الباحث القرآني

* اللغة: (مُرْجَوْنَ) : اسم مفعول من أرجيته أي أخرته ويقال أرجأته بالهمز أيضا ومنه المرجئة. (وَإِرْصاداً) : وإعدادا وارتقابا. (شَفا) : طرف وحرف. (جُرُفٍ) : بضم الراء وسكونها جانب البئر التي لم تطو وقيل: الهوّة وما يجرفه السيل من الأودية. قال أبو عبيدة وقيل هو المكان الذي يأكله الماء فيجرفه أي يذهب به. (هارٍ) : فيه ثلاثة أقوال: أحدهما وهو المشهور أنه مقلوب بتقديم لامه على عينه وذلك أن أصله هاور أو هاير بالواو أو الياء لأنه سمع فيه الحرفان قالوا هار يهور ويهار، وهار يهير، وتهوّر البناء وتهيّر، فقدمت اللام وهي الراء على العين وهي الواو أو الياء فصار كغاز ورام فأعلّ بالنقص كإعلالهما فوزنه بعد القلب فالع ثم نزله بعد الحذف على فال، والقول الثاني أنه حذفت عينه اعتباطا أي لغير موجب وعلى هذا فتجري وجوه الإعراب على لامه فيقال هذا هار ورأيت هارا ومررت بهار ووزنه أيضا فال والقول الثالث أنه لا قلب فيه ولا حذف وأن أصله هورا وهير فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفا فتجري وجوه الاعراب أيضا كالذي قبله كما تقول هذا باب ورأيت بابا ومررت بباب وهذا أعدل الوجوه لاستراحته من ادعاء القلب والحذف اللذين هما على خلاف الأصل ولكنه غير مشهور عند أهل التصريف ومعنى هار متداع وساقط ومنهال. * الإعراب: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) جملة اعملوا مقول القول والفاء الفصيحة والسين بالنظر للمجازاة لا للعلم لأن العلم حاصل غير متقيد بزمان والله فاعل يرى وعملكم مفعوله ورسوله والمؤمنون معطوفان على الله. (وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) عطف على سيرى والى عالم جار ومجرور متعلقان بتردون والغيب مضاف اليه والشهادة معطوف على الغيب (فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الفاء عاطفة وبما متعلقان بينبئكم وجملة كنتم تعملون صلة ما. (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ) عطف نسق على ما تقدم أي وآخرون اعترفوا ومرجون صفته ولأمر الله متعلقان بمرجون يعني وآخرون من المتخلفين موقوف أمرهم. (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) إما حرف شرط وتفصيل ويعذبهم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به والجملة نصب على الحال أي هم مؤخرون إما معذبين وإما متوبا عليهم وإما هنا للشك بالنسبة للمخاطب وإما للابهام بالنسبة لله تعالى بمعنى أنه تعالى أبهم أمرهم ومصيرهم على المخاطبين ويجوز أن نعرب آخرون مبتدأ ومرجون صفته وجملة إما يعذبهم خبر آخرون وإما يتوب عليهم عطف والله مبتدأ وعليم حكيم خبراه. (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) لك في الذين وجهان: النصب على الاختصاص بالذم ومثله قوله تعالى «والمقيمين الصلاة» على الاختصاص بالمدح والرفع على الابتداء والخبر محذوف معناه فيمن وصفنا الذين اتخذوا كقوله تعالى «والسارق والسارقة» وهذا الوجه ارتضاه سيبويه وقد تقدم قوله وافيا فيه وتقديره: فيما يتلى عليكم الذين فحذف الخبر وأبقى المبتدأ. والواو استئنافية على كل حال وجملة اتخذوا صلة ومسجدا مفعول به وضرارا مفعول ثان لاتخذوا أو مفعول لأجله أو مفعول مطلق أي يضارون بذلك ضرارا أو حال أي مضارين لإخوانهم، وكل هذه الأوجه متساوية الرحجان، وكفرا وتفريقا عطف على ضرارا وبين ظرف متعلق بتفريقا. (وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) وارصادا عطف أيضا ولمن حارب الله متعلقان بإرصادا وجملة حارب الله صلة ومن قبل جار ومجرور متعلقان بحارب. (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى) اللام واقعة في جواب قسم مقدر وإن نافية وأردنا فعل وفاعل والجملة جواب القسم وإلا أداة حصر والحسنى مفعول أردنا. (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) الواو عاطفة والله مبتدأ وجملة يشهد خبر وإن وما في حيزها مفعول يشهد وان واسمها واللام المزحلقة وكاذبون خبرها وستأتي قصة مسجد الضرار في باب الفوائد. (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً) لا ناهية وتقم فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وفيه جار ومجرور متعلقان بتقم وأبدا ظرف متعلق بتقم أيضا أي لا تصل فيه أبدا. (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) اللام للابتداء ومسجد مبتدأ وجملة أسس على التقوى صفة لمسجد وعلى التقوى جار ومجرور متعلقان بأسس وأحق خبره ومن أول يوم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أو بأسس وأن تقوم مصدر منصوب بنزع الخافض أي بأن تقوم فيه وهو