الباحث القرآني

* اللغة: (الْمُدَّثِّرُ) لابس الدثار وهو ما فوق الشعار أي الثوب الذي يلي الجسد وأصله المتدثر أدغمت التاء في الدال كما تقدم في المزمل أي المتلفف بثيابه عند نزول الوحي عليه، روي عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: كنت على جبل حراء فنوديت يا محمد إنك رسول الله فنظرت عن يميني ويساري فلم أر شيئا، فنظرت فوقي فإذا به قاعد على عرش بين السماء والأرض، يعني الملك الذي ناداه، فرعبت ورجعت إلى خديجة فقلت: دثروني دثروني فنزل جبريل وقال يا أيها المدثر. (الرُّجْزَ) بكسر الراء وهي قراءة الجمهور وقرأ حفص ومجاهد والسلمي وغيرهم بضمها فقيل هما بمعنى واحد يراد بهما الأصنام والأوثان، وقيل: الكسر لتبيين النقائض والفجور والضم لضمين أساف ونائلة وقال الحسن كل معصية والمعنى في الأمر اثبت ودم على هجره لأنه صلّى الله عليه وسلم كان بريئا منه، وقال النخعي الإثم، وقال القتبي: العذاب أي اهجر ما يؤدي إليه، وأخذ به الزمخشري قال: «والرجز بالكسر والضم وهو العذاب ومعناه اهجر ما يؤدي إليه من عبادة الأوثان وغيرها من المآثم. والمعنى الثبات على هجره لأنه كان بريئا منه» . وفي القاموس «الرجز بالكسر والضم القذر وعبادة الأوثان والشرك» والزاي منقلبة عن السين والعرب تعاقب بينهما والمعنى واحد. (النَّاقُورِ) النقر الصوت قال الشاعر: أخفضه بالنقر لما علوته ... ويرفع طرفا غير خاف غضيض والناقور فاعول منه كالجاسوس مأخوذ من التجسس والمراد هنا الصور وهو القرن. (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً) التمهيد في الأصل التسوية والتهيئة ويتجوز به عن بسط المال والجاه، قال في الكشاف: «وبسطت له الجاه العريض والرياسة في قومه فأتممت عليه نعمتي المال والجاه» . (عَبَسَ) يعبس عبسا وعبوسا قطب وجهه وبابه جلس والعبس ما يبس في أذناب الإبل من البعر والبول. (بَسَرَ) بسر يبسر بسرا وبسورا إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشيء واسود وجهه منه وبابه دخل ويقال وجه باسر أي منقبض أسود وقال الراغب: «البسر استعجال الشيء قبل أوانه نحو بسر الرجل حاجته: طلبها في غير أوانها، وماء بسر: متناول من غدير قبل سكونه، ومنه قيل للذي لم يدرك من الثمر بسر وقوله تعالى: (عَبَسَ وَبَسَرَ) أي أظهر العبوس قبل أوانه وقبل وقته فإن قيل: فقوله تعالى: «ووجوه يومئذ باسرة» ليس يفعلون ذلك قبل الوقت وقد قلت إن ذلك فيما يقع قبل وقته قيل أشير بذلك إلى حالهم قبل الانتهاء إلى النار فحص لفظ البسر تنبيها على أن ذلك مع ما ينالهم منه يجري مجرى التكليف ومجرى ما يفعل قبل وقته ويدل على ذلك قوله تظن أن يفعل بها فاقرة» . (سَقَرَ) اسم من أسماء جهنم وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. (لَوَّاحَةٌ) محرقة لظاهر الجلد وهي بناء مبالغة وفيها معنيان أحدهما من لاح يلوح أي ظهر أي أنها تظهر للبشر وثانيهما وهو الأرجح أنها من لوّحه أي غيّره وسوّده، وعبارة الزمخشري: «لواحة من لوح الهجير قال: تقول ما لاحك يا مسافر ... يا ابنة عمي لاحني الهواجر قيل تلفح الجلد لفحة فتدعه أشد سوادا من الليل والبشر عالي الجلود. * الإعراب: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) تقدم إعراب يا أيها المدثر في يا أيها المزمل، وقم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت فأنذر عطف على قم. وقال الزجاج: «إن الفاء في فكبر دخلت على معنى الجزاء كما دخلت في فأنذر قال ابن جني: هو كقولك زيدا فاضرب أي زيدا اضرب فالفاء زائدة» . والواو عاطفة وربك مفعول به مقدم والفاء رابطة لشرط مقدر