الباحث القرآني

* اللغة: (ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أي: سافرتم. (الْأَوْلَيانِ) : مثنى الأولى، أي: الأحق بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما. * الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان أحكام تتعلق بأمور الدنيا بعد بيان الأحوال المتعلقة بأمور الآخرة. وشهادة مبتدأ، وبينكم مضاف اليه، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب المحذوف، أي: فشهادة اثنين، وجملة حضر أحدكم الموت في محل جر بالاضافة، وحين الوصية ظرف متعلق بحضر، واثنان خبر شهادة، ولا بد من تقدير مضاف محذوف، وذلك ليتطابق المبتدأ والخبر، وذلك لأن الشهادة لا تكون هي الاثنان، إذ الجثة لا تكون خبرا عن المصدر. وجوّز الزمخشري أن تكون شهادة مبتدأ، والخبر محذوف، أي: فيما فرض عليكم شهادة، واثنان فاعل بشهادة، أي: أن يشهد اثنان. وهذا ما جرى عليه ابن هشام أيضا. وذوا عدل صفة ل «اثنان» ، ومنكم صفة أيضا (أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أو حرف عطف، وآخران عطف على «اثنان» ، ومن غيركم متعلقان بمحذوف صفة ل «آخران» أي: من غير ملتكم، وإن شرطية، وأنتم فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي: فالشاهدان آخران، وجملة ضربتم مفسرة لا محل لها، وفي الأرض متعلقان بضربتم، وجملة الشرط معترضة لا محل لها (فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ) الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب، وأصابتكم عطف على ضربتم، ومصيبة الموت فاعل أصابتكم، وتحبسونهما فعل مضارع ومفعول به، وقد اختلفوا في موضع هذه الجملة، والأظهر أنها صفة ل «آخران» . وقال الزمخشري: «فإن قلت: ما موضع تحبسونهما؟ قلت: هو استئناف كلام: كأنه قيل بعد اشتراط العدالة فيهما: فكيف نعمل إن ارتبنا بهما؟ فقيل: تحبسونهما» . وعقب أبو حيّان على ذلك فقال: وما قاله الزمخشري من الاستئناف أظهر من الوصف لطول الفصل بالشرط والمعطوف عليه بين الموصوف وصفته، ولا موجب لهذا الزعم. ومن بعد الصلاة متعلقان بتحبسونهما (فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى) الفاء عاطفة، ويقسمان عطف على تحبسونهما، وبالله متعلقان بيقسمان، وإن شرطية، وارتبتم فعل وفاعل في محل جزم فعل الشرط، والجواب محذوف دل عليه ما قبله، وتقديره: إن ارتبتم فيهما فحلفوهما. وفعل الشرط وجوابه المقدر جملة لا محل لها لأنها معترضة بين القسم وجوابه، وليست هذه الآية مما اجتمع فيه شرط وقسم فأجيب بالمتقدم منهما، وحذف جواب الآخر لدلالة جواب الشرط عليه، لأن تلك المسألة مشروطة بأن يكون القسم صالحا لأن يكون جوابا للشرط، حتى يسدّ مسد جوابه، نحو: والله إن تزرني لأكرمنّك، لأنك إن قدّرت: «إن تزرني أكرمك» صح، وهنا لا يقدر جواب الشرط ما هو جواب للقسم، بل يقدر جوابه قسما برأسه. ألا ترى أن تقديره هنا: «إن ارتبتم فحلفوهما» ، ولو قدرته غير ذلك لم يصحّ! وقال آخرون: إن ثمّ قولا محذوفا تقديره: فيقسمان بالله ويقولان هذا القول في أيمانهما. والعرب تضمر كثيرا القول، كقوله تعالى: «والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام» ، أي: يقولون: «سلام عليكم» ، ولا نافية، ونشتري فعل مضارع مرفوع، والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم، وبه متعلقان بنشتري، وثمنا مفعول به، والواو حالية، ولو شرطية، وكان فعل ماض ناقص، واسمها مستتر، أي: المقسم له، وذا قربى خبر كان، وجواب «لو» محذوف دل عليه ما قبله، أي: فلا نشتري به، وجملة لو الشرطية وما في حيزها في محل نصب حال (وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ) الواو عاطفة، وجملة لا نكتم عطف على منتظم معه في حكم القسم، وشهادة الله مفعول به، وإن واسمها، وإذن حرف جواب وجزاء مهملة، واللام المزحلقة، ومن الآثمين متعلقان بمحذوف خبر إن، وجملة إن وما في حيزها لا محل لها بمثابة التعليل لعدم الكتمان (فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً) الفاء استئنافية، وإن شرطية، وعثر فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط، وعلى أنهما جار ومجرور نائب فاعل، أي: فإن اطلع على استحقاقهما الإثم، وأن واسمها، وجملة استحقا في محل رفع خبر أن، والألف فاعل استحقا، وإثما مفعول استحقا (فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ) الفاء رابطة لجواب الشرط، وآخران مبتدأ، ساغ الابتداء به لأنه وصف، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، وجملة يقومان في محل رفع خبر على الأول أو صفة على الثاني، ومقامهما مفعول مطلق، ومن الذين صفة ل «آخران» وجملة استحق لا محل لها لأنها صلة الموصول، وعليهم متعلقان باستحق، والأوليان خبر لمبتدأ محذوف، أي: هما الأوليان، أو فاعل استحق، وجملة فآخران في محل جزم جواب الشرط (فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما) الفاء عاطفة، ويقسمان فعل مضارع مرفوع عطفا على يقومان، والألف فاعل، وبالله متعلقان بيقسمان، واللام واقعة في جواب القسم، وشهادتنا مبتدأ، وأحق خبر، ومن شهادتهما متعلقان بأحق، وجملة شهادتنا لا محل لها لأنها واقعة في جواب القسم (وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) الواو استئنافية، وما نافية، واعتدينا فعل ماض وفاعل، وإن واسمها، وإذن حرف جواب وجزاء مهمل، ومن الظالمين خبر إن، والجملة تعليلية لا محل لها (ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها) اسم الإشارة مبتدأ، وأدنى خبر، والجملة مستأنفة، وأن وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لأدنى، وبالشهادة متعلقان بيأتوا، وعلى وجهها متعلقان بمحذوف حال (أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ) أو حرف عطف، ويخافوا عطف على يأتوا، وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول ليخافوا، وأيمان نائب فاعل ترد، والظرف بعد متعلق ب «ترد» ، وأيمانهم مضاف إليه (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) الواو استئنافية، واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به، واسمعوا عطف على اتقوا، والواو استئنافية والله مبتدأ، وجملة لا يهدي خبر، والقوم مفعول به، والفاسقين صفة للقوم. * الفوائد: هذه الآيات الثلاث شغلت المفسرين والمعربين كثيرا فأطالوا الحديث، وليس ثمة ما يستدعي الإطالة، فقد ذكر مكي بن أبي طالب في كتابه المسمى ب «الكشف» أن هذه الآيات في قراءاتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آي القرآن. وقال السخاوي: لم أر أحدا من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها. وقال السمين الحلبي: وأنا أستعين الله في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفة تأليفها، وأما بقية علومها فنسأل الله العون في تهذيبه. وقد حاولنا نحن الاختصار جهد الطاقة، واكتفينا بقراءة حفص، أما بقية أحكامها فلا بد من النظر في كتب الحديث وكتب التفسير المطوّلة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.