متعلق بأحق وفيه متعلقان بتقوم. (فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) فيه خبر مقدم ورجال مبتدأ مؤخر وجملة يحبون صفة لرجال وان وما في حيزها مفعول يحبون أي يحبون الطهارة من الذنوب والحوبات والمعاصي وقيل من الذنوب طهارة الباطن ومن الأحداث طهارة الظاهر والله مبتدأ وجملة يحب المطهرين خبر (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ) الهمزة للاستفهام التقريري والفاء عاطفة على مقدر أي أبعد ما علم حالهم أفمن أسس بنيانه على تقوى إلخ، ومن مبتدأ وجملة أسس بنيانه صلة وعلى تقوى جار ومجرور متعلقان بأسس ومن الله صفة لتقوى ورضوان عطف على تقوى وخير خبر لمن (أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ) أم حرف عطف ومن معطوفة على من الأولى وخبرها محذوف تقديره خير وعلى شفا جرف هار متعلقان بأسس (فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) الفاء عاطفة وانهار عطف على أسس وفاعله إما ضمير البنيان وإما ضمير الجرف وهو أولى لأن انهياره يترتب عليه انهيار الشفا والبنيان جميعا ولا يلزم من انهيارهما أو انهيار أحدهما انهياره وبه متعلقان بانهار إذا كانت الباء للتعدية وبمحذوف حال إن كانت للمصاحبة وكلاهما جائز والله مبتدأ وجملة لا يهدي القوم الظالمين خبر. (لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ) بنيانهم اسم لا يزال والذي صفة بنيانهم وجملة بنوا صلة وريبة خبر لا يزال وفي قلوبهم صفة لريبة. (إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) استثناء من أعم الأزمنة فالمستثنى منه على هذا محذوف أي لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت من الأوقات إلا وقت تقطيع قلوبهم وأن مصدرية وتقطع أصلها تتقطع منصوب بها وقلوبهم فاعل والله مبتدأ وعليم حكيم خبراه. * البلاغة: اشتملت هذه الآيات على فنون من البلاغة ندرجها فيما يلي: 1- فن الترديد وهو أن يعلق المتكلم لفظة من الكلام بمعنى ثم يردها بعينها ويعلقها بمعنى آخر كقوله تعالى «ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة» فيعلمون الأولى منفية والثانية مثبتة ولكل من المعنيين مناسبة اقتضت ذلك المعنى وقوله الذي نحن بصدده «لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا» ففيه الاولى متعلقة بتقوم وفيه الثانية خبر مقدم ولكل منهما معنى. ومن أمثلة الترديد في الشعر بيت ورد في أبيات قالها سيف الدولة وذلك انه كانت له جارية من بنات الروم لا يرى الدنيا إلا بها ويشفق عليها من الريح الهابة فحسدتها سائر حظاياه على لطف محلها منه وأزمعن إيقاع مكروه بها من سم أو غيره وبلغ سيف الدولة ذلك فأمر بنقلها إلى بعض الحصون احتياطا على روحها وقال في ذلك: راقبتني العيون فيك فأشفقت ولم أخل قط من إشفاق ورأيت العذول يحسدني فيك مجدّا يا أنفس الأعلاق فتسنيت أن تكوني بعيدا ... والذي بيننا من الود باق رب هجر يكون من خوف هجر ... وفراق يكون خوف فراق 2- الاستعارة: في قوله تعالى «أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله» أي على قاعدة راسخة ثابتة وطيدة هي التقوى من الله فشبه التقوى والرضوان بقاعدة يعتمد عليها البناء تشبيها مضمرا في النفس، وأسس بنيانه تخييل على قاعدة الاستعارة التصريحية. 3- الاستعارة التمثيلية في انهيار البناء القائم على شفا جرف هار. شبّه عدم القيام بأمور الدين بمن بني بنيانه على شفا فهو يسقط به فالمشبه به البناء على محل آيل للسقوط والمشبه هو ترتيب أحكام الدين وأعماله على الكفر والنفاق. * الفوائد: قصة مسجد الضرار: روى التاريخ أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم أخوتهم بنو غنم بن عوف وقالوا نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله بصلي فيه، ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام ليثبت لهم الفضل والزيادة على إخوتهم وهو الذي سماه رسول الله الفاسق وقال لرسول الله يوم أحد: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن خرج هاربا إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فاني ذاهب إلى قيصر وآت بجنود ومخرج محمدا وأصحابه من المدينة فبنوا مسجدا بجنب مسجد قباء وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم بنينا مسجدا لذوي العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعوا لنا بالبركة فقال النبي: إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت عليه فدعا بمالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا فقال لهم انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.