الباحث القرآني

* اللغة: (قِدَداً) جمع قدّة بالكسر وهي الطريقة وفي المصباح: «والقدّة الطريقة والفرقة من الناس والجمع قدد مثل سدرة وسدر وبعضهم يقول الفرقة من الناس إذا كان هوى كل واحد على حدة» ويؤخذ من اللسان وغيره أنه يقال: كنّا طرائق قددا أي فرقا مختلفة الأهواء وتجمع أيضا على أقدّة. (الْقاسِطُونَ) الجائرون بكفرهم والقاسط الجائر لأنه عدل عن الحق والمقسط العادل إلى الحق من قسط إذا جار وأقسط الرباعي بمعنى عدل وعن سعيد بن جبير أن الحجاج قال له حين أراد قتله: ما تقول فيّ؟ قال: قاسط عادل فقال القوم: ما أحسن ما قال حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل فقال الحجاج: يا جهلة إنه سمّاني ظالما مشركا وتلا لهم قوله تعالى: «وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا» «ثم الذين كفروا بربهم يعدلون» . (تَحَرَّوْا رَشَداً) أي قصدوا هداية وطلبوها باجتهاد وفيه التحرّي في الشيء يقال حرى الشيء يحريه أي قصد حراه أي جانبه وتحرّاه كذلك. كذلك قال الراغب والذي في المعاجم أن حرى الشيء نقص. (غَدَقاً) الغدق بفتح الدال وكسرها لغتان في الماء الغزير ومنه الغيداق للماء الكثير وللرجل الكثير العدو والكثير النطق وفي المصباح: «غدقت العين غدقا من باب تعب كثر ماؤها فهي غدقة وفي التنزيل: لأسقيناهم ماء غدقا أي كثيرا وأغدقت إغداقا كذلك وغدق المطر غدقا وأغدق إغداقا مثله وغدقت الأرض تغدق من باب ضرب إذا ابتلت بالغدق» . (صَعَداً) بفتح الصاد والعين مصدر صعد بكسر العين كفرح. (لِبَداً) بكسر اللام وقرىء بفتحها فهما لغتان جمع لبدة بكسر اللام كسدرة وسدر على اللغة وعلى اللغة الثانية كغرفة وغرف وفي المختار: «اللبد بوزن الجلد واحد اللبود واللبدة أخصّ منه قلت وجمعها لبد ومنه قوله تعالى: كادوا يكونون عليه لبدا» وعبارة القرطبي: «قال مجاهد لبدا أي جماعات وهو من تلبد الشيء على الشيء أي تجمع ومنه اللبد الذي يفرش لتراكم صوفه وكل شيء ألصقته إلصاقا شديدا فقد لبدته ويقال للشعر الذي على ظهر الأسد لبدة وجمعها لبد ويقال للجراد الكثير لبد وفيه أربع لغات وهي قراءات: بفتح الباء وكسر اللام وهي قراءة العامة وضم اللام وفتح الباء وهي قراءة مجاهد وابن محيصن وهشام من أهل الشام واحدتها لبدة بضم اللام وكسرها وبضم اللام والباء وهي قراءة أبي حيان وأبي الأشهب والعقيلي والجحدري وأحدها لبد مثل سقف في سقف ورهن في رهن وبضم اللام وتشديد الباء المفتوحة وهي قراءة الحسن وأبي العالية والجحدري أيضا واحدها لا بدّ مثل راكع وركع وساجد وسجد» . * الإعراب: (وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً) وأنا عطف على ما تقدم وأن واسمها وجملة لا ندري خبرها وأشر فيه وجهان: الرفع بفعل مضمر على الاشتغال والثاني الرفع على الابتداء وجملة أريد هي الخبر والأول أرجح لتقدّم ما هو طالب للفعل وهو همزة الاستفهام وبمن متعلقان بأريد ونائب فاعل أريد مستتر وعلى الوجه الأول تكون جملة أريد مفسّرة لا محل لها وفي الأرض صلة من وأم حرف عطف معادلة وبهم متعلقان بأراد وربهم فاعل ورشدا مفعول به، وسيأتي مزيد من بحث هذه الآية في باب البلاغة (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ) عطف أيضا ومنّا خبر مقدم والصالحون مبتدأ مؤخر والجملة خبر أنّا ومنّا خبر مقدم ودون ظرف متعلق بمحذوف هو المبتدأ المؤخر والتقدير ومنّا فريق أو فوج دون ذلك وأجاز الأخفش وغيره أن تكون دون بمعنى غير أي ومنّا غير الصالحين وهو مبتدأ وإنما فتح لإضافته إلى غير متمكّن كقوله: لقد تقطع بينكم في قراءة من