الباحث القرآني

* اللغة: (الْمُزَّمِّلُ) المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها بإدغام التاء في الزاي ونحوه المدّثر في المتدثر، يقال تزمّل في ثوبه التفّ وزمل لف قال امرؤ القيس: كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل وقال ذو الرمّة: وكائن تخطّت ناقتي من مفازة ... ومن نائم عن ليلها متزمل وفي المصباح «زملته بثوبه تزميلا فتزمل مثل لففته فتلفف، وزملت الشيء حملته، ومنه قيل للبعير زاملته بالهاء للمبالغة لأنه يحمل متاع المسافر» وسيأتي المزيد من معناه في باب الفوائد. (ناشِئَةَ اللَّيْلِ) القيام بعد النوم فهي صفة لمحذوف أي إن النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي ترتفع وتنهض من نشأت السحابة إذا ارتفعت وقيل أنها مصدر بمعنى القيام من نشأ إذا قام ونهض فتكون كالعاقبة وفي المختار: «وناشئة الليل أول ساعاته وقيل ما ينشأ فيه من الطاعات» . (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ) انقطع إليه وتبتيلا مصدر على غير المصدر وهو واقع موقع التبتل لأن مصدر تفعّل تفعلا، نحو تصرف تصرفا وتكرم تكرما وأما التبتيل فمصدر تبل نحو صرف تصريفا قال في الخلاصة: وغير ذي ثلاثة مقيس ... مصدره كقدس التقديس قال في الكشاف: «فإن قلت كيف قيل تبتيلا مكان تبتلا قلت: لأن معنى تبتل بتل نفسك فجيء به على معناه مراعاة لحق الفواصل» وعبارة أبي البقاء: «قوله تعالى تبتيلا مصدر على غير المصدر واقع موقع تبتل وقيل المعنى بتل نفسك تبتيلا» . (النَّعْمَةِ) بالفتح التنعم وبالكسر الإنعام وبالضم المسرّة. (أَنْكالًا) قيودا ثقالا جمع نكل بكسر النون. (كَثِيباً) رملا مجتمعا. (مَهِيلًا) سائلا بعد اجتماعه وهو من هال يهيل وهو اسم مفعول أصله مهيول استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الهاء وحذفت الواو ثاني الساكنين لزيادتها وقلبت الضمة كسرة لمجانسة الياء وفي المختار «هال الدقيق في الجراب صبّه من غير كيل وكل شيء أرسله إرسالا من رمل أو تراب أو طعام ونحوه فقد هاله فانهار أي جرى وانصبّ وبابه باع وأهال لغة فيه فهو مهال ومهيل» . * الإعراب: (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) يا حرف نداء وأيها منادى مبني على الضم لأنه نكرة مقصودة والهاء للتنبيه والمزمل بدل أو نعت وقم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والليل ظرف لقم وإن استغرقه الحدث الواقع فيه وإلا أداة استثناء وقليلا مستثنى من الليل وفيه دليل على أن المستثنى قد يكون مبهم المقدار (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا) جوّز المعربون في نصفه أن يكون بدلا من الليل ومن قليلا فإذا كان بدلا من الليل كان الاستثناء منه وكان المأمور بقيامه نصف الليل إلا قليلا منه والضمير في منه وعليه عائد على النصف فيصير المعنى قم نصف الليل إلا قليلا أو أنقص من نصف الليل قليلا أو زد على نصف الليل فيكون قوله أو أنقص من نصف الليل قليلا تكرارا لقوله إلا قليلا من نصف الليل وذلك تركيب غير فصيح ينزّه القرآن عنه. قال الزمخشري: «نصفه بدل من الليل وإلا قليلا استثناء من النصف كأنه قال: قم أقل من نصف والضمير في منه وعليه للنصف والمعنى التخيير بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البتّ وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه» وقال أبو حيان تعقيبا على إعراب الزمخشري: «فلم ينتبه للتكرار الذي يلزمه في هذا القول لأنه على تقديره قم أقل من نصف الليل كان أو أنقص من نصف الليل تكرارا، وإذا كان نصفه بدلا من قوله إلا قليلا فالضمير في نصفه إما أن يعود على المبدل منه أو على المستثنى منه وهو الليل لا جائز أن يعود على المبدل منه لأنه يصير استثناء مجهول من مجهول إذ التقدير إلا قليلا نصف القليل وهذا لا يصح له معنى البتة وإن عاد الضمير على الليل فلا فائدة من الاستثناء من الليل إذ كان يكون أخصر وأوضح وأبعد عن