الباحث القرآني

* اللغة: (يَلْبِسُونَ) : يقال لبس عليه الأمر يلبسه، بضم الباء في المضارع، لبسا: جعله يلتبس في أمره، وشبهته وجعله مشكلا عليه، وأصله الستر بالثوب. * الإعراب: (وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة للرد عليهم بالجواب الثاني، ولو شرطية، وجعلناه فعل وفاعل ومفعول به، وملكا مفعول به ثان، والضمير يعود على النذير الذي اقترحوه، والمعنى: لو جعلنا ذلك النذير ملكا لمثلنا ذلك الملك رجلا لعدم تمكّن الآحاد من رؤية الملك بزيه وهيكله، واللام رابطة لجواب لو، وجملة جعلناه رجلا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وللبسنا عطف على «لجعلنا» وعليهم متعلقان بلبسنا، و «ما» يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي، أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم أو على غيرهم، وتكون مفعولا به ويجوز أن تكون مصدرية، أي: وللبسنا عليهم لبسا مثل ما يلبسون على غيرهم، فتكون منسبكة بمصدر مفعول مطلق، وجملة يلبسون لا محل لها على الحالين (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) كلام مستأنف مسوق لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم، واللام جواب للقسم المحذوف، وقد حرف تحقيق، واستهزئ فعل ماض مبني للمجهول، وبرسل جار ومجرور متعلقان باستهزئ وقد نابا عن نائب الفاعل، ومن قبلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة، وحاق فعل ماض معطوف على استهزئ، وبالذين جار ومجرور متعلقان بحاق، وجملة سخروا لا محل لها لأنها صلة الموصول، ومنهم جار ومجرور متعلقان بسخروا، وما فاعل حاق، وهي إما موصولة وإما مصدرية، وكان واسمها، وجملة يستهزئون خبرها، وبه جار ومجرور متعلقان بيستهزئون، والضمير في به يعود على الرسول، والمعنى أنه حاق بهم عاقبة استهزائهم بالرسول المنتظم في سلك الرسل، أو على كلمة ما المصدرية أو الموصولية (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا) كلام مستأنف مسوق للحض على التفكير والسير في الأرض للتأمل في مغاب الأمم السابقة ومصائرها. وجملة سيروا في محل نصب مقول القول، وأتى بثم للإشارة إلى البعد الكامن في السير المؤدي إلى الاستبصار والتأمل، ولأن وجوب السير لم يكن إلا لبلوغ هذه المرتبة السامية التي هي قصارى ما تطمع إليه الهمم العالية، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بسيروا، وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، وانظروا فعل أمر وفاعل (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) الجملة في محل نصب مفعول انظروا، وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر مقدم لكان، وعاقبة اسمها، ولم تؤنث كان لأن العاقبة مؤنث مجازي، وقد علقت النظر عن العمل لفظا، والمكذبين مضاف إليه. * البلاغة: 1- المجاز المرسل في قوله: «عاقبة المكذبين» ، والعلاقة هي المصير والمآل الذي ينتهي اليه مصير المكذبين ومآلهم. 2- في قوله: «ولقد استهزئ» إلى قوله: «ما كانوا به يستهزئون» فن يسمى رد الاعجاز على الصدور، وهو عبارة عن كل كلام بين صدره وعجزه رابطة لفظية غالبا، أو معنوية نادرا، ما تحصل بها الملاءمة والتلاحم بين قسمي كل كلام، وهو ثلاثة أقسام: 1- ما وافق آخر كلمة في الكلام آخر كلمة في صدره أو كانت مجانسة لها، كقوله تعالى في سورة «النساء» : «أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا» . 2- ما وافق آخر كلمة من الكلام أول كلمة منه، كقوله تعالى في سورة «آل عمران» : «وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهّاب» . 3- ما وافق آخر كلمة من الكلام بعض كلمات صدره، حيث كانت كالآية التي نحن بصددها. وهذه الروابط كلها لفظية، وقد تكون معنوية كقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم» . نماذج شعرية: ومن أمثلة هذا الفن في الشعر قول البحتري: ضرائب أبدعتها في السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا وقول أبي تمام: ولم يحفظ مضاع المجد شيء ... من الأشياء كالمال المضاع وأبيات الحماسة المشهورة الرائعة: تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهنّ ولا سرار وتظرّف الثعالبي فجمع بين هذا الفن وفن التجنيس، فقال- ويكاد يكون طريفا لولا مسحة التكلف-: وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل فالبلابل الأولى جمع بلبل، وهو طائر غرد معروف، والثانية: جمع بلبال، وهو الحزن، والثالثة: جمع بلبلة، بالضم، وهي إبريق الخمر. وتظرّف آخر فجمع بين هذا الفنّ وفنّ التجنيس وفن التورية فقال: لا كان إنسان تيمّم قاصدا ... صيد المها فاصطاده إنسانها فالإنسان الأول هو الشخص المعروف، والإنسان الثاني بؤبؤ العين. وفيما يلي طائفة من أمثلة هذا الفنّ موزّعة على أقسامه الثلاثة المتقدمة. قال أبو العلاء: لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر والخصر بفتحتين: البرودة. وقال أبو تمام: ومن يك بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغريا وما أجمل قول بعضهم: فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير؟ وقال أبو تمام راثيا: ثوى بالثّرى من كان يحيا به الثّرى ... ويغمر حرف الدهر نائله الغمر وقد كانت البيض القواضب قبله ... بواتر فهي الآن من بعده بتر
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.