الباحث القرآني

* الإعراب: (حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ) تقدم القول في مثلها في سورة الزخرف فجدّد به عهدا (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) إن واسمها وجملة أنزلناه خبرها وفي ليلة متعلقان بأنزلناه ومباركة نعت ليلة وجملة إنّا أنزلناه جواب القسم وإنّا إن واسمها وجملة كنّا خبرها وكان واسمها ومنذرين خبرها وجملة إنّا كنّا لا محل لها لأنها جواب القسم أيضا من غير عاطف أو مستأنفة أو تفسيرية لجواب القسم (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) الجملة مستأنفة أو صفة لليلة وعبارة الزمخشري غاية في إعرابها قال: «فإن قلت إنّا كنّا منذرين فيها يفرّق كل أمر حكيم ما موقع هاتين الجملتين؟ قلت هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان فسّر بهما جواب القسم الذي هو قوله تعالى: إنّا أنزلناه في ليلة مباركة كأنه قيل أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا لأن إنزال القرآن من الأمور الحكيمة وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر حكيم» وفيها متعلقان بيفرق ويفرق فعل مضارع مبني للمجهول وكل أمر نائب فاعل وحكيم صفة لأمر أي يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم وجميع شئونهم (أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) أجازوا في أمرا وجوها عديدة ولم يترجح لنا وجه معين لنجزم به فنورد عبارة أبي البقاء ثم نورد بقية الأقوال في باب الفوائد قال: «في نصبه أوجه أحدها هو مفعول منذرين كقوله لينذر بأسا شديدا والثاني هو مفعول له والعامل فيه أنزلناه أو منذرين أو يفرق والثالث هو حال من الضمير في حكيم أو من أمر لأنه قد وصف أو من كل أو من الهاء في أنزلناه والرابع أن يكون في موضع المصدر أي فرقا من عندنا والخامس أن يكون مصدرا أي أمرنا أمرا ودلّ على ذلك ما يشتمل الكتاب عليه من الأوامر والسادس أن يكون بدلا من الهاء في فأنزلناه» ومن عندنا صفة لأمر أو متعلق بيفرق وإن واسمها وجملة كنّا مرسلين خبر إنّا (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أجازوا في رحمة خمسة أوجه متساوية الرجحان الأول المفعول لأجله والعامل فيه إما أنزلناه وإما أمرا وإما يفرق وإما منذرين والثاني أنه مصدر منصوب بفعل مقدّر أي رحمنا رحمة والثالث أنه مفعول بمرسلين والرابع أنه حال من ضمير مرسلين أي ذوي رحمة والخامس أنه بدل من أمرا فيجيء فيه ما تقدم، ومن ربك صفة لرحمة أو متعلق بنفس الرحمة وإن واسمها وهو مبتدأ أو ضمير فصل والسميع العليم خبران لهو أو لإنه وقد تقدمت له نظائر (رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) رب السموات والأرض بدل من ربك وما عطف على السموات والأرض والظرف صلة الموصول وإن شرطية وكنتم في محل جزم فعل الشرط وموقنين خبر كنتم وجواب الشرط محذوف تقديره فأيقنوا بأن محمدا رسوله (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) الجملة خبر أيضا لأن، وربكم خبر رابع أو خبر لمبتدأ محذوف ورب آبائكم الأولين عطف على ما تقدم (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ) إضراب عن محذوف كأنه قال فليسوا بموقنين بل هم في شكّ بحسب ضمائرهم وهم مبتدأ وفي شك خبر وجملة يلعبون حال. * الفوائد: 1- ليلة القدر: المراد بالليلة المباركة ليلة القدر وقد اختلف فيها وفي تحديد موعدها وقيل ليلة النصف من شعبان ويمكن الرجوع في معرفتها إلى المطولات هذا ويتطلع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلى ليلة القدر والاحتفال بها والحرص عليها والتعرّض لما يحتشد فيها من خير كثير وثواب كبير وليلة القدر من الشئون الدينية التي صحّ بها النص صحة لا تدع في صدر المؤمن ريبا أو حرجا وإن كان لم يرد معها ذلك السر الذي دعا المسلمين إلى تكريمها من أجله، والذي نراه أن ليلة القدر لم تكن ولن تكون بابا يفتح في السماء أو نورا يملأ فضاء البيت وإنما هي مبدأ لرحمة الله الشاملة التي استنفذت الإنسانية كلها من ربقة الطغيان وأخذت بأيدي الحيارى إلى مسالك واضحة المعالم شريفة الغايات والأهداف يستشعرون فيها برد الطمأنينة، وراحة السكينة واسترجاع الرشد العازب، وربما كان من أجل هذه المعاني الشريفة في ليلة القدر جعل قيامها سترا للعيوب وغفرانا للذنوب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. 2- أقوال المعربين في أمرا: قال الزمخشري: «أمرا من عندنا نصب على الاختصاص، جعل كل أمر جزلا بأن وصفه بالحكيم ثم زاده جزالة وكسبه فخامة بأن قال أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا كائنا من لدنا وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا، ويجوز أن يراد به الأمر الذي هو ضد النهي ثم إما أن يوضع موضع فرقانا الذي هو مصدر يفرق لأن معنى الأمر والفرقان واحد من حيث أنه إذا أحكم بالشيء وكتبه فقد أمر به أو يكون حالا من أحد الضميرين في أنزلناه إما من ضمير الفاعل أي أنزلناه آمرين أمرا أو من ضمير المفعول أي أنزلناه في حال كونه أمرا من عندنا بما يجب أن يفعل» . أما الشهاب السمين فقد قال فيه أوجه: أحدها أن ينتصب حالا من فاعل أنزلناه والثاني أنه حال من مفعوله أي أنزلناه آمرين أو مأمورا به والثالث أن يكون مفعولا له وناصبه إما أنزلناه وإما منذرين وإما يفرق والرابع أنه مصدر من معنى يفرق أي فرقا وهناك أقوال أخرى لا تخرج عن هذا النطاق.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.