الباحث القرآني

* اللغة: (هُدْنا) تبنا ورجعنا عن المعصية وجئناك معتذرين منها، من هاد يهود إذا رجع، وأصل الهود: الرجوع برفق، وبه سميت اليهود، وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم، وبعده صار اسم ذم لازما لهم أبدا يتّسمون به إلى الأبد، والهود جمع هائد وهو التائب. ولبعضهم، يا راكب الذّنب هدهد ... واسجد كأنك هدهد شبه ملازمته للذنب بملازمة الراكب للمركوب، وشبه الساجد بالهدهد، لكثرة ما يطرق برأسه إلى الأرض. (الْأُمِّيَّ) : نسبة إلى الأم، كأنه باق على حالته التي ولد عليها. والمراد به الذي لا يقرأ الخط ولا يكتب، وهذا الوصف مما اختصّ به محمد صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن تكون نسبته إلى الأمة، وهي أمة العرب، وذلك لأن العرب لا تحسب ولا تكتب، ويجوز أن يكون نسبة إلى الأم مصدر أمّ يؤمّ، أي قصد يقصد، والمعنى على هذا: أن هذا النبي العربي الكريم مقصود لكلّ أحد، فإن قيل: كان ينبغي أن يقال في النسبة أمّيّ بفتح الهمزة، قلنا إنه من تغيير النسب. وسيأتي مزيد من هذا الوصف في باب الفوائد. (الإصر) : الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه عن الحركة لثقله. والمراد بالإصر هنا العهد والميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل أن يعملوا بأحكام التوراة. (الْأَغْلالَ) : جمع غلّ، والغل بالضمّ طوق من حديد يجعل في العنق. * الإعراب: (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا) كلام مستأنف مسوق لسرد قصة الذين لم يعبدوا العجل، وقد أمره الله باختيار سبعين منهم. والتفاصيل في المطوّلات. واختار موسى فعل وفاعل، وقومه منصوب بنزع الخافض، أي من قومه، فحذف الجار وأوصل الفعل، وسبعين مفعول به لاختار، وقد تقدم حديث الأفعال التي تعدت إلى اثنين أحدهما بنفسه والآخر بوساطة حرف الجر، وهي مقصورة على السماع، وهي: اختار واستغفر وأمر وكنى، ودعا وزوج وصدق، ثم يحذف حرف الجر ويتعدى إليه الفعل، فتقول: اخترت زيدا من الرجال، واخترت زيدا الرجال، قال الشاعر: اخترتك الناس إذ رثّت خلائقهم ... واعتلّ من كان يرجى عند السّول ورجلا تمييز، لميقاتنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي للوقت الذي وعدناه بإتيانهم فيه للاعتذار عن عبادة العجل (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) الفاء عاطفة، ولما رابطة أو حينية، وقد تقدم إعرابها كثيرا، وأخذتهم الرجفة فعل ومفعول به وفاعل (قالَ: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) جملة القول مستأنفة لبيان ما قاله موسى، وجملة النداء في محل نصب مقول القول، ولو شرطية، وشئت فعل وفاعل، والمفعول به محذوف، أي لو شئت إهلاكهم، وأهلكتهم فعل وفاعل ومفعول به، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ومن قبل جار ومجرور متعلقان بأهلكتهم، وإياي ضمير منفصل معطوف على الهاء (أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا) الاستفهام هنا معناه النفي مع الاستعطاف، أي: لا يمكن أن تعذبنا بما فعل غيرنا. وللمبرد عبارة جميلة قال: «والمراد بالاستفهام استفهام الإعظام، كأنه يقول، وقد علم موسى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره، ولكنه من وادي قول عيسى: «إن تعذبهم فانهم عبادك» . وتهلكنا فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وبما جار ومجرور متعلقان بتهلكنا، وما موصولة أو مصدرية، أي بسبب الذي فعله السفهاء أو بسبب فعل السفهاء، ومنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) إن نافية، وهي مبتدأ، وإلا أداة حصر، وفتنتك أي: ابتلاؤك خبر (تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ) الجملة حالية، أي: مضلا بها وهاديا، ومن اسم موصول في محل نصب مفعول به، وكذلك «من» الثانية (أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ) أنت مبتدأ، وولينا خبر، فاغفر الفاء الفصيحة، واغفر فعل أمر للدعاء، ولنا جار ومجرور متعلقان باغفر، وارحمنا عطف على اغفر، وأنت الواو حالية أو استئنافية، وأنت مبتدأ، وخير الغافرين خبر (وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ) واكتب عطف على فاغفر، ولنا جار ومجرور متعلقان باكتب، وفي هذه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وحسنة مفعول به، وفي الآخرة عطف على «في هذه الدنيا» ، واكتفى بالمفعول الأول، أي: وفي الآخرة حسنة (إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتعليل الدعاء، لأن ذلك مما يوجب قبوله. وإن واسمها، وجملة هدنا إليك خبر إن (قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ) الجملة مستأنفة مسوقة لمعرفة جواب الله. وعذابي مبتدأ، خبره جملة أصيب، وإما خبر لمبتدأ محذوف، وجملة أصيب حالية، وبه جار ومجرور، ومن اسم موصول مفعول به، وجملة أشاء صلة (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) عطف على الجملة السابقة (فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ) الفاء استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة للتعريض بقومه، والسين حرف استقبال، واكتبها فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وللذين جار ومجرور متعلقان بسأكتبها، وجملة يتقون لا محل لها لأنها صلة الموصول، وجملة ويؤتون الزكاة عطف على جملة يتقون (وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ) والذين عطف على الذين السابقة، وهم مبتدأ، وجملة يؤمنون