الباحث القرآني

* اللغة: (الْبَيانَ) في اللغة: المنطق الفصيح المعرب عمّا في الضمير، وفي الاصطلاح أحد فنون البلاغة الثلاثة وهو يبحث في التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية وقد تقدمت أمثلتها في هذا الكتاب. (بِحُسْبانٍ) الحسبان: مصدر حسبته أحسبه حسابا وحسبانا وقيل هو جمع حساب كشهاب وشهبان ورغيف ورغفان. (النَّجْمُ) من النبات ما لم يقم على ساق نحو العشب والبقل والشجر ما قام على ساق وأصله الطلوع يقال: نجم القرن والنبات إذا طلعا وبه سمي نجم السماء وقيل نجم السماء وحده وأراد به جميع النجوم. (القسط) العدل إنما فعلوه مستقيما بالعدل وقال أبو عبيدة: الإقامة باليد والقسط بالقلب. (الْأَكْمامِ) جمع كم وهو وعاء الزهرة وفي الصحاح: «والكم بالكسر والكمامة وعاء الطلع وغطاء النور والجمع كمام وأكمة وأكمام وأكاميم أيضا والكمام بالكسر والكمامة أيضا ما يكمّ به فم البعير لئلا يعضّ يقال منه بعير مكموم أي محجوم وتكممت الشيء غطيته والكم ما ستر شيئا وغطّاه ومنه كمّ القميص بالضم والجمع كمام وكممة والكمّة القلنسوة المدورة لأنها تغطّي الرأس» . (الْعَصْفِ) الذي يعصف فيؤكل من الزرع وقيل: العصف ورق كل شيء يخرج منه الحب. (الرَّيْحانُ) في المختار: «الريحان نبت معروف وهو الرزق أيضا، والعصف ساق الزرع والريحان ورقه عند الفرّاء» وقيل العصف التبن وفي الأساس «وصاروا كعصف الزرع وهو حطام التبن ودقاقه» . (آلاءِ) نعم واحدها إلى، وألى مثل معى وحصى وإلى وألي أربع نعات. * الإعراب: (الرَّحْمنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ) الرحمن مبتدأ وجملة علم القرآن خبر وقد تعددت الأخبار في الأفعال التي وردت خلوّا من العاطف على نمط التعديد وإقامة الحجة على الكافرين، وهذا عند من لا يرى الرحمن آية ومن عدّها آية أعرف الرحمن خبر لمبتدأ محذوف أي الله الرحمن أو مبتدأ خبره محذوف أي الرحمن ربنا وعلّم يتعدى إلى مفعولين حذف أولهما لشموله أي علم من يتعلم وهذا أولى من تخصيص المفعول الأول المحذوف بواحد معين (خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ) فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به وعلّمه البيان فعل ماض وفاعل مستتر ومفعولاه والألف واللام في الإنسان للجنس (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ) الشمس مبتدأ والقمر عطف عليه وبحسبان خبر الشمس (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ) عطف على ما تقدم وجملة يسجدان خبر النجم (وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ) الواو عاطفة والسماء مفعول به بفعل محذوف يفسره المذكور وجملة رفعها مفسرة لا محل لها ووضع الميزان فعل وفاعل مستتر ومفعول به (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ) أن مصدرية ولا نافية وتطغوا فعل مضارع منصوب بأن المصدرية وأن وما بعدها في محل نصب بلام العلّة مقدّرة والجار والمجرور في محل نصب مفعول لأجله ويجوز أن تكون أن مفسّرة ولا ناهية وتطغوا مجزوم بلا فإن قيل إن من شرط المفسّرة أن تكون مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه قلنا: إن وضع الميزان يستدعي كلاما من الأمر بالعدل فيه (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ) الواو حرف عطف وأقيموا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والوزن مفعول به وبالقسط حال أي افعلوه مستقيما بالعدل والواو حرف عطف ولا ناهية وتخسروا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والميزان مفعول به (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ) الواو حرف عطف والأرض مفعول به لفعل محذوف يفسّره المذكور وجملة وضعها مفسّره لا محل له وللأنام متعلقان بوضعها أي وطأها وجعلها مدحوة للخلق (فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ) فيها خبر مقدم وفاكهة مبتدأ مؤخر والنخل عطف على فاكهة وذات الأكمام صفة للنخل والجملة في محل نصب على الحال من الأرض (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ) عطف على ما تقدم فالثلاثة في قراءة العامة معطوفات على فاكهة وفي قراءة ابن عامر بنصب الثلاثة بفعل محذوف تقديره خلق (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) الفاء الفصيحة وبأي متعلقان