يقتضيه السياق كأنه قيل وأيا ما كان فلا تدع تكبيره ونحوه قولك زيدا فاضربه، قال النحاة تقديره تنبه فاضرب زيدا فالفاء جواب الأمر إما على أنه مضمن معنى الشرط وإما على أن الشرط بعده محذوف على الخلاف الذي فيه عندهم، وكبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت. (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) الواو عاطفة وثيابك مفعول مقدم والفاء تقدم القول فيها قريبا، وطهر فعل أمر. (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) عطف أيضا على ما تقدم. (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمنن فعل مضارع مجزوم بلا وتستكثر فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره أنت والجملة نصب على الحال أي ولا تعط مستكثرا، وقرىء مجزوما على أنه جواب النهي أو على البدلية من تمنن والتقدير على جعله جوابا للنهي أي أنك إن لا تمنن بعملك أو بعطيتك تزدد من الثواب لسلامة ذلك من الإبطال بالمن على حد قوله تعالى: «لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى» ووجه الإبدال أنه كقوله تعالى: «ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب» ، وفي قراءة من جزم بدلا من قوله يلق وكقول الشاعر: متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) الواو عاطفة ولربك متعلقان باصبر. (فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) الفاء للتسبيب والعلة كأنه قال اصبر على أذاهم فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه مغبة أذاهم وتلقى فيه عاقبة صبرك، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وهو متعلق بما يدل عليه الإشارة في قوله فذلك لأنه إشارة إلى النقر ويجوز أن يتعلق بما دل عليه عسير ولا يعمل فيه عسير نفسه لأن الصفة لا تعمل فيما قبلها والتقدير اشتد الأمر وعسر، ونقر فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو أي إسرافيل. والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها وفي الناقور متعلقان بنقر. (فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) الفاء رابطة لجواب إذا وذلك مبتدأ والإشارة إلى وقت النقر ويومئذ بدل من ذلك وبني لإضافته إلى غير متمكن وهو إذ والتنوين عوض عن جملة أي يوم إذ نفخ في الصور، ويوم خبر المبتدأ وعسير نعت. (عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) على الكافرين متعلقان بعسير وغير يسير نعت ثان ليوم، وللزمخشري تعليل طريف قال: «فإن قلت فما فائدة قوله غير يسير وعسير مغن عنه، قلت لما قال على الكافرين فقصر العسر عليهم قال غير يسير ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرا هنيا ليجمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم وبشارة المؤمنين وتسليتهم ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا» . (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) ذرني فعل أمر والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت والياء مفعول ومن الواو للمعية ومن مفعول معه ويجوز أن تكون الواو عاطفة ومن معطوفة على المفعول في ذرني وجملة خلقت صلة الموصول والعائد محذوف أي خلقته، ووحيدا حال من العائد المحذوف أو حال من ضمير النصب في ذرني أو من التاء في خلقت أي خلقته وحيدا لم يشركني في خلقه أحد فأنا أهلكه ولا أحتاج إلى نصير، قيل الأول أولى لأن المراد به الوليد بن المغيرة المخزومي والد خالد بن الوليد لأنه كان يزعم أنه وحيد قومه في رياسته ويساره وتقدمه في الدنيا وليس في ذلك ما يقتضي صدق مقالته لأن