الباحث القرآني

* اللغة: (قَسْوَرَةٍ) القسورة: جماعة الرماة الذين يتصيدونها وقيل: الأسد يقال: ليوث قساور وهي فعولة من القسر وهو القهر والغلبة وفي وزنه الحيدرة من أسماء الأسد، وفي المختار: «القسور والقسورة: الأسد» وفي القاموس: «والقسورة: العزيز والأسد كالقسور ونصف الليل أو أوله أو معظمه ونبات سهلي والجمع قسور والرماة من الصيادين الواحد قسور» وتعقبه شارحه التاج بقوله: «قوله الواحد قسور هكذا قاله الليث وهو خطأ لا يجمع قسور على قسورة إنما القسورة اسم جامع للرماة ولا واحد لها من لفظها» وعبارة أبي حيان: «القسورة الرماة والصيادون قاله ابن كيسان أو الأسد قاله جماعة من اللغويين قال: مضمر تحدره الأبطال ... كأنه القسورة الريبال أو الرجال الشداد، قال لبيد: إذا ما هتفنا هتفة في ندينا ... أتانا الرجال الصائدون القساور أو ظلمة أول الليل لا ظلمة آخره، قاله ابن الأعرابي وثعلب. * الإعراب: (كَلَّا وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ) كلا حرف ردع وزجر لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيرا للبشر والواو حرف قسم وجرّ والقمر مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم ولا معنى لما قاله الجلال: «كلا استفتاح بمعنى ألا» ولا لما قاله القرطبي نقلا عن الفراء «إنها صلة للقسم والتقدير إي والقمر» والليل جار ومجرور والواو للقسم وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بفعل القسم وجملة أدبر في محل جر بإضافة الظرف إليها (وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ) الواو حرف قسم وجر والصبح مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإذا ظرف زمان متعلق بفعل القسم المحذوف وجملة أسفر في محل جر بإضافة الظرف إليها (إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ) الجملة لا محل لها لأنها جواب القسم وإن واسمها واللام المزحلقة وإحدى الكبر خبر إنها (نَذِيراً لِلْبَشَرِ) حال من إحدى الكبر وأعربها الزمخشري تمييز من إحدى الكبر على معنى أنها إحدى الدواهي إنذارا كما تقول هي إحدى النساء عفافا وننقل فيما يلي عبارتي السمين وأبي البقاء ونترك لك الخيار. «وقوله تعالى: «نذيرا للبشر» فيه أوجه: أحدها أنه تمييز من إحدى لما تضمنته من معنى التعظيم كأنه قيل: أعظم الكبر إنذارا فنذير بمعنى الإنذار، والثاني أنه مصدر بمعنى الإنذار أيضا ولكنه نصب بفعل مقدّر قاله الفرّاء، الثالث أنه فعيل بمعنى مفعل وهو حال من الضمير في إنها قاله الزجّاج، الرابع أنه حال من الضمير في إحدى لما تضمنت من معنى التعظيم كأنه قيل أعظم الكبر منذرة، الخامس أنه حال من فاعل قم فأنذر أول السورة، السادس أنه مصدر منصوب بأنذر أول السورة، السابع أنه حال من الكبر، الثامن أنه حال من ضمير الكبر، التاسع هو حال من إحدى الكبر قاله ابن عطية، العاشر أنه منصوب بإضمار أعني وقيل غير ذلك» . أما عبارة أبي البقاء فهي: «قوله تعالى: نذيرا في نصبه أوجه أحدها هو حال من الفاعل في قوله: قم في أول السورة، والثاني من الضمير في فأنذر حال مؤكدة، والثالث هو حال من الضمير في إحدى، والرابع هو حال من نفس إحدى، والخامس حال من الكبر أو من الضمير فيها، والسادس حال من اسم إن، والسابع أن نذيرا في معنى إنذارا أي فأنذر إنذارا أو أنها لإحدى الكبر لإنذار البشر، وفي هذه الأقوال ما لا نرتضيه ولكن حكيناها والمختار أن يكون حالا مما دلّت عليه الجملة تقديره عظمت عليه نذيرا» . أما أبو حيان فبعد أن أورد هذه الأوجه قال: «قال أبو البقاء والمختار أن يكون حالا مما دلّت عليه الجملة تقديره عظمت نذيرا وهو قول لا بأس به» . وقرىء نذير بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي نذير (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) لمن بدل من قوله للبشر بإعادة الجار وجملة شاء لا محل لها لأنها صلة من ومنكم حال وأن وما في حيّزها في موضع نصب بشاء وفاعل شاء يعود على من وقيل الفاعل ضمير يعود على الله تعالى أي لمن شاء هو أي الله تعالى. وقال الزمخشري: أن يتقدم في موضع الرفع بالابتداء ولمن شاء خبر مقدّم عليه كقولك: لمن