الالتباس أن يكون التركيب قم الليل نصفه وقد أبطلنا قول من قال: إلا قليلا استثناء من البدل وهو نصفه وإن التقدير قم الليل نصفه إلا قليلا منه أي من النصف وأيضا ففي دعوى أن نصفه بدل من إلا قليلا وأن الضمير في نصفه عائد على الليل إطلاق القليل على النصف ويلزم أيضا أن يصير التقدير إلا نصفه فلا تقمه أو أنقص من النصف الذي لا تقومه أو زد عليه النصف الذي لا تقومه وهذا معنى لا يصحّ وليس المراد من الآية قطعا» وقال الزمخشري أيضا «وإن شئت جعلت نصفه بدلا من قليلا وكان تخييرا بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه وبين قيام الناقص منه وبين قيام الزائد عليه وإنما وصف النصف بالقلّة بالنسبة إلى الكل وإن شئت قلت: لما كان معنى قم الليل إلا قليلا نصفه إذا أبدلت النصف من الليل قم أقل من نصف الليل رجع الضمير في منه وعليه إلى الأقل من النصف فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل وقم أنقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلا فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث ويجوز إذا أبدلت نصفه من قليلا وفسّرته به أن تجعل قليلا الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع كأنه قيل أو أنقص منه قليلا نصفه وتجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع نصف الربع كأنه قيل أو زد عليه قليلا نصفه ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث فتكون تخييرا بين النصف والثلث والربع» . وتعقبه أبو حيان كعادته فقال: «وما أوسع خيال هذا الرجل فإنه يجوز ما يقرب وما يبعد والقرآن لا يجوز أن يحمل إلا على أحسن الوجوه التي تأتي في كلام العرب» وممّن نصّ على جواز أن يكون نصفه بدلا من الليل أو من قليلا الزمخشري كما ذكرنا عنه وابن عطية أورده مورد الاحتمال وأبو البقاء قال: «أشبه بظاهر الآية أن يكون بدلا من قليلا أو زد عليه والهاء فيهما للنصف فلو كان الاستثناء من النصف صار التقدير قم نصف الليل إلا قليلا أو أنقص منه قليلا والقليل المستثنى غير مقدّر فالنقصان منه لا يتحصل» وأما الخوفي فأجاز أن يكون بدلا من الليل ولم يذكر غيره. وقال ابن عطية: «وقد يحتمل عندي قوله إلا قليلا أنه استثناء من القيام فيجعل الليل اسم جنس» ثم قال: «إلا قليلا، أي الليالي التي تخل بقيامها عند العذر البيّن وهذا النظر يحسن مع القول بالندب» . وقال أبو حيان معقّبا: «وهذا خلاف الظاهر وقيل المعنى أو نصفه كما تقول أعطه درهما درهمين ثلاثة تريد أو درهمين أو ثلاثة وفيه حذف حرف العطف من غير دليل عليه» أو قال التبريزي: «الأمر بالقيام والتخيير في الزيادة والنقصان وقع على الثلثين من آخر الليل لأن الثلث الأول وقت العتمة والاستثناء وارد على المأمور به فكأنه قال قم الليل إلا قليلا ثم جعل نصفه بدلا من قليلا فصار القليل مفسّرا بالنصف من الثلثين وهو قليل من الكل فقوله أو أنقص منه أي من المأمور به وهو قيام الثلث قليلا أي ما دون نصفه أو زد عليه أي على الثلثين فكان التخيير في الزيادة والنقصان واقعا على الثلثين (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) أو عاطفة للتخيير أي بين قيام نصف الليل وبين الزائد عليه إلى الثلثين وبين الناقص عنه إلى الثلث، وزد فعل أمر وعليه متعلقان بزد ورتل القرآن فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وترتيلا مفعول مطلق (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) الجملة اعتراض بين الأمر بقيام الليل وبين تعليله بقوله الآتي: إن ناشئة الليل إلخ وقيل مستأنفة وعبارة الزمخشري: «وهذه الآية اعتراض ويعني بالقول الثقيل القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين وخاصة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم لأنه متحملها بنفسه ومحملها أمته فهي أثقل عليه وأبهظ له، وأراد بهذا الاعتراض أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن