الباحث القرآني

* اللغة: (وَفِصالُهُ) في المختار: «الفصال هو الفطام، وقرئ وفصله والفصل والفصال كالعظم والعظام بناء ومعنى وسيأتي المراد به في باب البلاغة. و (بَلَغَ أَشُدَّهُ) تقدم تفسير الأشد وعبارة الكشاف: «بلوغ الأشد أن يكتهل ويستوفي السن التي تستحكم فيها قوته وعقله وتمييزه وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين» . (أَوْزِعْنِي) ألهمني وقد تقدم تفسيرها. * الإعراب: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً) كلام مستأنف مسوق لبيان العبرة في اختلاف حال الإنسان مع أبويه فقد يطيعهما وقد يخالفهما وما دام الإنسان مركوزا على هذه السجية فلا يبعد مثل هذا مع النبي صلى الله عليه وسلم. ووصينا فعل وفاعل والإنسان مفعول به وبوالديه متعلقان بوصّينا وإحسانا مصدر منصوب بفعل محذوف أي وصّيناه أن يحسن إليهما إحسانا وقيل هو مفعول به على تضمين وصينا معنى ألزمنا فيكون مفعولا ثانيا وقيل بل هو منصوب على أنه مفعول من أجله أي وصيناه بهما إحسانا منّا إليهما وقرئ حسنا وإعرابه كما تقدم (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) الجملة لا محل لها لأنها تعليلية للوصية المذكور وحملته أمه فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر وكرها بضم الكاف وفتحها وقد قرئ بهما وهو منصوب على الحال من الفاعل أي ذات كره ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي حملا كرها ووضعته كرها عطف على ما تقدم (وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) الواو حالية وحمله مبتدأ وفصاله عطف على حمله وثلاثون خبر وشهرا تمييز (حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) حتى حرف غاية وجر أي وعاش إلى أن بلغ أشدّه وإذا ظرف مستقبل وجملة بلغ أشده في محل جر بإضافة الظرف إليها وبلغ عطف على بلغ الأولى وأربعين مفعول به وسنة تمييز ولا بدّ من تقدير مضاف أي تمام أربعين (قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ) جملة قال لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ورب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وقد تقدم تقريره وأوزعني فعل أمر للدعاء وأن وما في حيزها في محل نصب مفعول أوزعني ونعمتك مفعول أشكر والتي صفة نعمتك وجملة أنعمت عليّ صلة وأن أعمل عطف على أن أشكر وصالحا مفعول به أو صفة لمصدر محذوف وجملة ترضاه صفة لعملا (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وأصلح عطف على أوزعني ولي متعلقان بأصلح وفي ذريتي متعلقان بمحذوف حال وعبارة الزمخشري: «فإن قلت ما معنى وأصلح لي في ذريتي؟ قلت معناه أن يجعل ذريته موقعا للصلاح ومظنة له كأنه قال هب لي الصلاح في ذريتي وأوقعه فيهم» وأحسن من ذلك عبارة الشهاب الخفاجي في حاشيته على البيضاوي: «يعني كان الظاهر أصلح لي ذريتي لأن الإصلاح متعدّ كما في قوله تعالى وأصلحنا له زوجه فقيل أنه عدّي بفي لتضمنه معين اللطف أي الطف بي في ذريتي أو هو نزل منزلة اللازم ثم عدي بفي ليفيد سريان الصلاح فيهم وكونهم كالظرف له لتمكنه فيهم وهذا ما أراده المصنف وهو الأحسن» وإن واسمها وجملة تبت خبرها وإليك متعلقان بتبت وإني من المسلمين عطف على إني تبت إليك (أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا) أولئك مبتدأ والذين خبره وجملة نتقبل عنهم صلة وأحسن مفعول به وما موصول مضاف إليه وجملة عملوا صلة ويجوز أن تكون ما مصدرية أي أحسن عملهم (وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ) ونتجاوز عطف على نتقبل داخل في حيز الصلة وعن سيئاتهم متعلقان بنتجاوز وفي أصحاب الجنة حال وعبارة الزمخشري «فإن قلت ما معنى قوله في أصحاب الجنة قلت هو نحو قولك أكرمني الأمير في ناس من أصحابه تريد أكرمني في جملة من أكرم منهم ونظمني في عدادهم ومحله النصب على الحال على معنى كائنين من أصحاب الجنة ومعدودين فيهم» وأجاز أبو البقاء وغيره أن يكون الجار والمجرور في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم في أصحاب الجنة. ووعد الصدق مصدر منصوب بفعله المقدّر أي وعدهم الله وعد الصدق أي وعدا صادقا وهو مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة والذي صفة لوعد الصدق وجملة كانوا يوعدون صلة الموصول وجملة يوعدون خبر كانوا ويوعدون فعل مضارع