خبر، وبآياتنا جار ومجرور متعلقان بيؤمنون، والجملة الاسمية لا محل لها لأنها صلة الموصول (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) الذين نعت للذين أو بدل منه، وجملة يتبعون صلة الموصول، والرسول مفعول به والنبي صفة أولى والأمي صفة ثانية، والذي صفة ثالثة، وجملة يجدونه لا محل لها لأنها صلة الموصول، ومكتوبا مفعول به ثان ليجدونه، وعندهم ظرف متعلق ب «مكتوبا» ، وفي التوراة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) الجملة حالية، وبالمعروف جار ومجرور متعلقان بيأمرهم، وينهاهم عن المنكر عطف على الجملة السابقة (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ) عطف على ما تقدم (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ) عطف أيضا، وإصرهم مفعول به، والأغلال عطف على إصرهم، والتي نعت للأغلال، وجملة كانت عليهم صلة، وعليهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كانت (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ) الفاء: استئنافية، والذين مبتدأ، وجملة آمنوا صلة، وبه جار ومجرور متعلقان بآمنوا، وعزروه ونصروه معطوفان على آمنوا (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) واتبعوا عطف أيضا، والنور مفعول به، والذي نعت، وجملة أنزل صلة، ومعه ظرف مكان متعلق بأنزل (أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الجملة الاسمية خبر اسم الموصول، واسم الاشارة مبتدأ، وهم ضمير فصل أو مبتدأ ثان، والمفلحون خبر أولئك، أو خبر «هم» ، والجملة الاسمية خبر أولئك. * الفوائد: معنى الأميّ: تكلمنا في باب اللغة بإسهاب عن معنى الأمّيّ، ونتساءل الآن مع المتسائلين: هل كان النبي يعرف القراءة والكتابة؟ أما أكثر المستشرقين فيقولون: إن كلمة «أمّيّ» التي وصف بها النبي غامضة، ولا تدل دلالة قاطعة على أنه لم يكن يعرف القراءة، ويرجحون أن تكون نسبة إلى كلمة أمّة، كما ذكرنا ذلك في حينه. أراجيف دائرة المعارف الإسلامية: أما دائرة المعارف الإسلامية فتثير إشكالا آخر، وهو أنه ورد في سورة العنكبوت الآية: «وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون» قالت: «وهي تدل على أنه تعلم القراءة في الكبر، أي: بعد نزول القرآن، وإن كان التعبير غامضا» . وواضح أن التعبير ليس غامضا، ولكن التخريج الذي خرّجته الدائرة فاسد، فلفظ الآية صريح كل الصراحة، واضح كل الوضوح- كما سيأتي في حينه- وهو يدل، بلا لبس، على أن أهل مكة عرفوا قبل نزول الوحي عليه أنه لم يكن يتلو كتابا، ولا يكتب بيمينه، ولو أنه كان كذلك إذن لارتاب المبطلون بأن يذكروا أنه كان يخلو إلى نفسه، فيكتب القرآن ويعدّه، ثم يخرج للناس فيتلوه عليهم. وآية أخرى أوردتها دائرة المعارف الإسلامية وهي: «وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا» ولا يفهم من هذه الآية شيء مما أريد حمله عليها، إذ أنها تدل ببساطة على أن كفار قريش كانوا يدّعون أن رسول الله يكتب ما يملى عليه من أساطير الأولين، وليس كل ما يدعي الكفار صوابا، بل هذا هو هجوم صريح وافتئات واضح يقصد منه التجريح وإضعاف شأن القرآن. ولعلّ القرآن نفسه تولى الكشف عن هذه الأراجيف في الآية السابقة لها وهي: «وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا، وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، قل: أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما» . الباجه جي ودعوى عدم الأمّيّة: وليست دائرة المعارف الإسلامية وغيرها من كتب المستشرقين وحدها التي تحاول اثارة هذه الشبهات، فقد تناثرت في كتب المسلمين إشارات تلمح إلى هذا الموضوع، فقد ذكر ابن كثير: «ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجيّ ومن تابعه أن النبي عليه السلام كتب يوم الحديبية: «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله» ، فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: «ثم أخذ فكتب» ، وهذه محمولة على الرواية الأخرى: «ثم أمر فكتب» ، ولهذا اشتد النكير على من قال بقول الباجيّ، وتبرءوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالا وخطبوا به في محافلهم. على أن القول الفصل في هذا ما ورد في القرآن نفسه، فقد أكد في مواضع كثيرة أن القرآن أنزل على قلب رسول الله، وأنه كلّف بحفظه، وبأن يحفظه المسلمون لا أن يكتبوه، «فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدّقا لما بين يديه» ، وإذن فلم يكن النبي يكتب ما يوحى إليه، ولا نعلم على وجه دقيق كيف كان يكتب القرآن في العهد المكي. قصة إسلام عمر: ولكننا نذكر الرواية الشائعة التي تقصّ إسلام عمر بن الخطاب أنه وجد في يد أخته فاطمة صحيفة فيها آيات من القرآن، وعلى الرغم من أن هناك روايات أخرى تهمل قصة فاطمة وما حدث بينها وبين عمر، إلا أن من الممكن أن نعتمد عليها في أن نعلم أنه كانت هناك صحف تكتب فيها أجزاء من القرآن، سواء أكانت هذه الصحف عند فاطمة أخت عمر أو عند غيرها. وكلمة صحيفة لا تدل على الورق الذي نعرفه اليوم، ولكنها- على كل حال- شيء خفيف الحمل يكتب عليه في سهولة. وقد وردت في القرآن كلمة صحيفة، مثل قوله تعالى: «في صحف مكرّمة مرفوعة مطهرة» . على أن الحفظ كان أساس العلم بالقرآن، وليست التلاوة من صحف مسطورة، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم. هذا وسيرد المزيد من هذا المبحث الدقيق في مواضيع معينة من هذا الكتاب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.