لأن الليل وقت السبات والراحة والهدوء فلا بدّ لمن أحياه من مضادة لطبعه ومجاهدة لنفسه» وإن واسمها وجملة سنلقي خبرها وعليك متعلقان بنلقي وقولا مفعول به وثقيلا نعت أي كلاما عظيما جليلا مهيبا ذا خطر وكل شيء له خطر ومقدار فهو ثقيل (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا) الجملة تعليل لما تقدم وإن واسمها وهي ضمير فصل أو مبتدأ وأشدّ خبر إن أو خبر هي والجملة خبر إن ووطئا تمييز وأقوم عطف على أشد وقيلا تمييز أي قولا (إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا) إن حرف مشبه بالفعل ولك خبر إن المقدّم وفي النهار حال لأنه كان في الأصل صفة لسبحا وسبحا اسم إن وطويلا اسمها المؤخر، وسيأتي معنى السبح في باب البلاغة (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) عطف على ما تقدم واسم ربك مفعول اذكر أي دم عليه ليلا ونهارا على أيّ حال ووجه وتبتل فعل أمر وإليه متعلقان به وتبتيلا مفعول مطلق (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) رب المشرق يقرأ بالرفع فهو خبر لمبتدأ محذوف ويقرأ بالجر على أنه بدل من ربك والقراءتان سبعيتان ولا إله إلا هو تقدم إعراب الشهادة في البقرة، والفاء الفصيحة أي إن عرفت ذلك وآمنت به فاتخذه، واتخذه فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به أول ووكيلا مفعول به ثان (وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا) عطف على ما تقدم واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره هو وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة ما واهجرهم عطف على اصبر وهجرا مفعول مطلق وجميلا نعت (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) عطف أيضا وذرني فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به والمكذبين مفعول معه أو عطف على المفعول به والمعنى أنا أكفيك أمرهم فلا تأس ولا تحزن، وأولي النعمة نعت للمكذبين، ومهّلهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وقليلا نعت لمصدر محذوف أو ظرف أي قليلا من الزمن (إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً) إن حرف مشبّه بالفعل ولدينا ظرف متعلق بمحذوف خبرها المقدم وأنكالا اسمها المؤخر وجحيما عطف على أنكالا (وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً) عطف على أنكالا وذا غصة نعت وهو الزقوم أو الضريع يغصّ به في الحلق وعذابا عطف أيضا (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا) الظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به لدينا ولك أن تعلقه بمحذوف نعت لعذابا أي عذابا واقعا يوم ترجف وجملة ترجف الأرض في محل جر بإضافة الظرف إليها والواو حرف عطف وكانت الجبال كان واسمها وكثيبا خبرها ومهيلا نعت لكثيبا. * البلاغة: 1- في الآيات المتقدمة يبدو الطباق واضحا بين المشرق والمغرب. 2- وفي قوله «إن لك في النهار سبحا طويلا» استعارة تصريحية، فالسبح مصدر سبح وقد استعير من السباحة في الماء للتصرّف في مناحي العيش وحوائج الناس أي إن لك في النهار تصرفا وتقلبا في المهمات كما يتردد السابح في الماء قال الشاعر: أباحوا لكم شرق البلاد وغربها ... ففيها لكم يا صاح سبح من السبح وقرىء سبخا بالخاء المعجمة ومعناه خفه من التكاليف، والتسبيخ التخفيف وهو استعارة من سبخ الصوف إذا نفشه ونشر أجزاءه ومعناه انتشار الهمّة وتفرّق الخاطر في الشواغل ويقال لقطع القطن سبائخ الواحدة سبيخة ومنه قول الأخطل: فأرسلوهنّ يذرين التراب كما ... يذري سبائخ قطن ندف أوتار * الفوائد: اختلفت أقوال المفسرين في هذا الخطاب على ثلاثة أقوال: 1- قال عكرمة يا أيها المزمّل بالنبوّة والمتدثّر بالرسالة وعنه أيضا: يا أيها الذي زمّل هذا الأمر أي حمله ثم فتر. 2- قال ابن عباس: يا أيها المزمّل بالقرآن. 