الباحث القرآني

* اللغة: (رانَ) غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم للسماء وفي المختار: «الرين الطبع والدنس يقال ران ذنبه على قلبه من باب باع وريونا أيضا غلب وقال أبو عبيدة: كل ما غلبك فقد ران بك ورانك وران عليك ورين الرجل إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ولا قبل له به» وعبارة الزمخشري: «ران على قلوبهم: ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها وهو أن يصرّ على الكبائر ويسوف التوبة حتى يطبع على قلبه فلا يقبل الخير ولا يميل إليه وعن الحسن: الذنب بعد الذنب حتى يسودّ القلب، يقال ران عليه الذنب وغان عليه رينا وغينا والذين الغيم ويقال ران فيه النوم رسخ فيه ورانت به الخمر ذهبت به» قلت: وران يائية وواوية وهي هنا يائية، يقال: ران يرين رينا وريونا الشيء فلانا وعليه وبه: غلب عليه تقول: ران هواه على قلبه أي غلب عليه ورانت نفسه: خبثت وغشت وران الموت عليه وبه ذهب ورين به: وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ولا طاقة له به ومات ووقع في غم وأران إرانة القوم هلكت ماشيتهم فهم مرينون والران حذاء كالخف إلا أنه أطول منه والرّينة: الخمر لغلبتها على العقل. أما الواوية فيقال: ران يرون رونا من باب دخل الأمر: اشتد ورانت الليلة اشتد هولها أو غمّها والرّون بضم الراء المشددة الشدة والجمع رءون ورونة الشيء بالضم معظمه وشدته يقال كشف الله عنك رونة هذا الأمر أي شدّته وغمته والأرونان الصعب ويقال الأرونان والأروناني الشديد في كل شيء من حرّ وبرد وجلبة وصياح وحزن وفرح ومؤنثه أرونانة وأرونانية. (عِلِّيُّونَ) قال الزمخشري: «وعليون علم لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع عليّ فعيل من العلو كسجين من السجن سمي بذلك إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريما له وتعظيما» وعبارة أبي حيان: عليون جمع واحده عليّ مشتق من العلو وهو المبالغة قاله يونس وابن جنّي قال أبو الفتح وسبيله أن يقال عليّة كما قالوا للغرفة عليّة فلما حذفت التاء عوّضوا منها الجمع بالواو والنون وقيل هو وصف للملائكة فلذلك جمع بالواو والنون، وقال الفراء: هو اسم موضوع على صيغة الجمع ولا واحد له من لفظه كقوله عشرين وثلاثين والعرب إذا جمعت جمعا ولم يكن له بناء من واحده ولا تثنية قالوا في المذكر والمؤنث بالواو والنون، وقال الزجّاج أعرب هذا الاسم كإعراب الجمع هذه قنسرون ورأيت قنسرين وقال ابن هشام في بحث ما ألحق بجمع المذكر السالم «والرابع ما سمي به من هذه الجمع وما ألحق به كعليون» أي فإنه ملحق بهذا الجمع ومسمى به أعلى الجنة، وقال الراغب: قيل هو اسم أشرف الجنان كما أن سجين هو أشرف النيران وقيل بل ذلك في الحقيقة اسم سكانها وهذا أقرب إلى العربية إذا كان هذا الجمع يخصّ الناطقين والواحد عليّ ومعناه أن الأبرار في جملة هؤلاء. * الإعراب: (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) كلا حرف ردع وزجر للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له فيه، وبل حرف عطف وإضراب وران فعل ماض مبني على الفتح وعلى قلوبهم متعلقان بران وما فاعل وجملة كانوا لا محل لها لأنها صلة وكان واسمها وجملة يكسبون خبر كانوا (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) كلا حرف ردع وزجر أيضا عن الكسب الرائن على قلوبهم وإن واسمها وعن ربهم متعلقان بمحجوبون ويومئذ ظرف أضيف إلى مثله متعلق بمحجوبون أيضا ومحجوبون خبر إن والتنوين في إذ عوض عن جملة تقديرها يوم إذ يقوم الناس، وسيأتي معنى قوله محجوبون في باب البلاغة (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ) ثم حرف عطف لتراخي الرتبة فإن صلي الجحيم أشد من الإهانة والحرمان من الرحمة والكرامة، وإن واسمها واللام المزحلقة وصالوا الجحيم خبر إن (ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) ثم حرف عطف للترتب والتراخي أيضا ويقال فعل مضارع مبني للمجهول ونائب لفاعل مستتر تقديره هو وهذا مبتدأ والذي خبره وجملة كنتم صلة وكان واسمها وبه متعلقان بتكذبون وجملة تكذبون خبر كنتم (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ) كلا تأكيد للردع ووجوب الارتداع وإن واسمها واللام المزحلقة وفي عليين خبرها وعلامة جر عليين الياء نيابة عن الكسرة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم والواو حرف عطف وما اسم استفهام مبتدأ وجملة أدراك خبر وما اسم استفهام للتفخيم والتعظيم مبتدأ وعليون خبر وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم والجملة المعلقة بالاستفهام سدّت مسدّ مفعول أدراك الثاني (كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) كتاب بدل من عليون أو خبر لمبتدأ محذوف وهو الأولى ومرقوم نعت لكتاب وجملة يشهده نعت ثان والهاء مفعول به والمقربون فاعل (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ) كلام مستأنف مسوق للشروع في محاسن أحوالهم، وإن واسمها واللام المزحلقة وفي نعيم خبرها وعلى الأرائك متعلقان بينظرون وجملة ينظرون حالية من الضمير المستكن في خبر إن أو مستأنفة والمراد بالأرائك السرر في الحجال والحجال كما يقول الجوهري جمع حجلة بالتحريك واحده حجال العروس وهو بيت يزيّن بالثياب