نصب على أحد الأقوال والأول أرجح وحذف الموصوف مع من التبعيضية كثير كقولهم منّا ظعن ومنّا أقام أي منّا فريق ظعن ومنّا فريق أقام، وذلك مضاف إليه (كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً) فيه أوجه أحدها أن التقدير كنّا ذوي طرائق أي ذوي مذاهب مختلفة، الثاني أن التقدير كنّا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة، الثالث أن التقدير كنّا في طرائق مختلفة، الرابع أن التقدير: كانت طرائقنا قددا على حذف المضاف الذي هو الطرائق وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه، وعلى كل حال كان واسمها وطرائق خبرها وقددا نعت، وعلى الوجه الثالث تكون طرائق منصوبة بنزع الخافض والجار والمجرور خبر كنّا، ولم يرتض أبو حيان هذا الوجه وقال: «وأما التقدير الثالث وهو أن ينتصب على إسقاط «في» فلا يجوز ذلك إلا في الضرورة وقد نصّ سيبويه على أن عسل الطريق شاذ فلا يخرج القرآن عليه» أراد أبو حيّان بعسل الطريق قول ساعدة ابن جؤية في وصف رمح: لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب والشاهد فيه قوله عسل الطريق حيث حذف حرف الجر ونصب الاسم الذي كان مجرورا به، وأصل الكلام عسل في الطريق وهو ضرورة (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً) عطف أيضا وظننا فعل وفاعل وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف وجملة لن نعجز الله خبرها وأن وما في حيّزها سدّت مسدّ مفعولي ظننا وفي الأرض حال ولن نعجزه عطف على لن نعجز الله وهربا مصدر في موضع الحال تقديره لن نعجزه كائنين في الأرض أينما تنقلنا فيها ولن نعجزه هاربين إلى السماء موغلين فيها (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ) عطف أيضا وأن واسمها ولما رابطة أو حينية وسمعنا فعل وفاعل والهدى مفعول به وجملة آمنّا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وبه متعلق بآمنّا (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً) الفاء عاطفة ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويؤمن فعل الشرط وفاعله هو وبربه متعلقان بيؤمن والفاء رابطة ولا نافية ويخاف فعل مضارع مرفوع وفاعله هو وجملة لا يخاف خبر لمبتدأ محذوف أي فهو لا يخاف والجملة الاسمية المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وبخسا مفعول به ولا رهقا عطف على بخسا، وسيأتي سبب رفع الفعل وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبرا له في باب البلاغة (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ) عطف على ما تقدم أيضا وأن واسمها ومنّا خبر مقدم والمسلمون مبتدأ مؤخر والجملة خبر أنّا ومنّا القاسطون عطف على منّا المسلمون (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً) الفاء عاطفة ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وأسلم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وأولئك مبتدأ وجملة تحرّوا خبر ورشدا مفعول بهَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والقاسطون مبتدأ والفاء واقعة في جواب الشرط غير الجازم وكانوا فعل ماض ناقص والواو اسمها والجملة خبر القاسطون ولجهنم حال لأنه كان في الأصل صفة لحطبا وتقدمت وحطبا خبر كانوا والجملة خبر القاسطون (وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً) عطف أيضا على أنه استمع وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف أي وأوحي إليّ أن لو استقاموا، ولو شرطية وجملة استقاموا خبر أن وعلى الطريقة متعلقان باستقاموا