الباحث القرآني

أَنْ في موضع رفع اسم كان ووَحْياً يكون مصدرا في موضع الحال، كما تقول: جاء فلان مشيا، ويجوز أن يكون منصوبا على أنه مصدر أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ هذه قراءة أكثر الناس، وقرأ نافع أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [[انظر تيسير الداني 158، وكتاب السبعة لابن مجاهد 582.]] بالرفع فَيُوحِيَ بإسكان الياء، ولا نعلمه يروى إلّا عن نافع إلّا أنه قال: لم أقرأ حرفا يجتمع عليه رجلان من الأئمة فلهذا قال عبد الله بن وهب: قراءة نافع سنّة. قال أبو جعفر: فأما القول في نصب «يرسل» و «يوحي» ورفعهما فقد جاء به سيبويه عن الخليل بما فيه كفاية لمن تدبّره ونمليه نصا كما قال ليكون أشفى. قال سيبويه [[انظر الكتاب 3/ 55.]] : سألت الخليل عن قول الله جلّ وعزّ: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ فزعم أن النصب محمول على «أن» سوى هذه ولو كانت هذه الكلمة على «أن» هذه لم يكن للكلام وجه، ولكنه لما قال: إِلَّا وَحْياً كان في معنى إلّا أن يوحي وكان «أو يرسل» فعلا لا يجري على «إلّا» فأجري على «أن» هذه كأنه قال: إلّا أن يوحي أو يرسل لأنه لو قال: إلّا وحيا وإلا أن يرسل كان حسنا: وكان أن يرسل بمنزلة الإرسال فحملوه على «أن» إذ لم يجز أن يقولوا: أو إلا يرسل فكأنه قال: إلّا وحيا أو أن يرسل. وقال الحصين بن حمام المرّي: [الطويل] 404- ولولا رجال من رزام أعزّة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما [[الشاهد للحصين في خزانة الأدب 3/ 324، والكتاب 3/ 55، والدرر 4/ 78، وشرح اختيارات المفضّل 334، وشرح التصريح 2/ 244، وشرح المفصّل 3/ 50، والمقاصد النحوية 4/ 411، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب 1/ 272، والمحتسب 1/ 326، وهمع الهوامع 2/ 10.]] يضمر «أن» وذلك لأنه امتنع أن يجعل الفعل على لولا فأضمر «أن» كأنه قال: لولا ذاك أو لولا أن أسؤك. وبلغنا أن أهل المدينة يرفعون هذه الآية وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ فكأنه- والله أعلم- قال الله لا يكلّم البشر إلّا وحيا أو يرسل رسولا أي في هذه الحال. وهذا كلامه إياهم، كما تقول العرب: تحيّتك الضرب، وعتابك السيف، وكلامك القتل، قال عمرو بن معدي كرب: [الوافر] 405- وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحيّة بينهم ضرب وجيع [[الشاهد لعمرو بن معد يكرب في ديوانه 149، وخزانة الأدب 9/ 252، والكتاب 2/ 335، وشرح أبيات سيبويه 2/ 200، ونوادر أبي زيد 150، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 1/ 345، والخصائص 1/ 368، وشرح المفصل 2/ 80، والمقتضب 2/ 20.]] وسألت الخليل رحمه الله عن قول الأعشى: [البسيط] 406- إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل [[مرّ الشاهد رقم (156) .]] فقال: الكلام هاهنا على قولك يكون كذا أو يكون كذا ما كان موضعها لو قال فيه: أتركبون، لم ينتقض المعنى صار بمنزلة «ولا سابق شيئا» [[يشير إلى قول زهير: تبيّنت أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيا إذا كان جاثيا]] وأما يونس فقال: أرفعه على الابتداء كأنه قال: أو أنتم نازلون، وعلى هذا الوجه فسر الرفع في الآية كأنه قال: أو هو يرسل رسولا، كما قال طرفة: [الطويل] 407- أو أنا مفتدى [[الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه 36، والكتاب 3/ 54، وشرح أبيات سيبويه 2/ 48: «ولكن مولاي امرؤ هو خالقي ... على الشكر والتساؤل أو أنا مفتدى»]] وقول يونس أسهل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.