بتكذبان وآلاء مضاف إليه وربكما مضاف لآلاء وتكذبان فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وألف التثنية فاعل والخطاب للثقلين الإنس والجن وسيصرّح به. هذا وقد تكررت هذه الآية إحدى وثلاثين مرة وسيأتي السر في تكريرها في باب البلاغة. * البلاغة: 1- التكرير: في قوله «فبأيّ آلاء ربكما تكذبان» تكرير عذب وقد تقدم القول فيه والسر في تكرير الآية عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه وبعد آيات فيها ذكر النار وشدائدها لأن من جملة الآلاء رفع البلاء وتأخير العقاب والتقرير بالنعم المعدودة والتأكيد في التذكير بها كلها ولأن من علامات العاطفة المحتدمة هذا التكرير، قالت ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحميّر: لنعم الفتى يا توب كنت ولم تكن ... لتسبق يوما كنت فيه تحاول ونعم الفتى يا توب كنت لخائف ... أتاك لكي تحمي ونعم المجامل ونعم الفتى يا توب كنت إذا التقت ... صدور المعالي واستثال الأسافل ونعم الفتى يا توب جارا وصاحبا ... ونعم الفتى يا توب حين تناضل لعمري لأنت المرء أبكي لفقده ... ولو لام فيه ناقص الرأي جاهل لعمري لأنت المرء أبكي لفقده ... إذا كثرت بالملجمين ال تلاتل أبى لك ذم الناس يا توب كلما ... ذكرت أمورا محكمات كوامل أبى لك ذم الناس يا توب كلما ... ذكرت سماح حين تأوي الأ رامل فلا يبعدنك الله يا توب إنما ... كذاك المنايا عاجلات وآجل فلا يبعدنك الله يا توب إنما ... لقيت حمام الموت والموت عاجل فخرجت في هذه الأبيات من تكرار إلى تكرار لاختلاف المعاني التي عددتها وأمثال التكرير أكثر من أن تحصى والاستفهام فيها للتقرير. 2- الحذف: وفي قوله «علّم القرآن» الحذف فقد حذف المفعول الأول لدلالة المعنى عليه لأن النعمة في التعليم لا في تعليم شخص دون شخص كما يقال فلان يطعم الطعام إشارة إلى كرمه ولا يبيّن من أطعمه. 3- في قوله «والشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان» فن التوهيم وقد تقدمت الإشارة إليه وأنه عبارة عن إتيان المتكلم بكلمة يوهم باقي الكلام قبلها أو بعدها أن المتكلم أراد اشتراك لغتها بأخرى أو أراد تصحيفها أو تحريفها أو اختلاف إعرابها أو اختلاف معناها أو وجها من وجوه الاختلاف والأمر بضد ذلك، فإن ذكر الشمس والقمر يوهم السامع أن النجم أحد نجوم السماء وإنما المراد النبت الذي لا ساق له ومنه قول أبي تمام: من كل أبيض يجلو منه سائله ... خدا أسيلا به خد من الأسل فإن ذكر الخد الأسيل أي الناعم المشرق يوهم أن المراد بخد من الأسل أي الرماح مثله مع أن المراد الجرح ومنه توهيم التصحيف ومثاله قول أبي الطيب: وإن الفئام التي حوله ... لتحسد أرجلها الأرؤس فإن لفظة الأرجل أوهمت السامع أن المتنبي أراد القيام ومراده الفئام بالفاء الموحدة وهي الجماعات لأن القيام يصدق على أقل الجمع فتفوت المبالغة منه. 4- في قوله «والأرض وضعها للأنام» إلى آخر الآيات التي عدد فيها سبحانه آلاءه دليل على أن التشدد وسلوك الطريق الأصعب الذي يشقّ على المكلف ليسا محمودين لأن الشرع لم يقصد إلى تعذيب النفس، وقد روي عن الربيع بن زياد الحارثي أنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أعدني على أخي عاصم قال: فما باله؟ قال لبس العباءة يريد النسك فقال علي رضي الله عنه: عليّ به فأتي به مؤتزرا بعباءة مرتديا لأخرى شعث الرأس واللحية فعبس في وجهه وقال: ويحك أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى الله أباح لك الطيبات وهو يكره أن تنال منها شيئا؟ بل أنت أهون على الله من ذلك، أما سمعت الله يقول في كتابه: «والأرض وضعها للأنام» إلى قوله «يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان» أفترى الله أباح هذه لعباده إلا ليبتذلوه ويحمدوا الله عليه فيثيبهم عليه وإن ابتذالك نعم الله بالفعل خير منه بالقول، قال عاصم فما بالك في خشونة مآكلك وخشونة ملبسك؟ قال ويحك إن الله فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بصفة الناس. هذا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الطيب إذا وجده وكان يحبّ الحلواء والعسل ويعجبه لحم الذراع ويستعذب له الماء فأين التشديد من هذا وإذن فالاقتصار على البشع في المأكول من غير عذر تنطّع.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.