توضأ أن يصلي ومعناه مطلق لمن شاء التقدم والتأخر أن يتقدم أو يتأخر والمراد بالتقدم السبق إلى الخير والتخلّف عنه وهو كقوله: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انتهى، وهو معنى لا يتبادر إلى الذهن وفيه حذف (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) كلام مستأنف لبيان أن كل نفس رهن بما كسبت وكل نفس مبتدأ وبما متعلقان برهينة وجملة كسبت لا محل لها لأنها صلة ما ورهينة خبر وهي مصدر بمعنى رهن كالشتيمة بمعنى الشتم وليست بمعنى مفعول لأنها بغير تاء ولو قصدت الصفة لقيل رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث ومنه بيت الحماسة: أبعد الذي بالنعف نعف كويكب ... رهينة رمس ذي تراب وجندل أأذكر بالبقيا على من أصابني ... وبقياي أني جاهد غير مؤتل والبيتان لزياد بن مسور الحارثي وقيل لعبد الرحمن بن زيد قتل أبوه زياد فعرض عليه فيه سبع ديّات فأبى إلا الثأر، والاستفهام إنكاري والنعف بالفتح الجبل والمكان المرتفع وقيل ما يستقبلك من الجبل وكويكب جبل بعينه وفي هذا الإبدال من التفصيل بعد الإجمال ما ينبئ عن تفخيم المحل والحال أي أبعد قتل أبي المدفون في ذلك الموضع حال كونه محتبسا في رمس وقيل رهينة بالجر بدل من الذي فهو اسم ملحق بالجواحد بمعنى الرهن ويقال رمست الشيء رمسا إذا دفنته في التراب فأطلق المصدر وأريد مكانه وهو القبر والجندل الحجارة وكررت همزة الاستفهام في قوله أأذكر توكيدا للأولى لأنها داخلة على هذا الفعل تقديرا أيضا ويحتمل أنها داخلة على مقدّر أي أبعد أبي أفرح بالديّة والبقيا الإبقاء على الشيء أي لا أذكر بين الناس بأني أبقيت على قاتل أبي والحال إن إبقائي عليه كوني جاهدا أو مصمّم العزم على الفتك به غير حالف على ذلك لأني غير محتاج إلى الحلف في تنفيذ أموري أو غير مقصر في الاجتهاد لأن الائتلاء يجيء بمعنى الحلف وبمعنى التقصير (إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ) إلا أداة استثناء وأصحاب اليمين مستثنى قيل هو متصل لأن الله تعالى جعل تكليف عباده كالدين عليهم ونفوسهم تحت استيلائه وقهره فهي رهينة فمن وفى دينه الذي كلّف به خلّص نفسه من عذاب الله تعالى الذي نزل منزلة علامة الرهن وهو أخذه في الدين ومن لم يوف عذّب وقيل هو منقطع إذ المراد بهم الأطفال لأنهم لا أعمال لهم يرتهنون بها وقيل الملائكة (فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ) في جنات خبر لمبتدأ محذوف أي هم في جنات والجملة مستأنفة كأنها نشأت جوابا لسؤال نشأ من الاستثناء والتقدير فما شأنهم وحالهم وجملة يتساءلون خبر ثان واختار أبو البقاء أن يكون في جنات حالا من أصحاب اليمين وأن يكون حالا من الضمير في يتساءلون وأن يتعلق بيتساءلون فيكون ظرفا للفعل ومعنى يتساءلون يسأل بعضهم بعضا وعن المجرمين متعلقان بيتساءلون ولا بدّ من تقدير مضاف أي عن حال المجرمين (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) الجملة مقول قول محذوف أي قائلين فجملة القول في محل نصب حال وما اسم استفهام مبتدأ والاستفهام للتوبيخ والتعجب من حالهم وجملة سلككم خبر وفي سقر متعلقان به (قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) قالوا فعل وفاعل ولم حرف نفي وقلب وجزم ونك فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدّرة على النون المحذوفة للتخفيف لأنها تحذف من مضارع كان المجزوم إذا لم يله ساكن وقد تقدم نظيره واسم نك ضمير مستتر تقديره نحن ومن المصلّين خبرها (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) عطف على الجملة السابقة مماثلة لها في إعرابها (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ) عطف على ما تقدم وكان واسمها وجملة نخوض خبرها ومع ظرف مكان متعلق بنخوض والخائضين مضاف إليه أي نشرع في الباطل مع الخائضين وهذا تحذير لكل من تسوّل له نفسه أن يسرع في الإجابة عمّا لا يعلمه (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) عطف على ما تقدم أيضا (حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ) حتى حرف غاية وجر وأتانا اليقين فعل ماض ومفعول به مقدّم وفاعل