلاغة من مجيء تجنيس الازدواج فيه على وجهه من غير تغير إذ لا ضرورة تدعو إلى تغييره. وفي قوله «فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين» فنّ رفيع وهو التهذيب أيضا فإن الانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز السيئة والاعتداء خصوصا في حالة الفوران والغليان والتهاب الحمية وفي هذا جواب لمن يتساءل ما معنى ذكر الظلم عقب العفو مع أن الانتصار ليس بظلم. ومن هذا الديباج الخسرواني قوله تعالى «وإذا أذقنا الإنسان منّا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدّمت أيديهم فإن الإنسان كفور» فلم يقل فإنه كفور ليسجل على هذا الجنس أنه موسوم بكفران النعم كما سيأتي قريبا، ومنه أيضا «وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم» فوضع الظالمين موضع الضمير الذي كان من حقه أن يعود على اسم إن فيقال ألا إنهم في عذاب مقيم فأتى هذا الظاهر تسجيلا عليهم بلسان ظلمهم وهذا من البديع الذي يسمو على طاقات المبدعين. * الفوائد: حذف الفاء الرابطة: قد تحذف الفاء الرابطة في الندرة كقوله صلى الله عليه وسلم لأبيّ بن كعب لما سأله عن اللقطة: فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها، أخرجه البخاري، أو في الضرورة كقول حسان بن ثابت: من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشرّ عند الله مثلان أراد فالله يشكرها، وعن المبرد أنه منع ذلك مطلقا ولكنه وارد كثيرا كقوله: ومن لا يزل ينقاد للغي والصبا ... سيلفى على طول السلامة نادما أراد فسيلفى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.