الباحث القرآني

* الإعراب: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا) الواو عاطفة، والكلام معطوف على الاستفهام في الآية المتقدمة، لأن الاستفهام بمعنى الأمر كما تقدم. والمعنى انتهوا وأطيعوا. ولك أن تجعلها استئنافية، وأطيعوا الله فعل وفاعل ومفعول به، وأطيعوا الرسول عطف على أطيعوا الله، واحذروا عطف أيضا (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) الفاء استئنافية، وإن شرطية، وتوليتم فعل ماض وفاعل، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطة لجواب الشرط، والجواب محذوف تقديره: فجزاؤكم علينا، وجملة فاعلموا عطف على الجواب، وأنما كافة ومكفوفة، وهي مع مدخولها سدت مسد مفعولي اعلموا، وعلى رسولنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والبلاغ مبتدأ مؤخر، والمبين صفة (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على تساؤل بعض الصحابة الذين قالوا: يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم بشربون الخمر ويأكلون الميسر؟ فنزلت: ليس ... وليس فعل ماض ناقص، وعلى الذين متعلقان بمحذوف خبر ليس المقدم، وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الموصول، وجملة وعملوا الصالحات عطف على الصلة، وجناح اسم ليس المؤخر، وفيما متعلقان بمحذوف صفة لجناح، وجملة طعموا لا محل لها لأنها صلة الموصول (إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) إذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وما زائدة، وجملة اتقوا في محل جر بإضافة الظرف إليها، والعامل في إذا معنى النفي في ليس، أي: انتفى الإثم عنهم، وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله، أي: فليس عليهم جناح، وآمنوا عطف على اتقوا، وعملوا الصالحات عطف على ما تقدم أيضا (ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا) عطف أيضا، وسيأتي سر التكرير البديع في باب البلاغة (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) الواو استئنافية، والله مبتدأ، وجملة يحب خبر، والمحسنين مفعول به. * البلاغة: تقدم البحث في التكرار أو التكرير، وهما مصدران لكرّر المضعفة، وقلنا: إن حده أن يكرر الكاتب أو الشاعر الكلمة أو الكلمتين فصاعدا، لتأكيد ما يتحدث عنه، ليزداد رسوخا في الذهن، أو لغرض آخر. وفي هذه الآية يحتمل أن يكون التكرار إشارة إلى العلاقات التي يرتبط بها الإنسان في حياته، وهي: علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بغيره، وعلاقة الإنسان بربه، ولذلك عقّب عليها بالإحسان في الكرة الثالثة، ويحتمل أن يكون إشارة إلى مراحل العمر الثلاث التي يجتازها الإنسان في رحلته الحياتية، وهي: مرحلة البدء بالحياة، ومرحلة الوسط في العمر، ومرحلة المنتهى. ولعل الاحتمالين مرادان في هذا التكرار البديع، زيادة في التقوى والتجمّل وإقامة الموازين القسط في جميع مراحل حياته وحالاته الثلاث، وسيأتي من التكرير في هذا الكتاب ما يسحر الألباب، واستمع إلى قول البحتري متغزّلا: ويوم تثنّت للوداع وسلّمت ... بعينين موصول بلحظهما السحر توهمتها ألوى بأجفانها الكرى ... كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر فالكرى هو النوم، ولكن في تكريره هنا معنى يدرك بالبداهة، أشبه بأخذة السحر. واستمع إلى قول المساور بن هند: جزى الله عنّي غالبا من عشيرة ... إذا حدثان الدهر نابت نوائبه فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت ... عليّ وموج قد علتني غواربه فصدر البيت الثاني وعجزه يدلّان على معنى واحد، لأن تلاحم الكرب عليه كتعالي الموج من فوقه، وإنما سوّغ ذلك أنه مقام مدح وإطراء، ألا ترى أنه يصف إحسان هؤلاء القوم عند حدثان دهره، في التكرير! وفي قبالته لو كان القائل هاجيا فإن الهجاء في هذا كالمدح. ونحب هنا أن نستدرك فنقول ليس كل تكرير حسنا، فبعضه يكون غثا كقول أبي الطيب المتنبي من قصيدته البديعة التي يقول في مطلعها: أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن وهذا من أجمل الشعر وأروعه، على أنه ما لبث أن قال: العارض الهتن ابن العارض ال ... هتن العارض الهتن ابن العارض الهتن فهذا ليس من التكرير المستحسن، لأنه كقولك: الموصوف بكذا ابن الموصوف بكذا وكذا، أي إنه عريق النسب بهذا الوصف، فلم يأت بجديد، ثم اللفظ ليس بمرضي على هذا الوجه الذي قد استعمل فيه، فإن استعمالها في حالة التركيب يذهب بحسنها. ومن طريف التكرير قول المقنع الكندي: وإنّ الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيّي هويت لهم رشدا وحسبنا ما تقدم الآن.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.