الباحث القرآني

* اللغة: (مِدْراراً) كثير الدرور ويستوي فيه المذكر والمؤنث ويطّرد هذا الاستواء في وزن مفعال صيغة للمبالغة. (أَطْواراً) جمع طور وهو الحال والتارة، وفي المصباح: «والطور بالفتح التارة وفعل ذلك طورا بعد طور أي مرة بعد مرة والطور الحال والهيئة والجمع أطوار مثل ثوب وأثواب وتعدى طوره أي حاله التي تليق به» . (فِجاجاً) واسعة جمع فج وهو الطريق الواسع وقيل هو المسلك بين الجبلين. * الإعراب: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً) الفاء عاطفة وقلت فعل وفاعل واستغفروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وربكم مفعول به وإن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وغفارا خبرها وجملة استغفروا مقول القول وجملة إنه كان غفارا لا محل لها لأنها تعليل للاستغفار، وفي الشهاب: «وليس المراد بالاستغفار مجرد قول استغفر الله بل الرجوع عن الذنوب وتطهير الألسنة والقلوب» (يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً) يرسل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والفاعل مستتر يعود على الله تعالى والسماء مفعول به وعليكم متعلقان بيرسل ومدرارا حال من السماء (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً) ويمددكم عطف على يرسل والكاف مفعول به وبأموال متعلقان بيمددكم وبنين عطف على أموال ويجعل فعل مضارع مجزوم عطف على ويمددكم ولكم في موضع المفعول الثاني وجنات مفعول به ويجعل لكم أنهارا عطف على الجملة السابقة والمراد بجنّات الدنيا البساتين (ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً) ما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ ولكم خبر ولا نافية وترجون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وجملة لا ترجون حال من الكاف في لكم ولله حال لأن اللام للتبيين ولو تأخرت لكانت صفة للوقار، ووقارا مفعول به لترجون أي توقيرا وتعظيما، وسيأتي مزيد بيان لهذا التعبير في باب الفوائد (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً) الواو للحال وقد حرف تحقيق وخلقكم فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به والجملة حالية من فاعل ترجون وأطوارا حال مؤولة بالمشتق أي متنقلين من حال إلى حال (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً) الهمزة للاستفهام الإنكاري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتروا فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والرؤية علمية أي لم تعتبروا وتتفكروا، وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال والعامل فيها خلق، وخلق الله فعل ماض وفاعل والجملة سدّت مسدّ مفعولي تروا المعلقة عن العمل بالاستفهام وسبع سموات مفعول به وطباقا نعت لسبع أي بعضها فوق بعض أو منصوب بفعل محذوف أي طبقت طباقا فيكون مصدر طابقت مطابقة وطباقا وقد ذكر ذلك في سورة الملك (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً) الواو عاطفة وجعل القمر فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به وفيهن حال ونورا مفعول به ثان وجعل الشمس سراجا عطف على الجملة السابقة (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً) الواو عاطفة والله مبتدأ وجملة أنبتكم خبر ومن الأرض متعلقان بأنبتكم ونباتا مفعول مطلق ويجوز أن يكون مصدرا لأنبت على حذف الزوائد ويسمى اسم مصدر ويجوز أن يكون مصدرا لنبتم مقدرا أي فنبتم نباتا فيكون منصوبا بالمطاوع المقدّر، وعبارة الزمخشري «والمعنى أنبتكم فنبتم نباتا أو نصب بأنبتكم لتضمنه معنى نبتم» (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً) عطف على ما تقدم (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً) الواو حرف عطف والله مبتدأ وجملة جعل خبر ولكم حال والأرض مفعول به أول وبساطا مفعول به ثان (لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً) اللام لام التعليل وتسلكوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بجعل ومنها حال من سبلا أي كائنة من الأرض ولو تأخر لكان صفة لها وسبلا مفعول به وفجاجا نعت. * البلاغة: 1- في قوله «يرسل السماء عليكم مدرارا» مجاز مرسل علاقته المحلية، فقد أراد بالسماء المطر لأن المطر ينزل منها قال: إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا والمراد بالبيت وصف شجاعتهم لأنهم إذا اجترءوا على رعي نبات القوم الغضاب فهم أحرى بأن يجترئوا على غيرهم، وفي البيت أيضا استخدام فقد أطلق السماء وأعاد عليها الضمير بمعنى النبات لأنها سببه. 2- وفي قوله «والله أنبتكم من الأرض نباتا» استعارة تصريحية لأنه شبّههم بالنبات، فقد استعار الإنبات للإنشاء كما يقال زرعك الله للخير، وكانت هذه الاستعارة ذات فائدة لأنها دلّت على الحدوث فإنهم إذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات وفيه قيل للحشوية النباتية والنوابت لحدوث مذهبهم في الإسلام. * الفوائد: اختلفت أقاويل المفسرين في قوله: «ما لكم لا ترجون لله وقارا» ونحن نورد هنا مقتطفات من أقوالهم ثم نعقب عليها بما يجلو غامضها، فالرجاء معناه الأمل والخوف، فقال أبو عبيدة: «لا ترجون: لا تخافون» قالوا والوقار بمعنى العظمة والسلطان فالكلام وعيد وتخويف، وعبارة الزمخشري «والمعنى ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب، ولله بيان للموقر ولو تأخر لكان صلة للوقار ... أو لا تخافون لله حلما وترك معاجلة العقاب فتؤمنوا وقيل ما لكم لا تخافون لله عظمة، وعن ابن عباس لا تخافون لله عاقبة لأن العاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب من وقر إذا ثبت واستقر» وعبارة أبي حيان: «وقيل ما لكم لا تجعلون رجاءكم لله وتلقاءه وقارا ويكون على هذا منهم كأنه يقول تؤدة منكم وتمكنا في النظر لأن الفكر مظنة الخفة والطيش وركوب الرأس» وقال قطرب: هذه لغة حجازية، وهذيل وخزاعة ومضر يقولون: لم أرج لم أبال. وعبارة أبي السعود: «ما لكم لا ترجون لله وقارا إنكار لأن يكون لهم سبب ما في عدم رجائهم لله تعالى وقارا على أن الرجاء بمعنى الاعتقاد ولا ترجون حال من ضمير المخاطبين والعامل فيها معنى الاستقرار في لكم ولله متعلقان بمضمر وقع حالا من وقارا ولو تأخر لكان صفة له أي أيّ سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة لتعظيمه بالإيمان به والطاعة له وقد خلقكم أطوارا أي والحال أنكم على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية وهي أنكم تعلمون أنه تعالى خلقكم تارة عناصر ثم أغذية ثم أخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما ثم أنشأكم خلقا آخر فإن التقصير في توقير من هذه شئونه في القدرة القاهرة والإحسان التام مع العلم بها مما لا يكاد يصدر عن العاقل» . والذي يتحصل معنا من هذا كله: هو أن القوم كانوا يبالغون في احتقاره عليه السلام والاستهزاء به والتندّر عليه فأمرهم الله بالتزام الجدّ في توقيره واحترامه والصدوف عن هذه المعاملة غير اللائقة، أي أنكم إذا وقرتم نوحا وتركتم الاستخفاف به والتندّر عليه كان ذلك طاعة لله وتقربا إليه وامتثالا لأوامره فما لكم لا تهتبلون هذه الفرصة فتفوزوا برضا الله بتوقيره واحترامه؟
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.