الباحث القرآني

* اللغة: (غُثاءً) في القاموس: «الغثاء كغراب وكزنار: القمش والزبد والهالك البالي من ورق الشجر» وفيه أيضا: «القمش جمع قماش وهو ما على وجه الأرض من فتات الأشياء حتى يقال لرذالة الناس قماش وما أعطاني إلا قماشا أي أردأ ما وجده» وفي المصباح: «غثاء السيل حميله وغثا الوادي غثوّا من باب قعد امتلأ من الغثاء وغثت نفسه تغثى غثيا من باب رمى وغثيانا وهو اضطرابها حتى تكاد تتقيأ من خلط ينصب إلى فم المعدة» . (أَحْوى) الأحوى أفعل من الحوة وهي سواد يضرب إلى خضرة وقيل الأحوى خضرة عليها سواد والأحوى الظبي لأن في ظهره خطين ويقال رجل أحوى وامرأة حواء وجمعها حو نحو أحمر وحمر، وفي القاموس «الحوة بالضم سواد إلى الخضرة أو حمرة إلى السواد وحوي كرضي حوى» وقال ابن جني: والحوة حمرة تضرب إلى السواد وتكون في الشفة والعرب تستحب ذلك، قال ذو الرمة: لمياء في شفتيها حوّة لعس ... وفي اللّثات وفي أنيابها شنب صفراء في نعج بيضاء في دعج ... كأنها فضة قد مسّها ذهب وأنشد أبو عبيدة لذي الرمّة أيضا في المرعى الأحوى: حوّاء قرحاء أشراطيّة وكفت ... فيها الذهاب وحفتها البراعيم والقرحاء: البيضاء يقال للغرة القرحة وأشراطية مطرت بنوء الشّرطين والذهاب بكسر الذال المطر الخفيف والبراعيم جمع برعومة وهي الوردة قبل أن تتفتح ويقال لها الكم والجمع أكمام. * الإعراب: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) سبّح فعل أمر أي نزّه وقد تقدم وفاعله مستتر تقديره أنت واسم ربك مفعوله، وجعله الجلال مقحما على حدّ قول لبيد: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر ولا داعي لهذا التكلف فإن التنزيه يقع على الاسم أي نزّه اسم ربك عن أن يسمي به صنم أو وثن فيقال له رب أو إله. والأعلى صفة لربك، وأجاز ابن هشام أن يكون صفة لاسم (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) الذي صفة ثانية للرب وجملة خلق صلة ومفعول خلق محذوف أي كل شيء والفاء عاطفة وسوّى عطف على خلق والمراد بالتسوية أنه خلق ما أراد على أتم وجه وأكمله ووفق نظام موصوف بالإحكام والإتقان مبرأ من الشوائب والاختلال (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى) عطف أيضا منسوق على ما تقدم (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى) عطف على ما قبله أيضا وجملة أخرج صلة الذي والمرعى مفعول به، فجعله عطف على أخرج والهاء مفعول به أول وغثاء مفعول به ثان وأحوى صفة لغثاء لكن يشكل أن الغثاء هو اليابس والحوة خضرة دائمة فيتناقضان فالأولى أن يعرب أحوى حالا من المرعى أي أخرجه أحوى أسود من شدّة الخضرة فجعله غثاء بعد حوّته. وقال الزمخشري: «ويجوز أن يكون أحوى حالا من المرعى أي أخرجه من المرعى أسود من شدة الخضرة والريّ فجعله غثاء بعد حوّته» . وقال أبو البقاء: «قوله تعالى أحوى قيل هو نعت لغثاء وقيل هو حال من المرعى أي أخرج المرعى أخضر ثم صيّره غثاء فقدم بعض الصلة» . وقال أبو حيان: «والظاهر أن أحوى صفة لغثاء، قال ابن عباس المعنى فجعله غثاء أحوى أي أسود لأن الغثاء إذا قدم وأصابته الأمطار اسودّ وتعفّن فصار أحوى، وقيل أحوى حال من المرعى أي أخرج المرعى أحوى أي للسواد من شدّة خضرته ونضارته لكثرة ريّه، وحسن تأخير أحوى لأجل الفواصل قال: وغيث من الوسمي حوّ تلاعه ... تبطنته بشيظم صلّتان» وقال ابن خالويه في كتابه: «إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم» : «فجعله غثاء أحوى أي جعل الله المرعى أحوى والأحوى شديد الخضرة يضرب إلى السواد لريّه ثم صيّره غثاء بعد ما يبس فمعناه تقديم وتأخير» . وقال ابن هشام في كتابه المغني في ذكر الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها: «الرابع عشر قول بعضهم في أحوى إنه صفة لغثاء وهذا ليس بصحيح على الإطلاق بل إذا فسّر الأحوى بالأسود من الجفاف واليبس وأما إذا فسّر بالأسود من شدّة الخضرة لكثرة الريّ كما