الباحث القرآني

* اللغة: (وَقاسَمَهُما) : أقسم لهما، والمفاعلة هنا ليست على بابها بل للمبالغة، ويجوز أن تبقى على باب المفاعلة كما قرر الزمخشري، كأنه قال أقسم لكما أني لمن الناصحين، وقالا له: أتقسم بالله أنك لمن الناصحين؟ فجعل ذلك مقاسمة بينهم. (فَدَلَّاهُما) التدلية والإدلاء: إرسال الشيء من الأعلى إلى الأسفل. وقال الأزهري: وأصله أن الرجل العطشان يتدلى في البئر ليأخذ الماء، فلا يجد فيها ماء، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا مطمع فيه، ولا فائدة منه. قال الفرزدق: هما دلّتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره (بِغُرُورٍ) الغرور: إظهار النصح وإبطان الغش. وغرّه غرّا وغرّة وغرورا: أي خدعه وأطمعه بالباطل. وفي أمثالهم: «أفرّ من ظبي مقمر» لأنه يخرج في الليلة المقمرة، يرى أنه النهار، فتأكله السباع، ولم يزل يطلب غرّته حتى صادفها، وأصاب منه غرّة فبطش به. وما غرّك به؟ كيف اجترأت عليه. و «ما غرّك بربك الكريم» ؟ وأنا غريرك من هذا الأمر: أي إن سألتني على غرّة أجبك به، لاستحكام علمي بحقيقته. وهو على غرارة: أي على خطر، وقال النمر بن تولب: تصابى وأمسى علاه الكبر ... وأمسى لجمرة حبل غرر أي: غير موثوق به. ورضى أعرابي عن امرأة فقال: هي الغرّاء بنت المخضبة. شبهها بالزبدة. ويقال للسوق درّة غرار: أي نفاق وكساد. و «لا غرار في الصلاة» وأصله: غارّت الناقة غرارا إذا نقص لبنها. وفلان مغار الكف للبخيل. ومنه: ما أذوق النوم إلا غرارا. وهذه المادة عجيبة في تنوع معانيها وتساوقها، في حين تئول كلها إلى أصل واحد. (طَفِقا) : من أفعال الشروع، وسيأتي الحديث عنها في باب الفوائد. (يَخْصِفانِ) : في المختار: «خصف النعل خصفا: خرزها. وقوله تعالى: «وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة» : أي يلزقان بعضه ببعض ليسترا به عورتهما» . وفي المصباح: «خصف الرجل نعله خصفا من باب ضرب فهو خصّاف، وهو فيه كرقع الثوب» . * الإعراب: (وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) الواو استئنافية، وقاسمهما فعل وفاعل مستتر، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة مستأنفة، وجملة إن وما في حيزها مفسرة، لما تنطوي عليه المقاسمة، وإن واسمها، ولكما جار ومجرور متعلقان بالناصحين، ونصح فعل يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف الجر، وقال الفراء: «العرب لا تكاد تقول نصحتك، وإنما يقولون: نصحت لك، وأنصح لك، وقد يجوز نصحتك» . واللام هي المزحلقة، ومن الناصحين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن (فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ) الفاء عاطفة، ودلاهما فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وبغرور جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي مصاحبين للغرور، فالفاء للمصاحبة، ويجوز أن يتعلقا بدلاهما، فتكون لمجرد السببية، أي: دلاهما بسبب غروره إياهما (فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما) الفاء عاطفة، ولما حينية ظرفية، أو حرف لمجرد الربط، وذاقا الشجرة فعل وفاعل ومفعول به وجملة ذاقا في محل جر بالإضافة، وجملة بدت لهما لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ولهما جار ومجرور متعلقان ببدت، وسوءاتهما: فاعل بدت (وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) الواو حرف عطف، وطفقا من أفعال الشروع، وسيأتي حكمها، والألف اسمها، وجملة يخصفان خبرها، وعليهما: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، ومن ورق الجنة جار ومجرور متعلقان بيخصفان، والجنة مضاف إليه (وَناداهُما رَبُّهُما: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ) الواو