والأسرّة، وقال الشهاب: الحجلة بفتحتين بيت مربع من الثياب الفاخرة يرخى على السرير يسمى في عرف الناس بالناموسية أي الكلة (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) كلام مستأنف مسوق لإيذان المخاطب بالالتفات إليهم والتأمل في آثار النعيم على وجوههم وقرىء بالبناء للمجهول فتكون نضرة النعيم نائب فاعل وفي وجوههم متعلقان بتعرف ونضرة النعيم مفعول به (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) يسقون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومن رحيق متعلقان بيسقون ومختوم نعت، أي خمر خالصة من كل شائبة أو غش، وختامه مسك مبتدأ وخبر والجملة نعت ثان لرحيق والظاهر أن الرحيق ختم عليه لتوفير النظافة والرائحة المسكية كما فسّره بعد، وفي الصحاح: «الختام الطين الذي يختم به وكذا قال مجاهد وابن زيد ختم إناؤه بالمسك بدل الطين قال: كأن مشعشعا من خمر بصرى ... نمته البحت مشدود الختام» والواو حرف عطف وفي ذلك متعلقان بقوله فليتنافس والفاء عاطفة لزيادة الاهتمام واللام لام الأمر ويتنافس فعل مضارع مجزوم باللام والمتنافسون فاعل، وفي المختار: «ونفس الشيء من باب ظرف صار مرغوبا فيه ونافس في الشيء منافسة ونفاسا بالكسر إذا رغب فيه على وجه المباراة في الكرم وتنافسوا فيه أي رغبوا» (وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) الواو عاطفة ومزاجه مبتدأ ومن تسنيم خبر وهو علم لعين بعينها سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه لأنها تأتيهم من فوق على ما روي أنها تجري في الهواء فيشربونها صرفا للمقربين وممزوجة لسائر أهل الجنة وقيل سميت بالتسنيم لأنها أرفع شراب في الجنة، وعينا منصوب على المدح بفعل محذوف تقديره أمدح، وقال الزجّاج: نصب على الحال من تسنيم بوصفها علما، قال أبو البقاء: «وقيل تسنيم مصدر وهو الناصب عينا» وقال الأخفش يسقون عينا. وجملة يشرب نعت عينا وبها متعلقان بيشرب أي منها على أن التضمين في الحرف أو يكون التضمين بالفعل أي يلتذ بها، والمقربون فاعل يشرب (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) كلام مستأنف مسوق لتسلية المؤمنين وتقوية قلوبهم بما أعدّ للأبرار في الجنة. وإن واسمها وجملة أجرموا لا محل لها لأنها صلة الذين وجملة كانوا خبر إن وكان واسمها ومن الذين متعلقان بيضحكون وجملة يضحكون خبر كانوا فقد كان مشركو مكة كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم يضحكون من عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين ويستهزئون بهم وقيل جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المؤمنين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه (وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بيتغامزون وجملة مروا بهم في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة يتغامزون لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وإذا ظرف مستقبل أيضا وجملة انقلبوا في محل جر بإضافة الظرف إليها وإلى أهلهم متعلقان بانقلبوا وجملة انقلبوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وفكهين حال أي معجبين وقرىء فاكهين أي فرحين ناعمين (وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ) الواو عاطفة أيضا وإذا ظرف مستقبل وجملة رأوهم في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة قالوا لا محل لها والضمير المرفوع عائد على المؤمنين والمنصوب على المجرمين أي إذا رأى المؤمنون المجرمين ينسبونهم إلى الضلال ويجوز العكس، وإن واسمها وخبرها والجملة مقول قولهم (وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ) الواو حالية والجملة حال من الواو في قالوا وما نافية وأرسلوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وعليهم متعلقان بحافظين وحافظين حال (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ) الفاء عاطفة للتفريع واليوم ظرف متعلق بيضحكون والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة ومن الكفّار متعلقان بيضحكون أيضا وجملة يضحكون خبر الذين وعلى الأرائك متعلقان بينظرون وجملة ينظرون حالية من الضمير في يضحكون أي يضحكون حال كونهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من التردّي والهوان (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) الجملة مقول قول محذوف أي يقولون هل ثوب وأجازوا أن تكون الجملة معلقة بالاستفهام في محل نصب بنزع الخافض وثوب فعل ماض مبني للمجهول والكفار نائب فاعل وثوب هنا بمعنى الجزاء أي هل أثيبوا أو هو من ثاب بمعنى رجع لأن الثواب هو ما يرجع على الإنسان في مقابل عمله وما في موضع نصب مفعول به ثان وجملة كانوا صلة ما وجملة يفعلون خبر كانوا قال أوس: سأجزيك أو يجزيك عنّي مثوب ... وحسبك أن يثني عليك وتحمدي * البلاغة: في قوله «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم لأنه لا يؤذن على ذوي العلية والمراتب السامية إلا للمقربين المكرمين لديهم ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء الموسومون بالمهانة والقماءة والصغار، وقد رمق أبو تمام سماء هذا المعنى فقال مبررا احتجاب المعتصم عن الرعية: ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.