الباحث القرآني

* اللغة: (الطَّيْرِ) في المصباح: «جمع الطائر طير مثل صاحب وصحب وراكب وركب وجمع الطير طيور وأطيار وقال أبو عبيدة وقطرب: ويقع الطير على الواحد والجمع وقال ابن الأنباري: الطير جماعة وتأنيثها أكثر من تذكيرها ولا يقال للواحد طير بل طائر وقلّما يقال للأنثى طائرة» وفي القاموس واللسان وغيرهما ما خلاصته: الطير مصدر وجمع طائر وقد يقع على الواحد والاسم من التطيّر ومنه قولهم: لا طير إلا طير الله وطير الله لا طيرك كما يقال: صباح الله لا صباحك ويقال أيضا: كأنّ على رءوسهم الطير أي هم ساكنون هيبة وأصله أن الغراب يقع على رأس البعير فيلقط منه القراد فلا يتحرك البعير لئلا ينفر عنه الغراب، وازجر أحناء طيرك أي جوانب خفتك وطيشك. (صافَّاتٍ) باسطات أجنحتهنّ في الجو عند طيرانها. (وَيقبضنها) ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهنّ، وسيأتي المزيد في باب البلاغة. (لَجُّوا) تمادوا. (مُكِبًّا) اسم فاعل من أكب اللازم المطاوع لكبه يقال كبّه الله على وجهه في النار فأكبّ أي سقط وهذا على خلاف القاعدة في أن الهمزة إذا دخلت على اللازم تصيّره متعديا، وهنا قد دخلت على اللازم فصيّرته لازما، هذا ما ذكره اللغويون وأنكره الزمخشري قال: «يجعلون أكبّ مطاوع كبّه يقال: كببته فأكبّ من الغرائب والشواذ ونحوه قشعت الريح السحاب فأقشع وما هو كذلك ولا شيء من بناء أفعل مطاوعا ولا يتقن هذا إلا حملة كتاب سيبويه وإنما أكبّ من باب أنغض وألأم ومعناه دخل في الكب وصار ذا كب وكذلك أقشع السحاب دخل في القشع ومطاوع كب وقشع انكبّ وانقشع» وفي الصحاح ما يؤيد قول الزمخشري قال: «أنغض القوم هلكت أموالهم وانفضّوا أيضا مثل أرملوا فني زادهم» وفيه أيضا: «ألأم الرجل إذا صنع ما يدعوه الناس عليه لئيما» . وقال أبو حيان: «ومكبّا حال من أكبّ وهو لا يتعدى وكب متعد قال تعالى: فكبت وجوههم في النار، والهمزة فيه للدخول في الشيء أو للصيرورة ومطاوع كب: انكب تقول كببته فانكب» . وفي القاموس: «كبه قلبه وصرعه كأكبّه وكبكبه فأكبّ وهو لازم ومتعدّ» . وعبارة الأساس: «أكبّ لوجهه وعلى وجهه فانكبّ: أفمن يمشي مكبّا على وجهه، وكببته وهو مكبوب ومكبوت وكببته في الهوّة وكبكبته وكذلك إذا رمى به من رأس جبل أو حائط، والفارس يكبّ الوحوش وهم يكبّون العشار قال: يكبّون العشار لمن أتاهم ... إذا لم تسكت المائة الوليدا ورجل أكب لا يزال يعثر قال عدي: إن يصبني بعض الهنات فلا وا ... ن ضعيف ولا أكبّ عثور ومن المجاز: أكبّ على عمله وهو مكبّ عليه لازم له لا يفارقه قال لبيد: جنوح الهالكي على يديه ... مكبّا يجتلي نقب النصال وأكبّ فلان على فلان يطلبه» * الإعراب: (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) الواو استئنافية واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وكذب فعل ماض والذين فاعل ومن قبلهم متعلقان بمحذوف صلة الموصول والفاء حرف عطف وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان مقدّم وكان فعل ماض ناقص ونكير اسمها وحذفت الياء اتّباعا لرسم المصحف أي إنكاري عليهم (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري والواو عاطفة على مقدّر أي أغفلوا ولم حرف نفي وقلب وجزم ويروا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعل وإلى الطير متعلقان بيروا وفوقهم ظرف متعلق بصافّات وصافّات حال، ويقبضن الواو عاطفة ويقبضن فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة ونون النسوة فاعل، وسيأتي سر عطف المضارع على الاسم المشتق في باب البلاغة، ومفعول يقبض محذوف أي أجنحتهنّ (ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) الجملة مستأنفة أو في محل نصب على الحال من فاعل يقبضن وأعربها أبو البقاء بدلا من الضمير في يقبضن ولم أر لهذا الإعراب مساغا، وما نافية ويمسكهنّ فعل مضارع مرفوع والهاء مفعول به وإلا أداة حصر والرحمن فاعل وإن واسمها وبكل شيء متعلقان ببصير وبصير خبر إن والجملة تعليل للقدرة التي تدخل كل شيء في نطاق علمها (أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ) أم حرف عطف بمعنى بل فهي منقطعة ومن اسم استفهام مبتدأ وهذا اسم إشارة خبر والذي بدل من هذا أو صفة لاسم الإشارة وهو مبتدأ وجند خبر ولكن نعت والجملة الاسمية لا محل لها لأنها صلة وجملة ينصركم نعت ثان أو حال ومن دون الرحمن متعلقان بمحذوف حال من فاعل ينصركم (إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) إن نافية والكافرون مبتدأ وإلا أداة حصر وفي غرور خبر المبتدأ والجملة معترضة لا محل لها (أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ) عطف على ما تقدم وإن شرطية وأمسك فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والجواب محذوف دلّ عليه ما تقدم ورزقه مفعول به (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) بل حرف إضراب وعطف ولجوا فعل ماض وفاعل وفي عتو متعلقان بلجوا ونفور عطف على عتو (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) الهمزة للاستفهام التوبيخي والفاء عاطفة على محذوف مقدّر ومن اسم موصول مبتدأ وجملة يمشي صلة ومكبّا حال من فاعل يمشي وعلى وجهه متعلق بمكبّا وأهدى خبر وأم حرف عطف معادل لهمزة الاستفهام ومن عطف على من الأولى وجملة يمشي صلة وسويا حال وعلى صراط مستقيم متعلقان بيمشي. * البلاغة: 1- في قوله «أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافّات ويقبضن» عطف الفعل على الاسم والسياق يقتضي أن يقول قابضات وذلك لسرّ لطيف، فإن أصل الطيران هو رصف الأجنحة لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في السباحة مدّ الأطراف وبسطها وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرّك فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهنّ صافّات ويكون منهنّ القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح، وخلاصة القول أن الغالب هو البسط فكأنه هو الثابت فعبّر عنه بالاسم والقبض متجدّد فعبّر عنه بالفعل. 2- وفي قوله «أفمن يمشي مكبّا على وجهه أهدى أم من يمشي سويّا على صراط مستقيم» استعارة تمثيلية وهو مثل للمؤمن والكافر، فالكافر أعمى لا يهتدي إلى الطريق بل يمشي متعسفا فلا يزال يتعثر وينكب على وجهه والمؤمن صحيح البصر يمشي في طريق واضحة مستقيمة سالما من العثور والخرور على وجهه. وهكذا تتجلى طريقة القرآن في التجسيد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.