الباحث القرآني

* الإعراب: (وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان التأثر بأقوال دعاة السوء المرجفين بالأكاذيب. وكذلك جار ومجرور في محل نصب نعت لمصدر محذوف كنظائره، ولكثير جار ومجرور متعلقان ب «زيّن» ، ومن المشركين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لكثير، وقتل مفعول به مقدم، وأولادهم مضاف إليه، وشركاؤهم فاعل زين المؤخر (لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) اللام للتعليل، ويردوهم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والجار والمجرور متعلقان بزيّن، وليلبسوا عطف على ليردوهم، وعليهم جار ومجرور متعلقان بيلبسوا، ودينهم مفعول به، فعلل التزيين بشيئين: بالإرداء، أي: بالإهلاك، وبإدخال الشبهة عليهم في دينهم. والجملة مستأنفة على الأصح، أي: وهكذا زين. (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ) الواو استئنافية، ولو شرطية، وشاء الله فعل وفاعل والمفعول به محذوف، أي: عدم فعلهم، وما نافية، وفعلوه فعل وفاعل ومفعول به، والضمير المرفوع يعود على «كثير» ، والضمير المنصوب يعود على القتل، لأنه هو المسوق للحديث عنه، فذرهم الفاء الفصيحة، وذرهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به، والواو حرف عطف أو للمعية، وما اسم موصول أو مصدرية، أي: ذرهم والذي يفترونه من الكذب، أو ذرهم وافتراءهم. * الفوائد: في هذه الآية قراءات كثيرة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب، وقد درجنا على عدم الإشارة إلى قراءة ما إلا إذا كانت تنطوي على بحث هام، فاكتفينا في باب الإعراب بقراءة العامة وقرأ ابن عامر وهو من السبعة: «وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم» برفع «قتل» على النيابة عن الفاعل بزين المبني للمجهول، ونصب «أولادهم» وجر «شركائهم» . ف «قتل» على قراءة ابن عامر مصدر مضاف وشركائهم مضافة إلى «قتل» من إضافة المصدر إلى فاعله، وأولادهم مفعوله، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه، وحسن ذلك ثلاثة أمور: 1- كون الفاصل فضلة، فإن ذلك مسوغ لعدم الاعتداد به. 2- كونه غير أجنبي لتعلّقه بالمضاف. 3- كونه مقدر التأخير من أجل أن المضاف إليه مقدر التقديم بمقتضى الفاعلية المعنوية. وبذلك يتبين مدى تهافت الزمخشري في قوله: ما قاله الزمخشري: «وأما قراءة ابن عامر «قتل أولادهم شركائهم» برفع القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء، على إضافة القتل إلى الشركاء والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات- وهو الشعر- لكان سمجا مردودا، فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به في القرآن المعجز بحسب لفظه وجزالته» ؟. الفصل بين المتضايفين: هذا وقد زعم كثير من النحويين أنه لا يفصل بين المتضايفين إلا في الشعر خاصة، لأن المضاف منزل من المضاف إليه منزلة جزئه، لأنه واقع موقع تنوينه، فكما لا يفصل بين أجزاء الاسم لا يفصل بينه وبين ما نزّل منزلة الجزء منه، وهذا قول البصريين. وعند الكوفيين أن مسائل الفصل سبع، منها ثلاث جائزة في السعة، أي: النثر، وهي: 1- أن يكون المضاف مصدرا والمضاف إليه فاعله، والفاصل إما مفعوله كقراءة ابن عامر الآنفة الذكر، وقول الشاعر: عتوا إذ أجبناهم إلى السلم رأفة ... فسقناهم سوق البغاث الأجادل فسوق مصدر مضاف، والأجادل مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، والبغاث مفعوله، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه، والأصل: سوق الأجادل البغاث. وإما ظرفه كقول بعضهم: «ترك يوما نفسك وهواها موبق لها» ، فترك مصدر مضاف، ونفسك مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، ومفعوله محذوف، ويوما ظرف للمصدر، بمعنى أنه متعلق به، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه. 2- أن يكون المضاف وصفا والمضاف إليه مفعوله الأول، والفاصل مفعوله الثاني، كقراءة بعضهم: «فلا تحسبنّ الله مخلف وعده رسله» بنصب وعده وجر رسله، فمخلف اسم فاعل وهو متعد لاثنين، وهو مضاف، ورسله مضاف إليه، من إضافة الوصف إلى مفعوله الأول، ووعده مفعوله الثاني، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه. 