الباحث القرآني

* اللغة: (الإلّ) اختلف اللغويون والمفسرون في هذه الكلمة اختلافا شديدا. قال في أساس البلاغة: «لا يرقبون في مؤمن إلّا ولا ذمة» أي قرابة، وفي القاموس وشروحه: الإلّ العهد والجار والأصل الجيد والعداوة والحقد، وقال أبو عبيدة: إن المراد به العهد، وقال الفراء: إن المراد به القرابة، وقال آخرون: إن الإل هو الجؤار وهو رفع الصوت عند التحالف، وذلك أنهم كانوا إذا تحالفوا جأروا بذلك جؤارا، وقيل هو من أل البرق إذ لمع، ويجمع الإل في القلة على آلّ، والأصل أألل بزنة أفلس فأبدلت الهمزة الثانية ألفا لكونها بعد أخرى مفتوحة وأدغمت اللام في اللام، وأنشد لحسان بن ثابت: لعمرك إن إلّك من قريش ... كإلّ السقب من رأل النعام وهذا صريح في أن معناه: القرابة، والسقب خوار الناقة، والرأل ولد النعام، ومعنى البيت: وحياتك إن قرابتك من قريش بعيدة أو معدومة كقرابة ولد الناقة من ولد النعام. وقال الزجاج: «الإل عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدة، ومنه الألة للحربة، ومنه أذن مؤللة أي محددة، ومنه قول طرفة بن العبد يصف أذني ناقته بالحدة والانتصاب: مؤللتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي شاة بحومل مفرد * الإعراب: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ) الواو استئنافية وإن شرطية وأحد مرتفع بفعل الشرط مضمرا يفسره الظاهر تقديره: وإن استجارك أحد استجارك ولا يرتفع بالابتداء لأن الشرط يقتضي الفعل وإن من عوامل الفعل لا تدخل على غيره، والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين لا عهد بينك وبينه فاستأمنك فأمنه، ومن المشركين صفة وجملة استجارك مفسرة (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) الفاء رابطة وأجره فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وحتى حرف غاية وجر ويسمع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والجار والمجرور متعلقان بأجره وكلام الله مفعول به. (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) ثم حرف عطف وأبلغه فعل أمر ومفعول به أول ومأمنه مفعول به ثان. (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) ذلك مبتدأ أي ذلك الأمر يعني الأمر بالإجارة وإبلاغ المأمن. وبأنهم خبر وقوم خبر إن وجملة لا يعلمون صفة. (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ) هذا تركيب تجوز فيه أعاريب عديدة متساوية في الأرجحة: فكيف اسم استفهام في معنى الاستنكار والاستبعاد خبر مقدم ليكون وعهد اسم يكون مؤخر وللمشركين حال ويجوز أن يكون الخبر للمشركين وكيف حال. ويجوز أن يكون قوله عند الله هو الخبر وكيف حال أيضا من العهد أما في الوجهين السابقين فتكون عند ظرفا للعهد وعند رسوله عطف على عند الله. (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) تقدم القول في مثل هذا الاستثناء وأنه يجوز فيه الانقطاع والاتصال. (فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) الفاء استئنافية وما مصدرية ظرفية وهي في محل نصب على الظرف أي فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم ويجوز أن تكون شرطية وحينئذ ففي محلها وجهان أولهما: النصب على الظرفية الزمانية والتقدير أي زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم، ونظره أبو البقاء بقوله تعالى: «ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها» والثاني أنها في محل رفع مبتدأ وفي الخبر القول المشهور في خبر أداة الشرط، واستقاموا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط إن اعتبرت شرطية والفاء رابطة على كل حال واستقيموا فعل أمر وفاعل. هذا وقد أجاز ابن مالك في ما المصدرية الزمانية أن تكون شرطية جازمة في وقت واحد قال أبو البقاء ولا يجوز أن تكون نافية لفساد المعنى إذ يصير المعنى استقيموا لهم لأنهم لم يستقيموا لكم وذلك باطل وإن الله إن واسمها وجملة يحب المتقين خبرها. (كَيْفَ؟ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً) كيف تكرار لما تقدم لاستبعاد ثبات المشركين على العهد وحذف الفعل لكونه معلوما أي فهو حال أو خبر كان المحذوفة وقد ورد هذا الحذف في أشعارهم، قال كعب الغنوي يرثي أخاه: وخبر تماني انما الموت بالقرى ... فكيف وهاتا هضبة وقليب أي كيف مات أخي فيها، والقليب البئر لأنه قلب ترابه من بطن الأرض إلى ظهرها. وإن الواو للحال وإن شرطية ويظهروا فعل الشرط وعليكم جار ومجرور متعلقان به ولا يرقبوا جواب الشرط وفيكم متعلقان بيرقبوا وإلّا مفعول به وذمة عطف عليه. (يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لوصف حالهم من مغايرة ظاهرهم لباطنهم، بأفواههم جار ومجرور متعلقان بيرضونكم وتأبى قلوبهم عطف عليه أي أن كلامهم مزوق مزخرف قد يروق سامعه ولكنه لا ينطوي على أي صدق لأن الضغن الساكن في قلوبهم يمنعهم من تحقيق كلامهم المعمول، وأكثرهم مبتدأ وفاسقون خبر أي أنهم خلعاء فجرة لا يأبهون لمعرة ولا يعبئون بما يقال فيهم من سيء الأحدوثة. (اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا) أي استبدلوا بآيات الله ثمنا قليلا وهو انسياقهم مع الأهواء وانجرارهم مع الشهوات والآثام، وثمنا مفعول اشتروا وقليلا صفة. (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) يجوز في ساء أن يكون على بابه من التصرفه والتعدي فتكون ما فاعلا والمفعول به محذوف أي ساءهم الذي كانوا يعملونه أو عملهم إذا جعلت ما مصدرية، ويجوز أن يكون جاريا مجرى بئس فيحول إلى فعل بالضم ويمتنع تصرفه ويصير للذم ويكون المخصوص بالذم محذوفا وقد سبق تقرير ذلك. (لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً) تقدم اعراب نظيرها وكررها زيادة في تقبيح حالهم واستهجان مآلهم. (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) تقدم أيضا ويجوز أن يكون هم ضمير فصل أو مبتدأ ثانيا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.