عاطفة، وناداهما ربهما فعل ومفعول به وفاعل، وجملة ألم أنهكما مفسرة لا محل لها، والهمزة للاستفهام، وتفيد العتاب والتقريع على الخطأ، حيث لم يتحوّطا ويعتصما بالحذر مما حذرهما الله منه، وعن تلكما جار ومجرور متعلقان بأنهكما، والشجرة بدل من اسم الاشارة (وَأَقُلْ لَكُما: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ) الواو حرف عطف، وأقل فعل مضارع معطوف على الفعل المجزوم بلم، وإن واسمها، ولكما جار ومجرور متعلقان بعدو أو بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة لعدو، وتقدم عليه، ومبين صفة لعدو، وجملة إن وما في حيزها في محل نصب مقول القول. * الفوائد: أفعال المقاربة: يطلق النحاة على الأفعال التي تعمل عمل كان وأخواتها اسم أفعال المقاربة، من إطلاق الجزء على الكل، وحقيقة الأمر في ذلك أن هذه الأفعال ثلاثة أنواع: 1- ما وضع للدلالة على قرب الخبر المسمى باسمها، وهو ثلاثة أنواع: كاد وكرب وأوشك. 2- ما وضع للدلالة على رجائه، وهو ثلاثة أنواع: عسى وحرى واخلولق. 3- ما وضع للدلالة على الشروع فيه، وهو كثير، وقد أنهى أفعاله بعضهم إلى نيف وعشرين فعلا، وأشهرها: أنشأ وطفق وطبق- بكسر الباء- وجعل وعلق وهلهل وقام وابتدأ. شرط الخبر لهذه الأفعال: ويجب أن يكون خبر هذه الأفعال جملة، وشذّ مجيئه مفردا بعد كاد وعسى كقول تأبط شرّا: فأبت إلى فهم وما كدت آئبا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر وقولهم في المثل: «عسى الغوير أبؤسا» ، وقد قالته الزّبّاء، والغوير اسم موضع بعينه، وأوله بعضهم بأنه خبر «يكون» محذوفة، وقال الأصمعي: خبر «يصير» محذوفة، واختار ابن هشام أن يكون مفعولا مطلقا لفعل محذوف، نحو: «فطفق مسحا» ، أي: يمسح مسحا. وشرط الفعل أن يكون رافعا لضمير الاسم. فأما قول أبي حية النّميريّ: وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشّارب الثّمل وقول ذي الرّمّة: وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمني أحجاره وملاعبه ف «ثوبي» في البيت الأول، و «أحجاره» في البيت الثاني بدلان من اسمي جعل وكاد، بدل اشتمال لا فاعلان ليثقلني وتكلمني، بل فاعلهما ضمير مستتر، والتقدير: جعل ثوبي يثقلني، وكادت أحجارة تكلمني، فعاد الضمير على البدل دون المبدل منه. وأن يكون فعلا مضارعا، وأن يكون مقرونا ب «أن» إن كان دالا على الترجّي، وأن يكون مجردا منها إن كان دالا على الشروع. والغالب في خبر عسى وأوشك الاقتران بها، كقوله تعالى: «عسى ربكم أن يرحمكم» وقوله: ولو سئل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل: هاتوا أن يملّوا ويمنعوا والتجرد من «أن» قليل، كقول هدبة: عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب وقول أمية بن أبي الصلت: يوشك من فرّ من منيّته ... في بعض غرّاته يوافقها وكاد وكرب بالعكس، فمن الغالب قوله تعالى: «وما كادوا يفعلون» ، وقول كلحبة اليربوعي: كرب القلب من جواه يذوب ... حين قال الوشاة: هند غضوب ومن القليل قوله: كادت النفس أن تفيض عليه ... مذ غدا حشو ربطة وبرود تنبيه: هذه الأفعال ملازمة لصيغة الماضي إلا أربعة استعمل لها مضارع، وهو كاد، نحو: «يكاد زيتها يضيء» ، وأوشك، نحو: يوشك من فر من منيته ... في بعض غرّاته يوافقها وطفق يطفق، وجعل. واستعمل اسم فاعل لثلاثة، وهي: كاد وعليه قول كثير بن عبد الرحمن: أموت أسى يوم الرجاء وإنني ... يقينا لرهن بالذي أنا كائد وكرب، قال عبد قيس بن خفاف بن ندبة: أبنيّ إنّ أباك كارب يومه ... فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل وأوشك نحو قول كثير بن عبد الرحمن: فإنّك موشك أن لا تراها ... وتعدو دون غافره العوادي
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.