3- أن يكون الفاصل قسما كقولهم: «هذا غلام والله زيد» ، يجر زيد بإضافة الغلام إليه وفصل بينهما بالقسم. والمسائل الأربع الباقية من السبع تختص بالشعر وهي: 1- الفصل بالأجنبي كقول جرير: تسقي امتياحا ندى المسواك ريقتها ... كما تضمّن ماء المزنة الرّصف فتسقي مضارع سقى متعد لاثنين، وفاعله ضمير يرجع إلى المحبوبة في البيت قبله، وندى مفعوله الأول وهو مضاف، وريقتها مضاف إليه والمسواك مفعوله الثاني، فصل به بين المضاف والمضاف إليه، أي: تسقي ندى ريقتها المسواك، والمسواك أجنبي من «ندى» لأنه ليس معمولا له وإن كان عاملهما واحدا. 2- الفصل بفاعل المضاف كقوله: ما إن وجدنا للهوى من طبّ ... ولا عدمنا قهر وجد صبّ فأضاف «قهر» إلى مفعوله وهو «صب» ، وفصل بينهما بفاعل المصدر وهو «وجد» . 3- الفصل بنعت المضاف، بنعت المضاف، كقول معاوية بن أبي سفيان، لما اتفق ثلاثة من الخوارج على أن يقتل كل واحد منهم واحدا من علي بن أبي طالب وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان، فقتل علي، وسلم عمرو ومعاوية: نجوت وقد بل المرادي سيفه ... من ابن أبي شيخ الأباطح طالب ففصل بين المتضايفين، وهما: أبي وطالب، بنعت المضاف وهو: شيخ الأباطح، أي: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح. والمرادي بفتح الميم نسبة إلى مراد، بطن من مذحج، وهو عبد الرحمن بن ملجم، بضم الميم وفتح الجيم، على صيغة اسم المفعول. 4- الفصل بالنداء كقوله: كأن برذون أبا عصام ... زيد حمار دقّ باللجام فأضاف برذون إلى زيد، وفصل بينهما بالمنادى الساقط حرفه، وحمار خبر كأن، والأصل كأن برذون زيد حمار يا أبا عصام. والى هذا كله أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله: فصل مضاف شبه فعل ما نصب ... مفعولا أو ظرفا أجز ولم يعب فصل يمين واضطرارا وجدا ... بأجنبي أو بنعت أو ندا بين أبي حيّان والزمخشري: هذا وقد رد أبو حيان على الزمخشري، وأغلظ في الردّ، قال بعد أن أورد كلام الزمخشري الذي أوردناه في مستهل هذا البحث: «وأعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محض قراءة متواترة، وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيّرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقا وغربا» . بين أبي حيان والفارسي: ومضى أبو حيان يرد على أبي علي الفارسي قال: «ولا التفات أيضا لقول أبي علي الفارسي: هذا قبيح قليل في الاستعمال، ولو عدل عنها- يعني ابن عامر- كان أولى، لأنهم لم يجيزوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الكلام مع اتساعهم في الظرف، وإنما أجازوه في الشعر» . لمحة عن عقبة بن عامر: أما عقبة فهو الصحابي الجليل والقائد الأمير الذي اشترك في فتح مصر، ثم حكمها نيابة وأصالة. وهو رجل مستنير ذكي يتمتع بمزايا فكرية واضحة، وقد كلفه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي بين خصمين اختصما إليه، وكان شاعرا قارئا كاتبا. أبو الطيّب المتنبي فصل بين المتضايفين: هذا وقد استعمل أبو الطيب المتنبي الفصل بين المتضايفين، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، فقال من قصيدة يمدح بها أبا القاسم طاهر بن الحسين: حملت إليه من لساني حديقة ... سقاها الحجا سقي الرياض السحائب فقد فصل بالمفعول. ومعنى البيت أنه جعل القصيدة حديقة لما فيها من المعاني كما يكون في الروضة من الزهر والنبات، وجعل العقل ساقيا لها، لأن المعاني التي فيها إنما تحسّن بالعقل، فجعل العقل ساقيها كما تسقي الرياض السحاب، وهو جمع سحابة. كلمة ابن جنّي: وقال أبو الفتح ابن جني: «إذا اتفق شيء من ذلك نظر في حال العربي وما جاء به، فإن كان فصيحا وكان ما أورده يقبله القياس، فالأولى أن يحسن به الظنّ، لأنه يمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة قد طال عهدها وعفا رسمها» . كلمة أبي عمرو بن العلاء: وقال أبو عمرو بن العلاء: «ما انتهي إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير» . رواية عن عمر بن الخطاب: وروى ابن سيرين عن عمر بن الخطاب أنه حفظ أقل ذلك، وذهب عنهم كثيره. يعني الشعر، في حكاية فيها طول.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.