واللام واقعة في جواب لو وأسقيناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وماء مفعول به ثان وعذقا نعت لماء (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً) اللام لام التعليل ونفتنهم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بأسقيناهم وفيه متعلقان بنفتنهم والمعنى لنختبرهم في الماء فنعلم علم ظهور للخلائق كيف يشكرون وكيف يكفرون وإلا فهو سبحانه عالم لا يخفى عليه شيء، والواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ ويعرض فعل الشرط وعن ذكر ربه متعلقان بيعرض ويسلكه جواب الشرط والهاء مفعول به أي يدخله وعذابا منصوب بنزع الخافض والأصل نسلكه في عذاب كقوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا، وصعدا نعت وصعدا مصدر صعد بكسر العين كفرح ووصف به العذاب على تأويله باسم الفاعل أي عذابا عاليا يغمره ويعلو عليه ويجتاحه (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) عطف على أنه استمع أي أوحي إليّ أن المساجد لله أي مختصّة به، وأن واسمها ولله خبرها والفاء عاطفة ولا ناهية وتدعوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون ومع الله ظرف متعلق بتدعوا وأحدا مفعول تدعوا (وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) عطف على أنه استمع أيضا وأن واسمها ولما رابطة أو ظرفية حينية متضمنة معنى الشرط وقام عبد الله فعل ماض وفاعل وجملة يدعوه حال أي داعيا والمراد به محمد صلّى الله عليه وسلم أي مصليا صلاة الصبح أو مجرد العبادة ببطن نخلة، وجملة كادوا لا محل لها لأنها جواب ولما وشرطها وجوابها خبر أنه وكاد من أفعال المقاربة والواو اسمها وجملة يكونون خبرها والواو في يكونون اسم يكون وعليه متعلقان بمحذوف حال ولبدا خبر يكونون. * البلاغة: 1- في قوله «وأنّا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا» اختلاف صورة الكلام لاختلاف الأحوال فإن ما قبل أم صورة من الكلام تخالف صورة ما بعدها لأن الأولى فيها فعل الإرادة مبني للمجهول والثانية فيها فعل الإرادة مبني للمعلوم والحال الداعي لذلك نسبة الخير إليه سبحانه في الثانية ومنع نسبة الشر إليه في الأولى قال ابن المنير: «ومن عقائدهم- أي الجن- إن الرشد والضلال جميعا مرادان لله تعالى بقولهم: وأنّا لا ندري «الآية» ولقد أحسنوا الأدب في ذكر إرادة الشر محذوفة الفاعل والمراد بالمريد هو الله عزّ وجلّ وإبرازهم لاسمه عند إرادة الخير والرشد فجمعوا بين العقيدة الصحيحة والآداب المليحة» وعبارة أبي حيان: «ولما رأوا ما حدث من كثرة الرجم ومنع الاستراق قالوا: وأنا لا ندري أشرّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا، فيؤمنون به فيرشدون وحين ذكروا أشرّ لم يسندوه إلى الله تعالى وحين ذكروا الرشد أسندوه إليه تعالى» . 2- وفي قوله: «وأنّا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا» فن الإيضاح وقد تقدم القول فيه وأنه حلّ للإشكال الوارد في ظاهر الكلام وهو يكون في معاني البديع من الألفاظ وفي إعرابها ومعاني النفس دون الفنون وقد ذكرنا مفصلا في آل عمران فإن الظاهر جزم الاستغناء عن الفاء وجزم الفعل تفاديا من تقدير المبتدأ قبله ولكنه عدل عمّا هو الظاهر لفائدة وهي أنه إذا فعل ذلك فكأنه قيل فهو لا يخاف فكان دالّا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة وأنه هو المختص بذلك دون غيره، ومن جهة ثانية فإن الجملة الاسمية أدلّ وآكد من الفعلية على تحقيق مضمون الجملة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.