فسّر «مدهامتان» فجعله صفة لغثاء كجعل قيما صفة لعوجا وإنما الواجب أن تكون حالا من المرعى وآخر لتناسب الفواصل» ولعمري لقد حسم الخلاف فيما قرره (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) السين حرف استقبال ونقرئك فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به والفاء حرف عطف ولا نافية وتنسى فعل مضارع مرفوع، وعبارة أبي السعود: «سنقرئك فلا تنسى: بيان لهداية الله تعالى الخاصة برسوله صلّى الله عليه وسلم إثر بيان هداية الله العامة لكافة مخلوقاته وهي هدايته عليه السلام لتلقي الوحي وحفظ القرآن وهدايته للناس أجمعين، والسين إما للتأكيد وإما لأن المراد إقراء ما أوحى الله إليه حينئذ وما سيوحي إليه بعد ذلك فهو وعد باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء أي سنقرئك ما نوحي إليك وفيما بعده على لسان جبريل أو سنجعلك قارئا بإلهام القراءة فلا تنسى أصلا من قسوة الحفظ والإتقان مع أنك أمي لا تدري ما الكتابة وما القراءة فيكون ذلك آية أخرى لك مع ما في تضاعيف ما تقرؤه من الآيات البيّنات من حيث الإعجاز ومن حيث الإخبار بالمغيّبات» والفاء عاطفة ولا نافية، أخبر الله تعالى نبيّه أنه لا ينسى، وتنسى فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف وقيل لا ناهية وتنسى فعل مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة ثم أتي بالألف دعامة لفتح السين ليوافق رؤوس الآي كقوله: السبيلا، وقد أحسن أبو حيان عند ما شجب هذا الوجه قال «وهذا قول ضعيف ومفهوم الآية في غاية الظهور وقد تعسفوا في فهمها» ، (إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى) إلا أداة حصر وما مفعول تنسى والاستثناء مفرّغ من أعمّ المفاعيل وجملة شاء الله صلة ما وجملة إن وما في حيّزها تعليل لما قبله وإن واسمها وجملة يعلم خبرها والجهر مفعول به والواو حرف عطف وما موصولة منسوقة على الجهر وجملة يخفى صلة، قال السمين: «ولا يجوز أن تكون مصدرية لئلا يلزم خلو الفعل من فاعل ولولا ذلك لكان كونها مصدرية أحسن ليعطف مصدر مؤول على مثله صريح» (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى) الواو حرف عطف ونيسرك عطف على سنقرئك وهو فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به ولليسرى متعلقان بنيسرك أي للشريعة الإسلامية السمحاء والفاء الفصيحة أي إن علمت أنك من أرباب الفيوضات الكمالية بهدايتنا وتوفيقنا فذكر، وإن شرطية ونفعت فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والذكرى فاعل وفي إن معنى الاستبعاد كأنما هو واثق من عدم جنوحهم إلى الهدى وإصرارهم على ركوب متن الشطط وجواب إن محذوف دلّ عليه ما قبله وللزمخشري سؤال لطيف وإجابة ألطف قال: «فإن قلت: كان الرسول صلّى الله عليه وسلم مأمورا بالذكرى نفعت أو لم تنفع فما معنى اشتراط النفع؟ قلت: هو على وجهين: أحدهما أن رسول الله قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوّا وطغيانا وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يتلظى حسرة وتلهفا ويزداد وجدا في تذكيرهم وحرصا عليه فقيل له: وما أنت عليهم بجبّار فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد، وأعرض عنهم وقل سلام، وذكّر إن نفعت الذكرى، وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير، والثاني أن يكون ظاهره شرطا ومعناه ذمّا للمذكرين وإخبارا عن حالهم واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم وتسجيلا عليهم بالطبع على قلوبهم كما تقول للواعظ غظّ المكّاسين إن سمعوا منك قاصدا بهذا الشرط استبعاد ذلك وأنه لن يكون» أما ابن خالويه فبعد أن أورد الوجه الذي أوردناه قال: «ويقول آخرون: إن بمعنى قد أي فذكر قد نفعت الذكرى وهو بعيد جدا ولا يليق بأسلوب القرآن الافتراض والمجازفة» أما أبو حيان فقد قال: «والظاهر أن أمره بالتذكير مشروط بنفع الذكرى وهذا الشرط إنما