الباحث القرآني

* اللغة: (اللَّاتَ) جاء في القاموس ما يلي: «واللات مشددة التاء صنم وقرأ بها ابن عباس وعكرمة وجماعة، سمي بالذي كان يلت عنده السويق بالسمن ثم خفف، وجاء في البحر قوله: واللات صنم كانت العرب تعظمه قال قتادة كان بالطائف وقال أبو عبيدة وغيره كان في الكعبة وقال ابن زيد: كان بنخلة عند سوق عكاظ قال ابن عطية وقول قتادة أرجح ويؤيده قول الشاعر: وفرّت ثقيف إلى لاتها ... بمنقلب الخائب الخاسر والتاء في اللات قيل أصلية لام الكلمة كالباء من باب وألفه منقلبة فيما يظهر من ياء لأن مادة ليت موجودة فإن وجدت مادة من ل وت جاز أن تكون منقلبة من واو وقيل التاء للتأنيث ووزنها فعلة من لوى قيل لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة أو يلتوون عليها أي يطوفون حذفت لامها وقرأ الجمهور اللات خفيفة التاء وابن عباس ومجاهد ومنصور بن المعتمر وأبو صالح وطلحة وأبو الجوزاء ويعقوب وابن كثير في رواية بشدّها قال ابن عباس كان هذا رجلا بسوق عكاظ يلت السمن والسويق عند صخرة. (الْعُزَّى) فعلى من العز وهي تأنيث الأعز كالفضلى والأفضل وهي اسم صنم وقيل شجرة كانت تعبد وعبارة الكشاف: «والعزى كانت لغطفان وهي سمرة وأصلها تأنيث الأعز وبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويليها واضعة يدها على رأسها فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها وهي تقول: يا عزّ كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك ورجع فأخبر رسول الله فقال عليه السلام تلك العزى ولن تعبد أبدا» وجاء في القاموس «والعزى العزيزة وتأنيث الأعز، وصنم أو سمرة عبدتها غطفان أول من اتخذها ظالم بن أسعد فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال بنى عليها بيتا وسمّاه بسا وكانوا يسمعون فيها الصوت فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فهدم البيت وأحرق السمرة» . (مَناةَ) صخرة كانت لهذيل وخزاعة وعن ابن عباس لثقيف واشتقاقها من منى يمنى أي صبّ لأن دماء النسائك كانت تصب عندها. (ضِيزى) جائرة من ضازه يضيزه إذا ضامه وجار عليه وعلى هذا فتحتمل وجهين أحدهما أن تكون صفة على فعلى بضمّ الفاء وإنما كسرت الفاء لتصحّ الياء كبيض، فإن قيل: وأي ضرورة تدعو إلى أن يقدّر أصلها ضم الفاء ولم لا قيل فعلى بالكسر؟ فالجواب أن سيبويه حكى أنه لم يرد في الصفات فعلى بكسر الفاء وإنما ورد بضمها نحو حبلى وأنثى وربا وما أشبهه إلا أن غيره حكى في الصفات ذلك حكى ثعلب: ميتة حيكى ورجل كيسى وحكى غيره امرأة عزهى وامرأة سعلى وهذا لا ينقض على سيبويه لأن سيبويه يقول في حيكى وكيسى كقوله في ضيزى لتصحّ الياء وأما عزهى وسعلى فالمشهور فيهما عزهاة وسعلاة والوجه الثاني أن تكون مصدرا كذكرى قال الكسائي: يقال ضاز يضيز ضيزى كذكر يذكر ذكرى وقرئ ضئزى بهمزة ساكنة ومعنى ضأزه يضأزه: نقصه ظلما وجورا وهو قريب من الأول، وفي المختار ضاز في الحكم جار وضازه فيه نقصه وبخسه وبابهما باع، وسيأتي مزيد بحث عن هذه الكلمة في باب البلاغة. * الإعراب: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) الهمزة للاستفهام الإنكاري والفاء حرف عطف لترتيب الرؤية على ما ذكر من شئونه تعالى المنافية لها غاية المنافاة والتقدير: أعقيب ما سمعتم من آثار كماله ونفاذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت أطباق الثرى أرأيتم هذه الأصنام مع غاية حقارتها وفسولتها شركاء لله تعالى. ورأيتم فعل وفاعل واللات مفعوله والعزى ومناة معطوفتان على اللات والثالثة الأخرى صفتان الأولى صفة للتين قبلها والثانية صفة ذم للثالثة، وستأتي أسرار هذه الصفات في باب البلاغة، ومفعول رأيتم الثاني محذوف تقديره قادرة على شيء ويجوز أن تكون من رؤية العين فلا تحتاج إلى مفعول ثان (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى) الهمزة للاستفهام الإنكاري أيضا ولكم خبر مقدم والذكر مبتدأ مؤخر وله الأنثى عطف على لكم الذكر (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى) تلك مبتدأ والإشارة إلى القسمة المفهومة من الجملة الاستفهامية وإذن بمعنى الجواب والجزاء والمعنى إذ جعلتم له البنات ولكم البنين وقسمة خبر وضيزى صفة لقسمة (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ) إن نافية وهي مبتدأ وإلا أداة حصر وأسماء خبر هي وسميتموها فعل وفاعل ومفعول به ثان والأول محذوف تقديره أصناما وأنتم تأكيد للفاعل ليصحّ عطف وآباؤكم عليه على حدّ قول صاحب الخلاصة: وإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصل بالضمير المنفصل وجملة سميتموها صفة لأسماء وكذلك جملة ما أنزل وما نافية وأنزل الله فعل وفاعل وبها حال لأنه كان في الأصل صفة