الباحث القرآني

* الإعراب: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ) الواو عاطفة، والكلام معطوف على ما تقدم معدولا به إلى توجيه الانذار للذين يتفرس فيهم قبول الاتعاظ والاستعداد لتقبّله، وهم المؤمنون العاصون. وأنذر فعل أمر، وبه جار ومجرور متعلقان بأنذر، والذين اسم موصول مفعول به، وجملة يخافون صلة الموصول، وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول يخافون (لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) الجملة حال من الضمير في أن يحشروا، أي: أنذر به هؤلاء الذين يخافون الحشر حال كونهم لا ولي لهم يواليهم ولا نصير ولا شفيع يشفع لهم من دون الله، وليس فعل ماض ناقص، ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ليس، ومن دونه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وولي اسم ليس، ولا شفيع عطف على ولي، ولعل واسمها، وجملة يتقون خبرها، وجملة الرجاء حالية (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ) الواو حرف عطف، ولا ناهية، وتطرد فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والفاعل مستتر تقديره أنت، والذين اسم موصول مفعول به وجملة يدعون صلة وربهم مفعول به وبالغداة جار ومجرور متعلقان بيدعون، والعشي عطف على الغداة (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) الجملة حال من ضمير يدعون، أي: يدعونه مخلصين، ووجهه مفعول به (ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ما يجوز أن تكون الحجازية العاملة عمل ليس فيكون «علبك» في محل نصب على أنه خبرها، عند من يجوز إعمالها في الخبر المقدّم، إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا، أما في حال المنع فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، والمبتدأ المؤخر هو «شيء» زيدت فيه «من» . وقوله من حسابهم حال، وصاحب الحال هو «شيء» لأن الجار والمجرور لو تأخرا عنه لتعلقا بمحذوف صفة له، وصفة النكرة متى تقدمت انتصبت على الحال، وجملة ما عليك إلخ حال أيضا (وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) الواو عاطفة، وما من حسابك عليهم من شيء تقدم إعرابها، إلا أن من حسابك يشكل جعلها حالًا لأنه يلزم تقدم الحال على عامله المعنوي، وهو ضعيف، ولو جاءت الجملة الثانية على نمط الأولى لكان التركيب: وما عليهم من حسابك من شيء، فتقدم المجرور بعلى كما قدمته في الأولى، لكنه قدمه تشريفا له صلى الله عليه وسلم ليكون الخطاب مواجها له، وإذن أنت مضطر أن تجعله صفة مقدمة على موصوفها. فتطردهم الفاء هي السببية وهي جواب النفي، وتطردهم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة، فتكون الفاء أيضا سببية، وهي جواب النهي، فتأمل دقّة الفرق بين معنى الفاءين. ويجوز أن تجعل الفاء الثانية عاطفة، وتكون معطوفة على تطردهم على وجه التسبيب، لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم، ومن الظالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكون. * البلاغة: 1- في قوله: «يريدون وجهه» أي: ذاته وحقيقته: مجاز مرسل، والعلاقة ذكر البعض وإرادة الكل، وهو مجاز سائغ في كلامهم. 2- في قوله: «وما من حسابك عليهم من شيء» فنّ ردّ العجز على الصدر، وهو أن يجعل المتكلم أحد اللفظين المتفقين في النطق والمعنى، أو المتشابهين في النطق دون المعنى أو اللذين يجمعهما الاشتقاق أو شبه الاشتقاق، في آخر الكلام بعد جعل اللفظ الآخر له في أوله. ومنه قول البحتري: ضرائب أبدعتها في السّماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا وقول أبي تمام: ولم يحفظ مضاع المجد شيء ... من الأشياء كالمال المضاع وقول المعرّي: لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر وبيت الحماسة المشهور: تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشيّة من عرار * الفوائد: روي أن رؤساء المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو طردت عنا هؤلاء الأعبد، يعنون فقراء المسلمين، وهم عمار بن ياسر وصهيب وبلال وأرواح جبابهم- وكانت عليهم جباب من صوف لمداومة لبسها ولعدم وجود غيرها- جلسنا إليك وحادثناك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنا بطارد المؤمنين. فقالوا: فأقمهم عنّا إذا جئنا، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت. فقال: نعم، طمعا في إسلامهم. فقالوا فاكتب لنا كتابا عليك بذلك، فأتى بالصحيفة ودعا عليّا ليكتب، فنزل عليه جبريل بقوله: «ولا تطرد..» الآية. وهذا من أروع مثل المساواة الاسلامية.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.