3- قال قتادة: يا أيها المزمّل بثيابه، وكان هذا في ابتداء ما أوحي إليه فإنه صلّى الله عليه وسلم لما جاءه الوحي في غار حراء رجع إلى خديجة زوجه يرجف فؤاده فقال: زمّلوني زمّلوني لقد خشيت على نفسي أن يكون هذا مبادئ شعر أو كهانة وكل ذلك من الشيطان وأن يكون الذي ظهر بالوحي ليس الملك فقالت له خديجة وكانت وزيرة صدق كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك تصل الرحم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. وقيل أنه صلّى الله عليه وسلم كان نائما في الليل متزمّلا في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة التي كان عليها من التزمّل في قطيفته، وقد تشبث الزمخشري بهذا الرأي وقال عبارة بليغة في حدّ ذاتها ولكنه أساء إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم وننقل فيما يلي عبارته وتعقيب ابن المنير عليها لطرافتهما ولكونهما من الأدب الرفيع: قال الزمخشري: «وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم نائما بالليل متزمّلا في قطيفته فنودي بما يهجن إليه الحالة التي كان عليها من التزمّل في قطيفته واستعداده للاستثقال في النوم كما يفعل من لا يهمّه أمر ولا يعنيه شأن، ألا ترى إلى قول ذي الرمّة: وكائن تخطّت ناقتي من مفازة ... ومن نائم عن ليلها متزمّل يريد الكسلان المتقاعس الذي لا ينهض في معاظم الأمور وكفايات الخطوب ولا يحمل نفسه المشاق والمتاعب ونحوه: فأتت به حوش الفؤاد مبطنا ... سهدا إذا ما نام ليل الهوجل وفي أمثالهم: أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل فذمّه بالاشتمال بكسائه وجعل ذلك خلاف الجدّ والكيس وأمر بأن يختار على الهجود التهجد، وعلى التزمّل التشمّر والتخفّف للعبادة والمجاهدة في الله لا جرم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد تشمّر لذلك مع أصحابه حق التشمّر وأقبلوا على إحياء لياليهم ورفضوا له الرقاد والدعة وتجاهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم واصفرّت ألوانهم وظهرت السيما في وجوههم وترامى أمرهم إلى حد رحمهم له ربهم فخفف عنهم» ولعمري لقد أنصف الزمخشري النبي وأصحابه ووصف عبادتهم وإنضاء نفوسهم وصفا يليق بهم بيد أن العبارات الأولى موهمة قليلا لذلك أخذها عليه ابن المنير بقوله: «أما قوله الأول أن نداءه تهجين للحالة التي ذكر أنه كان عليها واستشهاده بالأبيات المذكورة فخطأ وسوء أدب ومن اعتبر عادة خطاب الله تعالى له في الإكرام والإجلال علم بطلان ما تخيله الزمخشري فقد قال العلماء أنه لم يخاطب باسمه نداء وإن ذلك من خصائصه دون سائر الرسل إكراما له وتشريفا فأين نداؤه بصيغة مهجنة من ندائه باسمه واستشهاده على ذلك بأبيات قيلت ذمّا في جفاة حفاة من الرعاة فأنا أبرأ إلى الله من ذلك وأربأ به صلّى الله عليه وسلم» ولقد ذكرت بقوله «أوردها سعد وسعد مشتمل» ما وقفت عليه من كلام ابن خروف النحوي يردّ على الزمخشري ويخطىء رأيه في تصنيفه المفصل وإجحافه في الاختصار بمعاني كلام سيبويه حتى سمّاه ابن خروف البرنامج وأنشد عليه: أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل أقول: ولا مندوحة عن القول أن ابن المنير قد تجنى على الزمخشري كثيرا وتجاهل ما أورده من الوصف الممتع الدقيق لتشميره صلّى الله عليه وسلم وعبادته ولكن إيراد الأبيات التي قيلت في الذم بهذا الصدد خطأ وقع فيه الزمخشري وربّ خطأ نشأ عن صواب ولا بأس بعد هذا من إيراد عبارة السهيلي بهذا الصدد فقد بلغ بها الغاية في التعليل والتأويل والتلطف في التحليل قال: «ليس المزمّل باسم من أسمائه عليه الصلاة والسلام يعرف به وإنما هو مشتق من حالته التي كان التبس بها حالة الخطاب والعرب إذا قصدت الملاطفة بالمخاطب تترك المعاتبة نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبي صلّى الله عليه وسلم لعلي كرّم الله وجهه: وقد نام ولصق بجنبه التراب: قم أبا تراب إشعارا بأنه ملاطف له فقوله يا أيها المزمّل فيه تأنيس وملاطفة» .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.