هذا لقب شهر به وقد يلقب الإنسان بما لا يتصف به وقيل هو عام. (وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً) عطف على ما تقدم وله متعلقان بمحذوف هو المفعول الثاني ومالا هو المفعول الأول وممدودا نعت وقيل هو ما كان للوليد بمكة والطائف من الزروع والضروع والتجارة. (وَبَنِينَ شُهُوداً) عطف على مال قيل كان للوليد عشرة أولاد ذكور أو سبعة وهم الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس، أسلم منهم ثلاثة خالد وهشام وعمارة ونقل عن ابن حجر في الإصابة: أن عمارة مات كافرا وذكر بدله الوليد بن الوليد فهم خالد وهشام والوليد. وشهودا نعت لنبين جمع شاهد بمعنى حاضر فهم يشهدون مع أبيهم الأندية والمجتمعات. (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً) عطف على ما تقدم وله متعلقان بمهدت وتمهيدا مفعول مطلق. (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وفيه استبعاد واستنكار بطمعه وحرصه وتهالكه على زيادة المال والنعمة ويطمع فعل مضارع مرفوع معطوف على جعلت ومهدت وفاعله مستتر تقديره هو وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض متعلق بيطمع أي يطمع في الزيادة على ما ذكر من المال والبنين والتمهيد. (كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً) كلا ردع وزجر له لقطع رجائه وطمعه وتهالكه، وإن وما بعدها جملة تعليلية للردع لأن معاندة آيات المنعم مع وضوحها وكفرانها مع شيوعها من موبقات النفس وموجبات الحرمان وإن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو ولآياتنا متعلقان بعنيدا وعنيدا خبرها والعين الجاحد والمعرض والمجانب للحق والهدى ويجمع على عند. (سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً) السين حرف استقبال وأرهقه فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وصعودا مفعول به ثان لأن أرهقه متضمن معنى أكلفه، والصعود في اللغة العقبة الشاقة وإذا لم يتضمن أرهقه معنى أكلفه كانت صعودا في موضع نصب بنزع الخافض أي سأعنته بمشقة وعسر. (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ) تعليل لاستحقاقه هذا الوعيد الآنف الذكر وإن واسمها وجملة فكر خبر وقدر عطف على فكر. روي أن الوليد حاجّ أبا جهل وجماعته من قريش في أمر القرآن وقال: إن له لحلاوة وإن أسفله لمفرقه وإن فرعه لجناه وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يعلى ونحو هذا الكلام فخالفوه وقالوا: هو شعر فقال: والله ما هو بشعر وقد عرفنا الشعر هزجه وبسيطه قالوا فهو كاهن قال: والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان قالوا: هو مجنون قال: والله ما هو بمجنون لقد رأينا المجنون وخنقه قالوا: هو سحر قال: أما هذا فيشبه أنه سحر ويقول أقوال نفسه وروي غير ذلك بما لا يخرج عن هذه المعاني مما يرجع إليه في المطولات. (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) الفاء عاطفة وقتل فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو ومعناه لعن وقيل غلب وقهر، قال امرؤ القيس: وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل أي مذلل مقهور بالحب. فإذا كان معناه لعن فالجملة دعائية وإذا كان معناه غلب وقهر فالجملة معطوفة على ما تقدم وكيف اسم استفهام منصوبة على الحال من الضمير في قدر والمقصود من الاستفهام التعجب من تقديره وتوبيخه والاستهزاء به. (ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) ثم حرف عطف للترتيب والتراخي وأتي بها للدلالة على أن هذه الجملة أبلغ من الجملة الأولى فهي للتفاوت في الرتبة