الباحث القرآني

* الإعراب: (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ) استئناف مسوق لبيان قصة ثعلبة بن حاطب وهو نموذج مجسّد للنفاق وسيأتي حديثه في باب الفوائد، ومنهم خبر مقدم ومن موصول مبتدأ مؤخر وجملة عاهد الله صلة. (لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) اللام موطئة للقسم وإن شرطية وآتانا فعل ماض ونا مفعول به وهو فعل الشرط ولنصدقن جواب القسم وجواب الشرط محذوف واللام في لنصدقن واقعة في جواب القسم ولا يمتنع الجمع بين القسم واللام الموطئة له. ولنكونن عطف على لنصدقن ومن الصالحين خبر نكونن والاسم مستتر تقديره نحن (فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة وآتاهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به ومن فضله جار ومجرور متعلقان بآتاهم وجملة بخلوا به لا محل لها وتولوا عطف على بخلوا والواو حالية وهم مبتدأ ومعرضون خبر. (فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) الفاء عاطفة وأعقبهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول ونفاقا مفعول به ثان وفي قلوبهم صفة نفاقا أي متمكنا راسخا في قلوبهم والى يوم حال أي ممتدا وجملة يلقونه مضاف إليها الظرف. (بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ) الباء حرف جر للسببية وما مصدرية أي بسبب إخلافهم الله الوعد والله مفعول أخلفوا وما مصدرية وهي وما في حيزها مفعول أخلفوا وبما كانوا يكذبون عطف على ما تقدم مماثل له في الإعراب. (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) الهمزة للاستفهام الإنكاري ويعلموا مضارع مجزوم بلم وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يعلموا وسرهم مفعول يعلم ونجواهم عطف على سرهم وأن الله علام الغيوب أن واسمها وخبرها وهي معطوفة على أن الاولى (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ) الذين في محل خبر لمبتدأ محذوف أي هم أو مبتدأ ويلمزون صلة والمطوعين مفعول به ومن المؤمنين حال وفي الصدقات متعلقان بيلمزون أي يعيبونهم فيها. (وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) عطف على الذين يلمزون وإلا أداة حصر وجهدهم مفعول يجدون. (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ) عطف على يلمزون ومنهم متعلقان بيسخرون. (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) جملة سخر الله منهم خبر الذين ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفة. (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) أمر يراد به الخبر كأنه قيل لن يغفر الله لهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، وأو للتخبير والعطف ولا ناهية وتستغفر مجزوم بلا ولهم متعلقان بالفعل وسيأتي مزيد بحث عنه في باب البلاغة. (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) إن شرطية وتستغفر فعل الشرط ولهم متعلق بتستغفر وسبعين ظرف خلافا لأبي البقاء إذ أعربها مفعولا مطلقا ولكن ورود مرة بعدها وهي ظرف أكدت حتمية كونها ظرفا ومرة تمييز والسبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير، قال علي بن أبي طالب: لأصبحن العاصي وابن العاصي ... سبعين ألفا عاقدي النواصي والفاء رابطة ولن حرف ناصب ويغفر منصوب بلن والله فاعل ولهم متعلق بيغفر. (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) ذلك مبتدأ وبأنهم خبر وأن وما في حيزها مصدر مجرور بالباء وجملة كفروا خبر أن وبالله متعلقان بكفروا ورسوله عطف على الله والله مبتدأ وجملة لا يهدي خبر والقوم مفعول به والفاسقين نعت. * البلاغة: في قوله تعالى: «استغفر لهم أو لا تستغفر لهم» خروج الأمر والنهي عن معناهما الأصلي إلى معنى آخر وهو التسوية كقول كثير عزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت كأنه يقول لها امتحني محلك عندي وقوة محبتي لك وعامليني بالإساءة والإحسان وانظري هل يتفاوت حالي معك مسيئة أو محسنة وكذلك معنى الآية استغفر لهم أو لا تستغفر لهم وانظر هل يغفر لهم في حالتي الاستغفار وتركه وهو من أبلغ الكلام. * الفوائد: قصة ثعلبة بن حاطب: 1- وهذه قصة رائعة يتجسد فيها النفاق ونلخصها لطولها ولعل القارئ يرجع إليها في المطولات، روى التاريخ أن ثعلبة بن حاطب سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له أن يرزقه الله مالا ويؤدي منه كل ذي حق حقه فدعا له فوسع عليه وكان ثعلبة صحيح الإسلام في ابتداء أمره وكان ملازما لمسجد رسول الله حتى لقب بحمامة المسجد فلما تم له الرزق الوفير انقطع عن الجمعة والجماعة ومنع الزكاة إلى آخر تلك القصة الفريدة في التاريخ. 2- قاعدة هامة: قد يوضع الطلب موضع الخبر للرضاء بالواقع حتى كأنه مطلوب، وعليه قول كثير: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلّت أي لا ملومة أنت لدينا ولا مبغوضة فذكر لفظ الأمر ثم عطف عليه بلفظ أو، فالأمر يفيد الإساءة والمعنى على الإخبار أي نحن راضون بما تفعلين لا نلومك أسأت أم أحسنت ولا نبغضك إن أبغضت ففيه تنبيه على إظهار مزيد الرضا بكل ما اختارته عزة في حقه وتنبيه على عدم تفاوت جواب كثير بتفاوت ما اختارت عزة وعليه الآية الكريمة الآنفة الذكر فإنه لا يتفاوت عدم غفران الله لهم بتفاوت استغفار الرسول عليه السلام وقوعا وعدم وقوع، فإن مقتضى المقام هاهنا هو الإخبار لا الأمر لأنه لا يصح أن يحمل هاهنا على حقيقة الأمر وهو طلب شيء مع ضده. وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة ونحوها في التكثير لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد وكأنه العدد بأسره، وتوضيح هذا الكلام أن السبعة أول عدد كامل حيث جمعت العدد كله لأن العدد أزواج وأفراد، فالأزواج والأفراد منها أول وثان فالاثنان أول الأزواج والأربعة زوج ثان والثلاثة أول الافراد والخمسة فرد ثان فإذا جمعت الزوج الأول مع الفرد الثاني أو الفرد الأول مع الزوج الثاني كانت سبعة، وهذه الخاصة لا توجد في عدد قبل السبعة، وقيل: إن العرب تبالغ في العدد بالسبعة لأن التعديل في نصف العقد وهو خمسة، إذا زيد عليه واحد كان لأدنى المبالغة، وإذا زيد عليه اثنان كان لأقصى المبالغة، ولا زيادة على ذلك، ولذلك قالوا للأسد سبع لأنه قد ضوعفت قوته سبع مرات، ثم سبعون غاية الغايات لأن غاية الآحاد العشرات فمعنى الآية أنه تعالى لا يغفر لهم وإن استغفرت بكل الأعداد دائما.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.