الباحث القرآني

* اللغة: (تَفَسَّحُوا) توسعوا ولا تتضايقوا وفي الأساس: «افسحوا لأخيكم في المجلس وتفسحوا له وأما لك في هذا المكان منفسح» . (انْشُزُوا) انهضوا للتوسعة على المقبلين وفيه الأساس: «علوت نشزا من الأرض ونشزا وأنشازا، ونشز الشيء ارتفع ونشز عن مكانه ارتفع ونهض وإذا قيل انشزوا فانشزوا وأنشزه رفعه من مكانه» وللنون مع الشين فاء وعينا خاصة عجيبة وهي الدلالة على السرعة والارتفاع يقال: أنشأ الله الخلق فنشئوا وأنشأ قصيدة وشعرا وعمارة وأنشأ يفعل كذا ومن أين نشأت وأنشأت أي نهضت، ونشب العظم في الحلق والصيد في الحبالة ومخالب الجارح في الأخيذة وتنشب وأنشب فيه مخالبه ورماه بنشابة وتراموا بالنّشّاب والنشاشيب وفي جميع ذلك يبدو معنى السرعة واضحا ونشب الشر والحرب بينهم نشوبا ولم ينشب أن قال بمعنى ما لبث، ونشج الباكي نشيجا وهو الغصص بالبكاء وارتفاعه وتردده في الصدر، وأنشدني شعرا إنشادا حسنا لأن المنشد يرفع بالمنشد صوته، ونشر الثواب والكتاب ونشّر الثياب والكتب وصحف منشّرة وملاء منشّر ونشر الله الموتى نشرا وله نشر طيب وهو ما انتشر وارتفع من رائحته قال المرقش يصف نساء: النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم ونشّ اللحم في المقلاة نشيئا والخمر تنش إذا أخذت تغلي، ورجل نشيط طيب النفس للعمل مسرع فيه، ونشع الصبي الدواء وأنشعه أوجره فانتشعه والإسراع ملحوظ فيه وإنه لمنشوع بأكل اللحم إذا كان مشغوفا به، ونشف الماء بنفسه أسرع في النضوب، ونشق الظبي في الحبالة نشب فيها وقد مرّ معنى ذلك واستنشقت الريح وتنشقتها قال المتلمس: فلو أن محموما بخيبر مدنفا ... تنشّق رياها لأقلع صالبه ونشل اللحم من القدر بالمنشل والمنشال وهو حديدة في رأسها عقّافة، ونشّم اللحم أسرع إليه الفساد وأروح قال علقمة: وقد أصاحب فتيانا طعامهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم أي يطعمون الماء المطحلب واللحم المروح، غلّب فقال طعامهم، ونشّموا في الشر ودقوا بينهم عطر منشم قال زهير: تداركتما عبسا وذبيان بعد ما ... تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم ورجل نشوان أسرعت النشوة إليه وامرأة نشوى وقوم نشاوى ونشيت منه رائحة طيبة واستنشيت وهذا من عجائب ما تتميز به اللغات. * الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) إذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بإضافة الظرف إليها ولكم متعلقان بقيل وتفسحوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وجملة تفسحوا مقول القول وفي المجالس متعلقان بتفسحوا والفاء رابطة لجواب الشرط غير الجازم والجملة لا محل لها وافسحوا فعل أمر والواو فاعل ويفسح فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الأمر الواقع جوابا للشرط والله فاعل ولكم متعلقان بيفسح والمراد بالمجالس مجالس رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقرىء بالإفراد أي في المجلس وقيل هو المجلس من مجالس القتال ومراكز الغزاة وقيل هو مطلق في كل ما يبتغيه الناس للمنفعة وفي كل مجلس أو ناد وهو الأولى والأقرب لأسلوب القرآن الكريم في تعليم الأدب الرفيع (وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) الواو عاطفة، وإذا قيل انشزوا فانشزوا: تقدم إعراب نظيرها، ويرفع فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والله فاعل والذين مفعول به وجملة آمنوا صلة والذين معطوف على الذين الأولى أو هو منصوب بفعل مضمر تقديره ويخصّ الذين أوتوا العلم وجملة أوتوا صلة وأوتوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل والعلم مفعول به ثان ومنكم حال ودرجات ظرف أو منصوب بنزع الخافض (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وبما تعملون متعلقان بخبير وخبير خبر إن (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) إذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة ناجيتم