جيء به توبيخا لقريش أي إن نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة العتاة ومعناه استبعاد انتفاعهم بالذكرى فهو كما قال الشاعر: لقد أسمعت لو ناديت حيّا ... ولكن لا حياة لمن تنادي وقال الفراء والنحّاس والزهراوي والجرجاني: معناه وإن لم تنفع فاقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى، الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى، ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) السين حرف استقبال ويذكر فعل مضارع مرفوع ومن موصول فاعل وجملة يخشى صلة لا محل لها ويتجنبها منسوق على سيذكّر والهاء مفعول به والضمير يعود على الذكرى والأشقى فاعل، قال ابن خالويه: «يقال زيد الأشقى والمرأة الشقيا مثل الأعلى والعليا ويقال: كلّم الأشقى الشقيا وكلم الأشقيان الشقيين وكلم الأشقون الأشقين وكلمت الشقييات الشقييات» والذي نعت للأشقى وجملة يصلّى لا محل لها لأنها صلة الذي وفاعل يصلّى مستتر يعود على الأشقى والنار مفعول به والكبرى نعت للنار وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ولا نافية ويموت فعل مضارع مرفوع وفيها متعلقان بيموت، ولا يحيا عطف على لا يموت ومعنى التراخي أن الترجح بين الحياة والموت أشدّ هولا من الصلي فهو متراخ عنه في مراتب الشدة ومن يمت يسترح أما هؤلاء فلا هم أموات فيستريحوا ولا هم أحياء فيجدوا متنفسا من العذاب (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) قد حرف تحقيق وأفلح فعل ماض ومن فاعل وجملة تزكى أي تطهر لا محل لها لأنها صلة من وذكر عطف على تزكى واسم ربه مفعول به، فصلّى عطف على ذكّر (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى) إضراب عن مقدّر ينساق إليه الكلام والتقدير أنتم لا تفعلون ما فيه صلاح أمركم بل تؤثرون، وتؤثرون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والحياة مفعول به والدنيا نعت للحياة والمراد بإيثار الحياة الدنيا الركون إليها والاغترار بزخارفها واستجلاء أفاويقها، والواو حالية والآخرة مبتدأ وخير خبر وأبقى عطف على خير ففيها لذات الدنيا وما لا يتصور العقل من زيادة عليها ولها بعد ذلك صفة الديمومة والخلود (إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى) إن حرف مشبه بالفعل وهذا اسمها والإشارة إلى إفلاح من تزكى وما تلاه من كلام، واللام المزحلقة وفي الصحف خبر إن والأولى نعت للصحف وصحف إبراهيم وموسى بدل من الصحف. * الفوائد: لمحة عن صحف إبراهيم وموسى: جاء في الخازن ما يلي: عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم إن للمسجد تحية فقلت وما تحيته يا رسول الله قال: ركعتان تركعهما قلت: يا رسول الله هل أنزل الله عليك شيئا مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال يا أبا ذر اقرأ: قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربه فصلّى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى، قلت يا رسول الله فما كانت صحف موسى؟ قال كانت عبرا كلها: «عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟ عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ عجبت لمن أيقن بالقدر ثم يغضب، عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل» . وجاء في القرطبي ما يلي: «وروى الآجري عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم قال: كانت أمثالا كلها: أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكني بعثتك لتردّ عنّي دعوة المظلوم فإني لا أردّها ولو كانت من فم كافر، وكان فيها أمثال: وعلى العاقل أن يكون له ساعة يناجي فيها ربه وساعة يفكّر فيها في صنع الله عزّ وجلّ وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب وعلى العاقل أن لا يكون طامعا إلا في ثلاث: تزود لمعاد ومرحة لمعاش ولذة في غير محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.