الباحث القرآني

* اللغة: (الشفق) قال الزمخشري «الشفق الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس وبسقوطه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العتمة عند عامة العلماء إلا ما يروى عن أبي حنيفة في إحدى الروايتين أنه البياض وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه. وسمي شفقا لرقته ومنه الشفقة على الإنسان وهي رقة القلب عليه» وقال الراغب: «الشفق اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس والإشفاق عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه فإذا عدّي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر وإذا عدّي بعلى فمعنى العناية فيه أظهر» وقال السمين: «والشفق شفقان: الشفق الأحمر والشفق الأبيض والشفق والشفقة اسمان للاشفاق» وقال أبو حيان: «الشفق الحمرة بعد مغيب الشمس حين تأتي صلاة العشاء الآخرة قيل أصله من رقة الشيء يقال شيء مشفق أي لا يتماسك لرقته ومنه أشفق عليه رقّ قلبه والشفقة الاسم من الشفاق وكذلك الشفق قال الشاعر: تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزال على الحرم» وعبارة القاموس: «الشفق محركة الحمرة في الأفق من الغروب إلى العشاء الآخرة أو إلى قربها أو إلى قريب العتمة» وهذا هو الصحيح، ومنه قول الشاعر: قم يا غلام أعنّي غير مرتبك ... على الزمان بكأس حشوها شفق (وَسَقَ) جمع وضم يقال وسقه فانشق واستوسق ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين اتسع واستوسع وفي القاموس: «وسقه يسقه من باب ضرب جمعه وحمله ومنه والليل وما وسق» . (اتَّسَقَ) اجتمع واستوى ليلة أربع عشرة، قال الفراء «وهو امتلاؤه واستواؤه ليالي البدر» وهو افتعل من الوسق وهو الضم والجمع كما تقدم وأمر فلان متسق أي مجتمع على ما يسر. * الإعراب: (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) الفاء الفصيحة لأنها في جواب شرط مقدم أي إذا عرفت هذا أو إذا تحققت الرجوع بالبعث فلا أقسم وقد تقدم القول في لا أقسم فجدّد به عهدا، وبالشفق متعلقان بأقسم والليل عطف على الشفق والواو حرف عطف وما يجوز أن تكون موصولة اسمية ويجوز أن تكون نكرة موصوفة ويجوز أن تكون مصدرية وعلى كونها موصولة أو نكرة موصوفة فعائد الصلة أو الصفة محذوف أي وسقه أي جمعه والمعنى ضم ما كان ساربا بالنهار من أصناف الخلق وأنواع الكائنات لأن كل شيء منها في الليل يعود إلى مأواه، والقمر عطف أيضا وإذا ظرف خال من معنى الشرط متعلق بفعل القسم أي وقت اتّساقه واستوائه واللام جواب القسم وتركبن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال لأنه من الأفعال الخمسة والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون نون التوكيد الثقيلة وطبقا حال أو مفعول به وعن طبق أي أمة من الناس صفة لطبقا أي طبقا مجاوزا الطبق وعلى كون طبقا مفعولا به يكون على حذف مضاف أي لتركبن سنن أو طريقة طبقة بعد طبق، وعبارة الزمخشري: «فإن قلت ما محل عن طبق؟ قلت: النصب على أنه صفة لطبقا أي طبقا مجاوزا لطبق أو حال من الضمير في لتركبن أي لتركبن طبقا مجاوزين لطبق أو مجاوزا أو مجاوزة على حسب القراءة» وقال الزمخشري أيضا: «قرىء لتركبن على خطاب الإنسان في يا أيها الإنسان ولتركبن بالضم على خطاب الجنس لأن النداء للجنس ولتركبن بالكسر على خطاب النفس وليركبن بالياء على ليركبن الإنسان والطبق: ما طابق غيره يقال: ما هذا بطبق لذا أي لا يطابقه ومنه قيل للغطاء الطبق وإطباق الثرى ما تطابق منه ثم قيل للحال المطابقة لغيرها طبق ومنه قوله عزّ وجلّ: طبقا عن طبق، أي حالا بعد حال كل واحدة مطابقة لأختها في الشدّة والهول ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة من قولهم هو على طبقات ومنه طبق الظهر لفقاره الواحدة طبقة على معنى لتركبنّ أحوالا بعد أحوال هي طبقات في الشدّة بعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها» قلت ومن ورود الطبق بمعنى الأمة قول العباس بن عبد المطلب في رسول الله صلّى الله عليه وسلم: وأنت لما ولدت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق (فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) الفاء الفصيحة وما اسم استفهام مبتدأ ولهم خبر وجملة لا يؤمنون حال (وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) الجملة معطوفة على الجملة الحالية السابقة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قرىء في محل جر بإضافة الظرف إليها والقرآن نائب فاعل وجملة لا يسجدون لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) حرف إضراب انتقالي والذين مبتدأ وجملة كفروا لا محل لها لأنها صلة الذين وجملة يكذبون خبر الذين (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ) الواو حرف عطف والله مبتدأ واعلم خبره وبما متعلقان بأعلم وجملة يوعون لا محل لها لأنها صلة ما أي يضمرون في قلوبهم من التكذيب (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبعذاب متعلقان ببشرهم وأليم نعت (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) إلا حرف استثناء والاستثناء منقطع فهو بمعنى لكن والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على الصلة داخل في حيّزها ولهم خبر مقدّم وأجر مبتدأ مؤخر وغير ممنون نعت أي غير مقطوع ولا منقوص والجملة الاسمية خبر الذين، هذا ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا فيكون الذين مستثنى. * البلاغة: في قوله «والليل وما وسق والقمر إذا اتسق» فن الالتزام أو لزوم ما لا يلزم، ومنهم من يسمّيه الاعنات وقد تقدمت الإشارة إليه وهو أن يلتزم الشاعر في شعره والناثر في نثره حرفا أو حرفين فصاعدا قبل حرف الروي على قدر طاقته مشروطا بعدم الكلفة، وقلنا أن لأبي العلاء المعري ديوانا التزم فيه ما لا يلزم. أما في الآية فقد التزمت النون قبل القاف.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.