الباحث القرآني

* اللغة: (وَلِيِّيَ) : ناصري ومتولي أموري. (الْعَفْوَ) : اليسر وضدّ الجهد. أي: خذ ما عفا لك من أخلاق الناس وأفعالهم، وما أتى منهم، وتسهّل من غير تكلف ولا إعنات، ولا تحرجهم وتشق عليهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى: «يسّروا ولا تعسّروا» . وقال: خذي العفو مني تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب (العرف) : بضم العين: المعروف وكل جميل من الأفعال، قال الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازية لا يذهب العرف بين الله والناس (النزغ) : النخس والغرز، شبه وسوسة الشيطان بغرز السائق لما يسوقه. * الإعراب: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ) إن واسمها وخبرها، والذي صفة لله، وجملة نزل الكتاب صلة الموصول (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) الواو حالية أو عاطفة، وهو مبتدأ، وجملة يتولى الصالحين خبر (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) عطف على ما تقدم، وقد مرّ إعرابه آنفا، وأنفسهم مفعول به مقدم لينصرون (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا) عطف أيضا، وإن الشرطية وفعلها وجوابها (وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) الواو استئنافية، وتراهم فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول به، وجملة ينظرون إليك حالية، والواو للحال، وهم مبتدأ، وجملة لا يبصرون خبر، وجملة وهم لا يبصرون حال أيضا (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) خذ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت، والعفو مفعول به، وفعلا الأمر الآخران عطف عليه (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الواو عاطفة وإن شرطية، أدغمت نونها بما الزائدة، وينزغنك فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو في محل جزم فعل الشرط. ومن الشيطان جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه في الأصل كان صفة ل «نزغ» ، ونزغ فاعل، فاستعذ: الفاء رابطة لجواب الشرط، لأن الجواب بعدها طلبي، واستعذ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت، وبالله جار ومجرور متعلقان باستعذ، وإن واسمها، وخبرها، وجملة إن وما في حيزها للتعليل والاستئناف. * البلاغة: أعجب العرب كثيرا بقوله تعالى: «خذ العفو» إلى آخر الآية، لما فيها من سهولة سبك، وعذوبة لفظ، وسلامة تأليف، مع ما تضمنته من إشارات بعيدة، ورموز لا تتناهى، وأطلقوا على هذا النوع من الأساليب اسم فنّ يقال له «الانسجام» ، وهو أن يكون الكلام متحدّرا كتحدّر الماء المنسجم، حتى يكون للجملة من المنثور وللبيت من المنظوم وقع في النفوس، وتأثير في القلوب، ما ليس لغيره. نماذج شعرية من الانسجام: ومن النماذج الشعرية لهذا الفنّ التي خلت من البديع، إلا أن يأتي ضمن السهولة، من غير قصد، كقول بعضهم، وينسب إلى ديك الجنّ الشاعر الحمصي: يا بديع الدّلّ والغنج ... لك سلطان على المهج إنّ بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السّرج وجهك المأمول حجّتنا ... يوم تأتي الناس بالحجج ولبهاء الدين زهير: لحاظك أمضى من المرهف ... وريقك أشهى من القرقف ومن سيف لحظك لا أتّقي ... ومن خمر ريقك لا أكتفي أقاسي المنون لنيل المنى ... ويا ليت هذا بهذا يفي زها ورد خدّيك لكنه ... بغير النواظر لم يقطف وقد زعموا أنه مضعف ... وما علموا أنه مضعفي ومما يستحق أن يغنى به قول صفيّ الدين، وقد بلغ غاية الانسجام: قالت: كحلت الجفون بالوسن ... قلت: ارتقابا لطيفك الحسن قالت: تسلّيت بعد فرقتنا ... قلت: عن مسكني وعن سكني قالت: تشاغلت عن محبتنا ... قلت: بفرط البكاء والحزن قالت: تخلّيت، قلت عن جلدي ... قالت: تغيّرت، قلت: في بدني قالت: أذعت الأسرار، قلت لها: ... صيّر سري هواك كالعلن قالت: فماذا تروم؟ قلت لها: ... ساعة سعد بالوصال تسعفني قالت: وعين الرقيب ترقبنا ... قلت: فإنّي للعين لم أبن أنحلتني بالبعاد عنك فلو ... ترصّدتني العيون لم ترني ونختم هذه المختارة بالحكاية الآتية: قيل: إن بعض الأدباء اجتاز بدار الشريف الرضي، وقد أخنى عليها الزمان، وأذهب بهجتها، وأخلق ديباجتها، وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة. فوقف عليها متعجبا من صروف الزمان وتمثل بهذه الأبيات: ولقد وقفت على ربوعهم ... وطلولها بيد البلى نهب فبكيت حتى ضجّ من لغب ... نضوي وعجّ بعذلي الرّكب وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطّلول تلفّت القلب فمر شخص فقال له: أتعرف هذه الأبيات؟ فقال: لا قال: والله إنها لصاحب هذه الدار، فتعجبا من غريب هذا الاتفاق، والشيء بالشيء يذكر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.