الباحث القرآني

* الإعراب: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا) إن واسمها ونحن ضمير فصل أو تأكيد لاسم إن وجملة نزلنا خبر إنّا وعليك متعلقان بنزلنا والقرآن مفعول به وتنزيلا مفعول مطلق ولك أن تجعل نحن مبتدأ فتكون جملة نزلنا خبر نحن والجملة خبر إن (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) الفاء الفصيحة أي إن عرفت هذا فاصبر، واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولحكم ربك متعلقان باصبر والواو حرف عطف ولا ناهية وتطع فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت ومنهم حال وآثما مفعول به وأو حرف عطف وكفورا عطف على آثما وإنما جنح إلى «أو» دون الواو لإفهام النهي عن طاعتهما معا ولو عطف بالواو لأفهم جواز طاعة أحدهما وليس مرادا وعبارة الزجّاج: «أو هنا أوكد من الواو لأنك لو قلت لا تطع زيدا وعمرا فأطاع أحدهما كان غير عاص فإذا أبدلتها بأو فقد دللت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى» وعبارة أبي حيان: «والنهي عن طاعة كل واحد منهما أبلغ من النهي عن طاعتهما لأنه يستلزم النهي عن أحدهما لأن في طاعتهما طاعة أحدهما ولو قال لا تضرب زيدا وعمرا لجاز أن يكون نهيا عن ضربهما جميعا لا عن ضرب أحدهما، وقال أبو عبيدة «أو» بمعنى الواو والكفور وإن كان آثما فإن فيه مبالغة في الكفر ولما كان وصف الكفور مباينا للموصوف لمجرد الإثم صلح التغاير فحسن العطف» (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) عطف على ما تقدم واذكر فعل أمر واسم ربك مفعول به وبكرة وأصيلا ظرفان متعلقان باذكر والمراد الدوام على الصلاة في أوقاتها (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) ومن الليل متعلقان باسجد ومعنى من التبعيض أي اسجد وصل له بعض الليل، واسجد فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وله متعلقان باسجد أيضا وسبّحه فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وليلا ظرف متعلق بسبّحه وطويلا نعت (إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا) الجملة تعليل لما قبلها من النهي والأمر وعبارة الشهاب الخفاجي: «هذا التعليل لما قبله من النهي والأمر في قوله ولا تطع إلى هنا فكأنه قال: لا تطعهم واشتغل بالأهمّ من العبادة لأن هؤلاء تركوا الآخرة للدنيا فاترك أنت الدنيا وأهلها للآخرة فالأول علّة للنهي عن طاعة الآثم والكفور والثاني علّة للأمر بالطاعة، وإن حرف مشبّه بالفعل وهؤلاء اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسمها وجملة يحبون خبرها والعاجلة مفعول به ويذرون عطف على يحبون ووراءهم ظرف مكان بمعنى قدّام متعلق بمحذوف حال من المفعول مقدم عليه ويوما مفعول به وثقيلا ظرف، وسيأتي معنى الثقل في باب البلاغة (نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ) نحن مبتدأ وجملة خلقناهم خبر وشددنا عطف على خلقناهم وأسرهم مفعول به أي قوينا أسرهم والأسر كما في القاموس «الشدة والغضب وشدة الخلق والخلق وشددنا أسرهم أي مفاصلهم» وفي المختار: «أسره من باب ضرب أي شدّه بالإسار بوزن الإزار وهو القدّ بالكسر وهو سير يقدّ من جلد غير مدبوغ ومنه سمي الأسير لأنهم كانوا يشدّونه بالقدّ فسمي كل مأخوذ أسيرا وإن لم يشدّ به وأسره الله خلقه وبابه ضرب ومنه: وشددنا أسرهم أي خلقهم والأسر بالضم احتباس البول كالحصر في الغائط وأسرة الرجل أهله لأنه يتقوى بهم» (وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة شئنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة بدّلنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وأمثالهم مفعول به وتبديلا مفعول مطلق، ومفعول بدّلنا الثاني لأنها بمعنى جعلنا محذوف تقديره بدلا منهم. هذا وقد تورط الزمخشري ورطة كان له مندوحة عنها ذلك أنه قال «وحقه أن يؤتى بإن لا بإذا كقوله: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، إن يشأ يذهبكم» ولم يعقب على ذلك بشيء فأوهم أنه يعني ورود القرآن في تعبيره بإذا على خلاف الحق والواقع أن إذا وإن تتعاوران فقد قالوا: إن إذا للمحقق وإن للممكن وهو تعالى لم يشأ فالظاهر أن تستعمل إن لكنه قد توضع إذا موضع إن وإن موضع إذا كقوله: أفإن متّ فهم الخالدون (إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا) إن واسمها والإشارة إلى السورة وتذكرة خبرها والفاء عاطفة ومن شرطية مبتدأ وشاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط ومفعول شاء محذوف أي الخير لنفسه وحسن العاقبة واتخذ فعل ماض في محل جزم جواب الشرط وإلى ربه في موضع المفعول الثاني وسبيلا مفعول اتخذ الأول (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) الواو عاطفة وما نافية وتشاءون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والمفعول به محذوف أي الطاعة وإلا أداة حصر وأن يشاء الله المصدر المؤول في موضع نصب على الظرفية لأنه استثناء من أعمّ الظروف وأصله إلا وقت مشيئة الله وأجاز أبو البقاء أن يكون الاستثناء من أعمّ الأحوال فيكون المصدر حالا وإن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر وعليما خبرها الأول وحكيما خبرها الثاني (يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) الجملة حالية من الله ويدخل فعل مضارع مرفوع وفاعله هو ومن مفعول به وجملة يشاء صلة من وفي رحمته متعلقان بيدخل، والظالمين: الواو عاطفة والظالمين منصوب بفعل مقدّر يفسّره ما بعده وقدّره أبو البقاء: ويعذب الظالمين، وجملة أعدّ مفسّرة ولهم متعلقان بأعدّ وعذابا مفعول به وأليما نعت. * البلاغة: في قوله «يوما ثقيلا» استعارة تصريحية، فقد استعير الثقل لشدة ذلك اليوم وهوله من الشيء الثقيل الباهظ لحامله ونحوه ثقلت في السموات والأرض. خطأ وقياس في غير محله: هذا ومن المضحك أن بعضهم علّق على قوله «وسبّحه ليلا طويلا» فقال هذه الآية رد على عدم ما قاله أهل علم المعاني والبيان إن الجمع بين الحاء والهاء مثلا يخرج الكلمة من فصاحتها وجعلوا من ذلك قول أبي تمام: كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي وإذا ما لمته لمته وحدي وهذا خطأ من الناقد الذي ظن أنه يبرئ القرآن الكريم من العيوب المخلّة بالفصاحة بشجبه لما قرره علماء البلاغة وقياس في غير محله فالفرق واضح بين الآية والشعر وهو أن تكرار أمدحه هو الذي أخرجه عن مهيع الفصاحة لا مجرد اجتماع الحاء والهاء، وإذن فالآية سليمة من تنافر الحروف قال الشيخ مخلوف الميناوي في حاشيته على شرح الشيخ أحمد الدمنهوري لمتن الإمام الأخضري: «فإن منشأ الثقل هو تكرار أمدحه دون مجرد الجمع لوقوعه بين الحاء والهاء في التنزيل نحو فسبّحه» . * الفوائد: «إن» و «إذا» يشتركان في إفادة تعليق حصول الجزاء في المستقبل بحصول الشرط فيه، لكن أصل إن، أي موضع استعمالها الحقيقي، الشك في وقوع الشرط، قيل والتوهم وقيل وكذا المظنون. وأصل إذا الجزم بوقوعه، ولا تستعمل إن في غير الشك وإذا في غير الجزم إلا لنكتة، كما أنهما لا يدخلان على ماض من شرط أو جزاء إلا لنكتة ولو لتعليق حصول مضمون الجزاء بحصول مضمون الشرط.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.