مرفوع مبني للمجهول والواو نائب فاعل (وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما) والذي مبتدأ سيأتي خبره فيما بعد وجملة قال صلة ولوالديه متعلقان بقال وأفّ اسم فعل مضارع معناه أتضجر وقد تقدم القول فيه ولكما جار ومجرور في محل نصب على الحال لأن اللام للبيان (أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي) الهمزة للاستفهام الإنكاري وتعدانني فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به وأن أخرج في تأويل مصدر مفعول ثان لتعدانني أو نصب على نزع الخافض وأخرج فعل مضارع مبني للمجهول، وقد الواو حالية وقد حرف تحقيق وخلت القرون فعل وفاعل ومن قبلي متعلقان بخلت (وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) الواو للحال وهما مبتدأ وجملة يستغيثان في محل رفع خبر المبتدأ ولفظ الجلالة مفعول به، واستغاث يتعدى بنفسه تارة وبالباء أخرى ولكنه لم يرد في القرآن إلا متعديا بنفسه، وقال الرازي: «معناه يستغيثان بالله من كفره فلما حذف الجار وصل الفعل، وقيل: الاستغاثة الدعاء فلا حاجة إلى الباء» وويلك مصدر أمات العرب فعله والجملة معمولة لقول مقدّر أي يقولان ويلك آمن والجملة في محل نصب على الحال أي يستغيثان الله قائلين، وعبارة أبي البقاء: «وويلك مصدر لم يستعمل فعله وقيل هو مفعول به أي ألزمك الله ويلك» وآمن فعل أمر من الإيمان وهو من جملة مقولهما وإن واسمها وخبرها والجملة تعليلية للأمر لا محل لها والفاء عاطفة على القول المحذوف وما نافية وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وأساطير الأولين خبر هذا والجملة مقول القول. * البلاغة: في قوله «وحمله وفصاله ثلاثون شهرا» مجاز مرسل علاقته المجاورة لأن الفصال هو الفطام وأريد به هنا مدته التي يعقبها الفطام. * الفوائد: 1- تضمنت هذه الآيات تعليمات فريدة في برّ الوالدين لأن إكرامهما من العمل الذي يحبه الله تعالى ويساوي ثواب الجهاد في سبيله ولا غرو فقد قرن الله رضاه برضاهما وقد تقدم ذلك في سورة النساء حيث يقول تعالى: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا» وقال تعالى في سورة العنكبوت «ووصّينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون» وقد أخرج مسلم من طريق مصعب بن سعد عن أبيه قال: حلفت أم سعد لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه قالت: زعمت أن الله أوصاك بوالديك فأنا أمك وأنا آمرك بهذا فنزلت الآية، وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت رواه البخاري ومسلم والمعنى تمنينا أنه يسكت إشفاقا عليه لما رأوا من أثر انزعاجه في ذلك، وقال ابن دقيق العيد: اهتمامه صلى الله عليه وسلم بشهادة الزور يحتمل أن يكون لأنها أسهل وقوعا على الناس والتهاون بها أكثر ومفسدتها أكثر وقوعا لأن الشرك ينبو عنه المسلم والعقوق ينبو عنه الطبع وأما قول الزور فإن الحوامل عليه كثيرة فحسن الاهتمام بها وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها. 2- مدة الحمل: قال أبو حيان: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا أي ومدة حمله وفصاله وهذا لا يكون إلا بأن يكون أحد الطرفين ناقصا إما بأن تلد المرأة لستة أشهر وترضع عامين وإما أن تلد لتسعة أشهر على العرف وترضع عامين غير ربع عام فإن زادت مدة الحمل نقصت مدة الرضاع فمدة الرضاع عام وتسعة أشهر وإكمال العامين لمن أراد أن يتم الرضاعة وقد كشفت التجربة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر كنص القرآن، وقال جالينوس: كنت شديد الفحص عن مقدار زمن الحمل فرأيت امرأة ولدت لمائة وأربع وثمانين ليلة وزعم ابن سينا أنه شاهد ذلك وأما أكثر الحمل فليس في القرآن ما يدل عليه وحكي عن أرسطاطاليس أنه قال: إن مدة الحمل لكل الحيوان مضبوطة سوى الإنسان فربما وضعت لسبعة أشهر ولثمانية وقلّما يعيش الولد في الثامن إلا في بلاد معينة مثل مصر. 3- لطيفة: ذكر تعالى الأم في ثلاث مراتب: في قوله بوالديه وحمله وإرضاعه المعبّر عنه بالفصال، وذكر الوالد في واحدة في قوله بوالديه فناسب ما قال الرسول من جعل ثلاثة أرباع البرّ للأم والربع للأب في قول الرجل: يا رسول الله من أبرّ؟ قال أمك قال ثم من؟ قال أمك قال ثم من؟ قال أمك قال ثم من؟ قال أباك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.