الباحث القرآني

* الإعراب: (إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) كلام مستأنف مسوق لتأكيد أن عدم استجابتهم ناشىء عن وجود الأكنة على قلوبهم والوقر في آذانهم، لأنهم يحسبون في عداد الأحياء وهم في الحقيقة موتى. وإنما كافة ومكفوفة، ويستجيب فعل مضارع مرفوع، والذين فاعله، وجملة يسمعون صلة الموصول لا محل لها، والموتى الواو يجوز أن تكون مستأنفة، والموتى مبتدأ، وجملة يبعثهم الله خبره، ويجوز أن تكون الواو عاطفة، والموتى منصوب على الاشتغال بفعل مضمر يفسره الاسم الظاهر بعده وتكون جملة يبعثهم الله مفسرة لا محل لها، ولعل هذا الوجه أولى، لينسجم التركيب. وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، واليه جار ومجرور متعلقان بيرجعون، ويرجعون فعل مضارع عطف على جملة يبعثهم (وَقالُوا: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) الواو استئنافية، وقالوا فعل وفاعل، والجملة مستأنفة لحكاية نمط آخر من أنماط جناياتهم، ولولا حرف تحضيض، ونزل فعل ماض مبني للمجهول، وعليه جار ومجرور متعلقان بنزل، وآية نائب فاعل، ومن ربه جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لآية، والجملة في محل نصب مقول قولهم. (قُلْ: إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً) الجملة مستأنفة مسوقة للدلالة على إفراطهم في اللجاجة، وتماديهم في الفساد، مع ترادف الآيات وتتابعها. وإن واسمها وخبرها، والجملة في محل نصب مقول القول، وعلى حرف جر، وإن وما في حيزها في تأويل مصدر مجرور بعلى، والجار والمجرور متعلقان بقادر، وآية مفعول به لينزل (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) الواو حالية، ولكن واسمها، ولا نافية، وجملة يعلمون خبرها، والجملة نصب على الحال (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان قدرته تعالى وعلمه وتدبيره. وما نافية، ومن حرف جر زائد، ودابة اسم مجرور بمن لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لدابة، والواو حرف عطف، ولا نافية، وطائر اسم معطوف على دابة، وجملة يطير بجناحيه صفة لطائر، وسيأتي مزيد من بحث هذه الآية في باب البلاغة (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) إلا أداة حصر، وأمم خبر دابة، وأمثالكم صفة لأمم (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) ما نافية، وفرطنا فعل وفاعل، وفي الكتاب جار ومجرور متعلقان بفرطنا، ومن حرف جر زائد، وشيء مجرور لفظا منصوب محلا على المصدرية أو المفعولية وجملة ما فرطنا استئنافية، وسيأتي مزيد من إعراب هذا الكلام في باب الفوائد، وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، والى ربهم جار ومجرور متعلقان بيحشرون، ويحشرون فعل مضارع معطوف على ما تقدم. * البلاغة: في قوله: «يطير بجناحيه» فن الانفصال لزيادة التعميم والشمول، فإن لقائل أن يقول: جملة قوله تعالى: «يطير بجناحيه» لا فائدة في الإتيان بها ظاهرا، إذ كل طائر يطير بجناحيه، وهذا إخبار بمعلوم، والانفصال عن ذلك أن يقال: إنه سبحانه أراد أن يدمج في هذا الخبر النهي عن قتل الحيوان الذي لا يؤذي عبثا بدليل قوله: «إلا أمم أمثالكم» ، ففي مساواته بين ذلك وبين المكلفين إشارة إلى أن الإنسان يدان بما يفعله مع كل جسم قابل للحياة، وفي دواب الأرض ما لا حرج على قاتله، كالذباب والبعوض والنمل والعقارب والجعلان وسائر الهمج. فأراد تبيين هذا الصنف من هذا النوع، وهو أشرف أصنافه الذي امتنّ الله سبحانه على نبيّه داود عليه السلام بتسخيره له وعلى ابنه سليمان بتعليم منطقه، وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصرحا بأن الإنسان يدان به: «من قتل عصفورا عبثا ... » الحديث، فخصّص هذا الصنف بصفة مميزة له من بقية الأصناف فقال «يطير بجناحيه» ، لأنه لا يطلق الجناح حقيقة إلا على العضو الذي ليس له ريش وقصب وأباهر وخوافي وقوارم، ليستدل يكون هذا الصنف من بين جميع أصناف الطائر هو المقصود بالنهي عن قتله وتعذيبه، على أن المراد بالدابة المذكورة في صدر الآية هي الصنف الشريف من أصناف الدواب، لتخرج الحشرات من ذلك النوع كما خرجت الهمج من نوع الطائر بتمييز الصنف المشار اليه منه، واكتفى بتبيين الثاني عن تبيين الأول لعلمه أن العارف بترتيب نظم الكلام يقيس الأول منه على الثاني. وفي صحيح مسلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتؤدنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. * الفوائد: هل تزاد «من» في بقية المفاعيل؟ الجواب إنها لا تزاد في المفعول معه والمفعول لأجله والمفعول فيه، ووجه منع زيادتها أنهن في المعنى بمنزلة المجرور بالإضافة وباللام وبفي، ولا تجامعهن «من» ، ولكن لا يظهر وجه للمنع في المفعول المطلق، وقد خرّج عليه أبو البقاء قوله تعالى: «ما فرطنا في الكتاب من شيء» ، فقال: من زائدة، وشيء في موضع المصدر، أي: تفريطا شيئا، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، ثم زيدت «من» ، قال: ولا يكون مفعولا به، لأنّ «فرط» إنما يتعدى إليه ب «في» ، وقد عدّي بها إلى الكتاب، قال: وعلى هذا فلا حجة في الآية لمن ظنّ أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء صريحا. والردّ على هؤلاء الظانّين بأن هذا لا يسلم إلا لو كان «من شيء» مفعولا به لأن المعنى: ما فرطنا أي: ما تركنا شيئا في الكتاب، وأما لو جعل المفعول به «في الكتاب» وجعل قوله: «من شيء» مصدرا، أي: ما فرطنا في الكتاب فلا دلالة له على ذلك. وزاد ابن هشام فقال: «وكذا لا حجة فيها لو كان «شيء» مفعولا به، لأن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، كما في قوله تعالى: «ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين» وهو رأي الزمخشري، والسياق يقتضيه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.