لسلطان ومن حرف جر زائد وسلطان مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى) إن نافية ويتبعون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وإلا أداة حصر والظن مفعول يتبعون والواو حرف عطف وما موصول معطوف على الظن ولك أن تجعلها مصدرية والواو حالية أو اعتراضية واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وجاءهم فعل ماض ومفعول به مقدّم ومن ربهم متعلقان بجاءهم والهدى فاعل جاءهم والجملة إما حالية من فاعل يتبعون أو معترضة لا محل لها، والتفت من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عنهم وتحقيرا لشأنهم (أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى) أم منقطعة بمعنى بل والهمزة للإنكار وللإنسان خبر مقدم وما مبتدأ مؤخر وجملة تمنى صلة ما أي الذي تمنّاه وترجّاه في الأصنام (فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى) الفاء عاطفة على مقدّر مفهوم من معنى أم أي ليس الأمر كذلك ولله خبر مقدم والآخرة مبتدأ مؤخر والأولى عطف على الآخرة. * البلاغة: 1- في قوله تعالى «ومناة الثالثة الأخرى» أسرار مدهشة تحتاج إلى كثير من الفطنة والدقة لاستخراج ما تنطوي عليه من جمال آسر، فقد وصف مناة بقوله الثالثة لأنها أقل بالرتبة من اللات والعزّى فقد كانت عندهم دونهما في المنزلة، أما الوصف بقوله الأخرى فإنها تقوّي هذا المعنى وتزيد في وضاعتها وإلا لقال الأخريات، وقد فطن الزمخشري إلى هذا السر الدقيق فقال «والأخرى ذم وهي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله تعالى: وقالت أخراهم لأولاهم أي وضعاؤهم لرؤسائهم، وأشرافهم» وهذه النكتة تنساق بنا إلى بحث طريف عن الأخرى فهي تأنيث آخر ولا شك أنه في الأصل من التأخر الوجودي إلا أن العرب عدلت به عن الاستعمال في التأخير الوجودي إلى الاستعمال حيث يتقدم ذكر مغاير لا غير حتى سلبته دلالته على المعنى الأصلي بخلاف آخر وآخره على وزن فاعل وفاعلة فإنّ إشعارهما بالتأخير الوجودي ثابت لم يغيّر ومن ثم عدلوا عن أن يقولوا ربيع الآخر على وزن الأفعل وجمادى الأخرى إلى الآخر على وزن فاعل وجمادى الآخرة على وزن فاعلة لأنهم أرادوا أن يفهموا التأخير الوجودي لأن الأفعل والفعلى من هذا الاشتقاق مسلوب الدلالة على غرضهم فعدلوا عنها إلى الآخر والآخرة والتزموا ذلك فيهما. 2- وفي قوله «تلك إذن قسمة ضيزى» فن عجيب أيضا فقد يتساءل الجاهلون عن السر في استعمال كلمة ضيزى وهي وحشية غير مأنوسة، وسنورد ما أورده ابن الأثير في مثله السائر ثم نردفه بما استخرجناه نحن قال ابن الأثير: «وحضر عندي في بعض الأيام رجل متفلسف فجرى ذكر القرآن الكريم فأخذت في وصفه وذكر ما اشتملت عليه ألفاظه ومعانيه من الفصاحة والبلاغة فقال ذلك الرجل وأيّ فصاحة هناك وهو يقول: تلك إذن قسمة ضيزى؟ فهل في لفظة ضيزى من الحسن ما يوصف فقلت له: اعلم أن لاستعمال الألفاظ أسرارا لم تقف عليها أنت ولا أئمتك مثل ابن سينا والفارابي ولا من أضلّهم مثل أرسطاطاليس وأفلاطون وهذه اللفظة التي أنكرتها في القرآن وهي لفظة ضيزى فإنها في موضعها لا يسدّ غيرها مسدّها، ألا ترى أن السورة كلها التي هي سورة النجم مسجوعة على حرف الياء فقال تعالى: والنجم إذا هوى، ما ضلّ صاحبكم وما غوى وكذلك إلى آخر السورة فلما ذكر الأصنام وقسمة الأولاد وما كان يزعمه الكفّار قال: ألكم الذّكر وله الأنثى تلك إذن قسمة ضيزى، فجاءت هذه اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت السورة جميعها عليه وغيرها لا يسدّ مسدّها في مكانها وإذا نزلنا معك أيّها المعاند على ما تريد قلنا: إن غير هذه اللفظة أحسن منها ولكنها في هذا الموضع لا ترد ملائمة لأخواتها ولا مناسبة لأنها تكون خارجة عن حرف السورة، وسأبيّن ذلك فأقول: إذا جئنا بلفظة في معنى هذه اللفظة قلنا قسمة جائرة أو ظالمة ولا شك أن جائرة أو ظالمة أحسن من ضيزى إلا أنّا إذا نظمنا الكلام فقلنا: ألكم الذّكر وله الأنثى تلك إذن قسمة ظالمة لم يكن النظم كالنظم الأول وصار الكلام كالشيء المعوز الذي يحتاج إلى تمام وهذا لا يخفى على من له ذوق ومعرفة بنظم الكلام فلما سمع ذلك الرجل ما أوردته عليه ربا لسانه في فمه إفحاما، ولم يكن عنده في ذلك شيء سوى العناد» . هذا ما قاله ابن الأثير وهو جيد يدل على ذوق وفهم ولكنه لا يخرج عن الحدود اللفظية، وسنذكر ما سنح للخاطر من أمر معنوي يتعلق بهذا الكلام فنقول لما كان الغرض تهجين قولهم، وتفنيد قسمتهم، والتشنيع عليها اختيرت لها لفظة مناسبة للتهجين والتشنيع كأنما أشارت خساسة اللفظة إلى خساسة أفهامهم وهذا من أعجب ما ورد في القرآن الكريم من مطابقة الألفاظ لمقتضى الحال.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.