وهي مؤكدة لنظيرتها المتقدمة فالتكرار للتأكيد. (ثُمَّ نَظَرَ) ثم حرف عطف أيضا للترتيب مع التراخي أي نظر في وجوه الناس مغضبا مما قالوه فيه وهو أنه صبأ ومال إلى محمد. (ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ) عطف أيضا أي ثم قطب وجهه ثم تشاوس وتخازر مستكبرا. (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ) عطف أيضا أي أدبر عن الإيمان وتكبر عن اتباع النبي فهو عطف مساو في المعنى. فقال: (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) الفاء عاطفة وإن نافية وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وسحر خبر وجملة يؤثر صفة لسحر أي منقول عن السحرة. (إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) هذه الجملة تأكيد للجملة السابقة أي ملتقط من أقوال الناس. (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) السين حرف استقبال وأصليه فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنا ومفعول به أول وسقر مفعول به ثان والجملة كلها بدل من قوله سأرهقه صعودا. (وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ) الواو عاطفة وما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وأدراك فعل ماض وفاعل مستتر تقديره هو ومفعول به أول والجملة خبر ما أي أيّ شيء أعلمك، وما اسم استفهام مبتدأ وسقر خبره والجملة سادة مسد المفعول الثاني لأدراك المعلقة عن العمل بالاستفهام وقد مرّ نظيره في الحاقة. (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ) الجملة حالية والعامل فيها معنى التهويل والتعظيم لأمرها لأن الاستفهام بقوله ما سقر للتعظيم فالمعنى استعظموا سقر في هذه الحال ولا نافية وتبقي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره وهي وتذر عطف على تبقي ومفعول تبقي وتذر محذوف أي لا تبقي ما ألقي فيها ولا تذره بل تهلكه ولك أن تجعلها جملة مستأنفة. (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ) لواحة خبر لمبتدأ محذوف وللبشر متعلقان بلواحة والجملة حال ثانية وقرئت لواحة بالنصب على الحال فقيل هي حال من سقر وقيل هي حال من الضمير في لا تبقي وقيل من الضمير في لا تذر واختار الزمخشري نصبها على الاختصاص للتهويل. (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) الجملة حال ثالثة أو مستأنفة كما تقدم في لواحة للبشر وعليها خبر مقدم وتسعة عشر جزءان عدديان مبنيان على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر، وسيأتي المزيد من معنى هذا العدد في باب البلاغة. (وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً) الواو استئنافية والكلام استئناف مسوق للرد على أبي الأشد به كلدة بن خلف الجمحي قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية: «عليها تسعة عشر» قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم محمد يخبر أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الشجعان أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم؟ فقال أبو الأشد: أنا أكفيكم منهم سبعة عشر: عشرة على ظهري وسبعة على بطني وأكفوني أنتم اثنين فنزلت. وما نافية وجعلنا فعل ماض وفاعل وأصحاب النار مفعول به أول وإلا أداة حصر وملائكة مفعول به ثان أي ما جعلناهم رجالا من جنسكم تغالبونهم وإنما جعلناهم ملائكة لا يطاقون. (وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) الواو عاطفة وما نافية وجعلنا فعل ماض وفاعل وعدتهم مفعول به وإلا أداة حصر وفتنة مفعول به ثان على حذف مضاف أي سبب فتنته وليست مفعولا من أجله كما يتوهم، وللذين متعلقان بفتنة وجملة كفروا صلة الموصول. (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً) اللام لام التعليل ويستيقن فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام التعليل وهو متعلق بجعلنا الثانية لا بفتنة لأن الفتنة ليست معلولة للاستيقان بل المعلول جعل العدة سببا لفتنة الذين أوتوا الكتاب، وقيل ليستيقن متعلق بفعل مضمر أي فعلنا ذلك ليستيقن، والذين فاعل وجملة أوتوا الكتاب صلة والكتاب مفعول أوتوا الثاني لأن الواو نائب فاعل أوتوا ويزداد عطف على ليستيقن والذين فاعل وجملة آمنوا صلة وإيمانا مفعول به ثان. (وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ) الواو عاطفة ولا نافية ويرتاب الذين فعل مضارع وفاعل وجملة أوتوا الكتاب صلة والمؤمنون عطف على الذين. (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا) عطف على ما تقدم واللام لام التعليل والذين فاعل وفي قلوبهم خبر مقدم ومرض مبتدأ مؤخر والجملة صلة الذين وماذا اسم استفهام في محل نصب مفعول مقدم لأراد وبهذا متعلقان بأراد ومثلا حال من هذا أي حال كونه مشابها للمثل، ولك أن تجعل ما اسم استفهام مبتدأ وذا اسم موصول خبره وأراد الله صلة للموصول وجملة ماذا أراد إلخ مقول القول. (كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) كذلك نعت لمصدر محذوف يضل إضلالا مثل ذلك والله فاعل يضل ومن مفعوله وجملة يشاء صلة والعائد محذوف ويهدي من يشاء عطف على الجملة السابقة. (وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) الجملة مستأنفة. (وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ) الواو عاطفة وما نافية وهي ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ والضمير يعود إلى سقر وإلا أداة حصر وذكرى خبر وللبشر متعلقان بذكرى. * البلاغة: 1- في قوله تعالى: (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) فن الإبهام وقد تقدم الإلماع إليه في هذا الكتاب ونعيده هنا بمزيد من التفصيل لأهمية هذه الآية ولكثرة ما خاض علماء البلاغة والمفسرون فيها، فنقول: الإبهام فن من فنون البلاغة، وهو أن يقول المتكلم كلاما يحتمل معنيين متغايرين لا يتميز أحدهما عن الآخر والفرق بينه وبين الاشتراك المعيب أن الاشتراك لا يصح إلا في لفظة مفردة لها مفهومان لا يعلم أيهما أراد المتكلم، والإبهام لا يكون إلا في الجمل المؤتلفة المفيدة ويختص بالفنون كالمدح والهجاء والعتاب والاعتذار والفخر والرثاء والنسيب وغير ذلك، ومنه نوع آخر يقع لأحد أمرين: إما لامتحان جودة الخاطر وإما لامتحان قوة الإيمان وضعفه، وهذه الآية التي نحن بصددها من هذا النوع أي امتحان قوة الإيمان وضعفه فإنه معنى (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) مبهم أشدّ الإبهام، فإن لقائل أن يقول: ما النكتة في ذكر هذا العدد؟ ولا يقال إن هذا السؤال ساقط فإنه يرد على أي عدد فرض بحيث لو قيل عليها خمسة عشر أو أحد عشر أو عشرون أو غير ذلك ورد السؤال عليه وما كان بهذه المثابة فهو ساقط لأنّا نقول: هذا فيما يرد من المخلوق الذي يدخل خبره الخلف وليس بمعصوم من الكذب أما البارئ سبحانه الذي لا يدخل خبره الخلف وإذا أخبر بشيء كان خبره على ما أخبر به فإنه إذا أخبر بعدد لا يجوز أن يقال فيه لو قال غيره ورد عليه السؤال لأنه الحق الواقع الذي لا مرية فيه وإذا كان ذلك كذلك يمكن لقائل أن يقول: ما الحكمة في جعل ملائكة العذاب على هذه العدة؟ فيكون السؤال واردا مستحقا للجواب ليزول هذا الإبهام الذي على ظاهر الكلام، هذا ونورد خلاصة لما قاله كبار الأعلام في تفسير هذا الإبهام ثم نورد بعد ذلك رأيا آثرناه على غيره ليكون في ذلك إيراد للذهن وحفز للقرائح، على أننا لم نورد ما رأيناه غير جدير بالعناية. أما الإمام فخر الدين بن الخطيب فقد رأى رأيا فيه كثير من السداد والحصافة قال: «لما كان المكلف عبارة عن حواس ظاهرة وحواس باطنة وهي عشر وطبائع وقوى خمس وهي الهاضمة والغازية والماسكة والدافقة. وكانت هذه الأشياء هي التي تدعو إلى الاشتغال بالملاذ الدنيوية والشهوات البهيمية ودفع المضارّ البدنية عن الاشتغال بما يدني من الجنان ويباعد من النيران وكانت عدة هذه الأشياء تسعة عشر جعلت الملائكة الموكلة بتعذيب الإنسان وفق هذه العدة ليكون بإزاء كل شيء من هذه الأشياء ملك موكل باستيفاء ما يجب على ذلك الشيء الذي هو أحد الأسباب المانعة من الخير» . هذا ما ذكره الرازي وهو على وجاهته ونفاسته لا يخلو من التكلف. أما الكرخي فقد اختصر ما ذكره الرازي وزاد عليه من جهة ثانية فقال: «وخص هذا العدد بالذكر لأنه موافق لعدد أسباب فساد النفس الإنسانية وهي القوى الإنسانية والطبيعية إذ القوى الإنسانية اثنتا عشرة الخمسة الظاهرة والخمسة الباطنة والشهوة والغضب، والقوى الطبيعية سبعة الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والعادية والنامية والمولدة والمجموع تسعة عشر» . أما الأقدمون وعلى رأسهم الزمخشري فقد استنبطوا استنباطا بيانيا جميلا، قال الزمخشري: «إن حال هذه العدة الناقصة واحدا من عقد العشرين أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله وبحكمته ويعترض ويستهزىء ولا يذعن إذعان المؤمن وإن خفي عليه وجه الحكمة كأنه قيل ولقد جعلنا عدتهم عدة من شأنها أن يفتتن بها لأجل استيقان المؤمن وحيرة الكافر واستيقان أهل الكتاب لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين فإذا سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنه منزل من الله وازدياد المؤمنين إيمانا لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل ولما رأوا من يسلم أهل الكتاب» وهذا على وجاهته لا يخلو من اعتراض. أما القرطبي فلم يخرج عن الحدود السمعية ولم يلجأ إلى الاجتهاد فقال بعد كلام طويل: «قلت والصحيح إن شاء الله أن هؤلاء التسعة عشر هم الرؤساء والنقباء وأما جملتهم فالعبارة تعجز عنها كما قال تعالى: (وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) . أما أبو حيان فقد أطال ودندن ووثب حينا وأسف حينا ومما نختاره من عبارته: «عليها تسعة عشر التمييز محذوف والمتبادر إلى الذهن أنه ملك ألا ترى العرب وهم الفصحاء كيف فهموا منه أن المراد ملك حين سمعوا ذلك» ، ونقل الرواية التي أوردناها ثم قال: «وقيل التمييز المحذوف صنفا من الملائكة وقيل نقيبا ومعنى عليها يتولون أمرها وإليهم جماع زبانيتها فالذي يظهر من العدد ومن الآية بعد ذلك ومن الحديث أن هؤلاء هم النقباء» ويكاد هذا يكون نفس ما قاله القرطبي. أما رأي الرازي والكرخي فلا يخلو من دخل عليه لما فيه من التعسف والتكلف كما ترى ووجه الدخل عليه أنه يلزم أن يكون لكل إنسان مثل هذه العدة من الملائكة ولم تكن هي جملة عدة الملائكة لجهنم ولجميع من حوت من المعذبين. أما الجواب الفني الذي يحل الإبهام حلا أدنى إلى المنطق وأقرب إلى الإقناع وأشبه ببلاغة القرآن الكريم فهو أن يقال: إنه لا مرية في أن أهل النار يزيدون على أهل الجنة بأضعاف مضاعفة ولأن المؤمنين من كل أمة عشر معشار كفارها، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن الجنة أن عرضها السموات والأرض فما ظنك بطولها والطول