في محل جر بإضافة الظرف إليها وناجيتم فعل وفاعل والرسول مفعول به والفاء رابطة وقدّموا فعل أمر والواو فاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وبين ظرف متعلق بقدّموا ويدي مضاف إليه وعلامة جرّه الياء ونجواكم مضاف ليدي وصدقة مفعول به لقدموا وسيأتي مزيد بحث في باب البلاغة حول هذه الآية (ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) ذلك مبتدأ والإشارة إلى تقديم الصدقة على المناجاة وخير خبر ولكم متعلقان بخير وأطهر عطف على خير (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الفاء عاطفة وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتجدوا فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون وهو فعل الشرط والفاء رابطة لجواب محذوف أي فلا تثريب عليكم وجملة إن الله غفور رحيم تعليل لرفع الحرج والتثريب (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ) الهمزة للاستفهام التقريري وأشفقتم فعل وفاعل أي أخفتم وأن وما في حيّزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض أي من أن تقدموا والجار والمجرور متعلقان بأشفقتم وقيل مفعول من أجله ومفعول تقدموا هو صدقات ومفعول أشفقتم محذوف (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الفاء استئنافية وإذ فيها أقوال: 1- أنها ظرف لما مضى من الزمن والمعنى أنكم تركتم ذلك فيما مضى فتداركوه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاء. 2- أنها ظرف بمعنى إذا كقوله تعالى: «إذ الأغلال في أعناقهم» وقد تقدم القول فيها مبسوطا فارجع إليها إن شئت. 3- أنها بمعنى إن الشرطية. ولم حرف نفي وقلب وجزم وتفعلوا فعل مضارع مجزوم بلم، وتاب الواو حالية أو استئنافية أو اعتراضية والجملة معترضة بين الشرط وجوابه وتاب الله فعل وفاعل وعليكم متعلقان بتاب والفاء رابطة وأقيموا الصلاة فعل أمر وفاعل ومفعول به وآتوا الزكاة عطف على فأقيموا الصلاة وكذلك قوله وأطيعوا الله ورسوله (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) ابتداء وخبر وجملة تعملون صلة ما والجار والمجرور متعلقان بخبير. * البلاغة: 1- في قوله تعالى «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات» تعميم ثم تخصيص وتفصيل ذلك أن الجزاء برفع الدرجات هنا مناسبة للعمل لأن المأمور به تفسيح المجالس كيلا يتنافسوا في القرب من المكان الرفيع حوله صلّى الله عليه وسلم فيتضايقوا وذلك لا يليق بآداب المجلس التي من أولها تفادي إزعاج المجالسين وترنيق صفوهم، واجتناب ما يكدّر صفاءهم وينغص بالهم، ولما كان المتمثّل لذلك الأمر يخفض نفسه عمّا يتنافس فيه من الرفعة امتثالا وتواضعا جوزي على تواضعه برفع الدرجات، ثم لما علم أن أهل العلم بحيث يستوجبون عند أنفسهم وعند الناس ارتفاع مجالسهم خصّهم بالذكر عند الجزاء ليسهّل عليهم ترك ما لهم من الرفعة في المجلس تواضعا لله تعالى، وفي هذا التخصيص إلماع إلى فضل العلم، وحسبنا أن نورد حديث ابن مسعود رضي الله عنه وهو أنه كان إذا تلا هذه الآية قال: يا أيّها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم، وعنه صلّى الله عليه وسلم: «بين العالم والعابد مائة درجة ما بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة» وعنه عليه الصلاة والسلام «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» فأعظم بمرتبة بين النبوّة والشهادة، وعن الأحنف: كاد العلماء يكونون أربابا وكل عزّ لم يوطد بعلم فإلى ذلك ما يصير. وما دمنا بصدد العلم ودرجته السامية فلا بدّ من الإشارة إلى نكتة بليغة وهي أنه قرن حين خصّ العلماء برفع الدرجات لما جمعوا بين العلم والعمل فإن العلم مع سموّ درجته وأنافة مرتبته يقتضي العمل المقرون به. 2- وفي قوله «بين يدي نجواكم» استعارة ممّن له يدان وقد تقدم تحقيق هذه الاستعارة في آية الحجرات فجدّد بها عهدا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.