مؤخر والغاية للأمور الأربعة الآنفة (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ) الفاء عاطفة وما نافية وتنفعهم فعل مضارع ومفعول به وشفاعة الشافعين فاعل والمعنى لا شفاعة لهم وسيأتي المزيد من معناها في باب البلاغة (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) الفاء استئنافية وما اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ ولهم خبر وعن التذكرة متعلقان بمعرضين ومعرضين حال من الضمير المجرور باللام ووهم من جعله حالا من الضمير المستكن في الخبر لأنه عائد على ما وهي عبارة عن شيء وسبب ومعرضين وصف للأشخاص أنفسهم فلا يصحّ كونه وصفا لأسباب الإعراض على القاعدة في أن الحال وصف لصاحبها (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ) الجملة حالية من الضمير المستكن في معرضين فهي حال متداخلة وكأن واسمها وحمر خبرها ومستنفرة نعت وقرئ في السبع بكسر الفاء وفتحها فالأول بمعنى نافرة والثاني بمعنى نفرها الأسد أو الصياد (فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) الجملة نعت ثان لحمر وفرت فعل ماض والفاعل مستتر يعود على الحمر والتاء تاء التأنيث الساكنة ومن قسورة متعلقان بفرت (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) بل إضراب انتقالي عن محذوف هو جواب الاستفهام السابق كأنه قيل: فلا جواب لهم عن هذا السؤال أي لا سبب لهم في الإعراض بل يريد، ويريد فعل مضارع مرفوع وكل امرئ فاعل ومنهم نعت وأن وما في حيّزها في موضع نصب مفعول به ويؤتى فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وصحفا مفعول به ثان ومنشرة نعت لصحفا أي منشورة غير مطويّة يقرؤها كلّ من رآها (كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ) كلا ردع عن الإرادة وبل إضراب انتقالي لبيان سبب هذا التعنت ولا نافية ويخافون الآخرة فعل مضارع وفاعل ومفعول به (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ) كلا ردع عن الإعراض وإن واسمها أي القرآن وتذكرة خبرها (فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) الفاء عاطفة ومن شرطية مبتدأ وشاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط ومفعول شاء محذوف تقديره أن يذكره وذكره فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به والجملة جواب الشرط والشرط وجوابه خبر المبتدأ (وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) الواو عاطفة وما نافية ويذكرون فعل مضارع وفاعل وإلا أداة استثناء وأن يشاء الله المصدر استثناء من أعمّ الأحوال أطلق نفي الذكر ثم استثنى منه حال المشيئة المطلقة وهو مبتدأ وأهل التقوى خبره وأهل المغفرة عطف على أهل التقوى. * البلاغة: 1- في قوله تعالى «فما تنفعهم شفاعة الشافعين» فن تقدم الإلماع إليه وهو «نفي الشيء بإيجابه» وهو أن يثبت المتكلم شيئا في ظاهر كلامه بشرط أن يكون المثبت مستعارا ثم ينفي ما هو من سببه مجازا والمنفي حقيقة في باطن الكلام وقد تحدثنا عنه طويلا في البقرة عند قوله لا يسألون الناس إلحافا وفي غافر عند قوله «ولا شفيع يطاع» وهنا تعريف أكثر إيضاحا وهو أن تذكر كلاما يدل ظاهره أنه نفي لصفة موصوف وهي نفي للموصوف أصلا واعتاد البلاغيون أن يمثلوا له بقول امرئ القيس: على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود الديافي جرجرا فقوله لا يهتدى لمناره أي إن له منارا إلا أنه لا يهتدى به وليس المراد ذلك بل المراد أنه لا منار له يهتدى به وهنا ليس المعنى أنهم يشفع لهم فلا تنفعهم شفاعة من يشفع لهم وإنما المعنى نفي الشفاعة فانتفى النفع أي لا شفاعة شافعين لهم فتنفعهم من باب «على لاحب لا يهتدي بمناره» أي لا منار له فيهتدي به وتخصيصهم بانتفاء شفاعة الشافعين يدل على أنه قد تكون شفاعات ينتفع بها. 2- في قوله «كأنهم حمر مستنفرة، فرّت من قسورة» تشبيه مرسل، شبّههم بالحمر المستنفرة وفي ذلك مذمة ظاهرة وتهجين لحالهم وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل ولا ترى مثل نفار حمر الوحش واطّرادها في العدو إذا رابها رائب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.