من كل شيء في معترف العادة أكثر من العرض فأهلها على هذا لا يحصيهم العد ولا يحصرهم الحد، وقد تبين أن أهل النار أضعافهم فهم إلى تجاوز الحدّ في العد أقرب وأقلّ ما يظنّ بالملائكة الموكلين بعذابهم أن تكون عدتهم وفق عدتهم ليكون بإزاء كل معذّب معذّب وهذا عدد لا نهاية له ولا لكميته، فلما أراد الحق الإخبار بعدة هذه الملائكة عدل عن ذكر عددهم الذي هو معلوم عنده، وإن تجاوز النهاية بالنسبة إلينا لئلا يخرج الكلام بكثرة الألفاظ وطول الفصول عن حد البلاغة إلى إشارة يفهم منها أن عدة هذه الملائكة عدد لا يتناهى مرتبة، فاقتصر سبحانه على ذكر آخر مرتبة الآحاد من العدد وأول مرتبة العشرات منه فإن مراتب العدد أربع آحاد وعشرات ومئون وألوف، الأصول منها الآحاد وأول مرتبته فإن نهاية مرتبة الآحاد التسعة وهي عبارة عن تكرار الواحد تسع مرات ثم ينتقل إلى ذكر العشرة التي هي أول مرتبة العشرات ثم يكررها كما كرر الواحد من العشرين إلى التسعين كما فعل في المرتبة الأولى ثم ينتقل إلى مرتبة الألوف فيكررها تكرير الواحد بلفظ الآحاد وهكذا إلى غير النهاية وإذا انتهت مرتبة الألوف عاد إلى مرتبة العشرات فقال: عشرة آلاف إلى ما لا نهاية له لا يزيد على أن يضيف إلى الألف لفظ الآحاد والعشرات فيعود إلى أصول الأعداد فدلّ ذلك على أن أصول جميع الأعداد التي لا تتناهى الآحاد وهي تسعة وأول العشرات هي العشرة فالاقتصار على ذكرهما للعرب الواضعين لهذه الأسماء يشير إلى أعداد لا نهاية لها، واستغنى عن ذكر لفظتي المائة والألف لما جاء في الكلام من المثال الذي يحتذى على مثاله والأصل الذي يقاس الفرع عليه واللفظتان يعني المائة والألف عند المخاطب معروفتان والطريق في التكرير قد وضحت. 2- في قوله: «وربك فكبر» فن طريف ابتدعه المتأخرون وأساءوا فيه، لأنه لا يأتي جيدا إلا في الندرة، أما تكلفه فيؤدي إلى إسفافه، وقد وضع له علماء البديع اسم «ما لا يستحيل بالانعكاس» وسماه بعضهم «القلب» وبعضهم الآخر سماه «المقلوب المستوي» وهو أن يكون الكلام بحيث إذا قلبته وابتدأت من حرفه الأخير إلى الحرف الأول كان الحاصل هو هذا الكلام عينه وهو قد يكون في النظم وقد يكون في النثر أما في النظم فمنه قول القاضي الأرجاني: مودته تدوم لكل هول ... وهل كلّ مودته تدوم وقد يكون ذلك في شطر بيت كقول القائل: ولما تبدى لنا وجهه ... أرانا الإله هلالا أنارا والشاهد في المصراع الثاني أما في النثر فقال الله تعالى: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ) ، (رَبَّكَ فَكَبِّرْ) ويحكى عن العماد الكاتب أنه لقي القاضي الفاضل يوما وهو راكب فرسا فقال له: سر فلا ركبا بك الفرس، فقال له القاضي: دام علا العماد، وهذا كله مستاغ لا تكلف فيه فلذلك أتى مستملحا جاريا في حدود الطبع، أما ما تكلفوه فقد ضربنا عنه صفحا لأنه لا يمت إلى البلاغة بأي نسب. 3- في قوله تعالى: «وثيابك فطهر» إن أريد الثياب الحقيقة الظاهرة على البدن فالكلام جار على الحقيقة وليس فيه شيء من فنون البلاغة لأن طهارة الثياب شرط في صحة الصلاة ويقبح أن تكون ثياب المؤمن نجسة وإن أريد القلب كان الكلام كناية على حد قول امرئ القيس: وإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي أي قلبي من قلبك وقيل كنى عن النفس بالثياب، قال عنترة: فشككت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم عن القنا بمحرم وقيل كنى بها عن الجسم، قالت ليلى وقد ذكرت إبلا: رموها بأثواب خفاف فلا نرى ... لها شبها إلا النعام المنضرا أي ركبوها فرموها بأنفسهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.