الباحث القرآني

(إيا) ضمير منفصل للمنصوب، واللواحق التي تلحقه من الكاف والهاء والياء في قولك: إياك، وإياه، وإياى، لبيان الخطاب والغيبة والتكلم، ولا محل لها من الإعراب، كما لا محل للكاف في أرأيتك، وليست بأسماء مضمرة، وهو مذهب الأخفش وعليه المحققون، وأما ما حكاه الخليل عن بعض العرب: «إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب» فشيء شاذ لا يعوّل عليه، وتقديم المفعول لقصد الاختصاص، كقوله تعالى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ) ، (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) . والمعنى نخصك بالعبادة، ونخصك بطلب المعونة. وقرئ: إياك بتخفيف الياء، وأياك بفتح الهمزة والتشديد، وهياك بقلب الهمزة هاء. قال طفيل الغنوي: فَهَيَّاكَ والأَمْرَ الَّذِى إنْ تَرَاحَبَتْ ... مَوَارِدُهُ ضاقَتْ عليْكَ مَصادِرُهُ [[لمضرس بن ربعي، وقيل لطفيل، وهياك: أصله إياك، قلبت همزته هاء، وهو في محل نصب بمحذوف وجوبا، والأمر: عطف عليه، والأصل: احذر تلاقى نفسك والأمر فحذف ما عدا ضمير الخطاب وما عطف عليه لكثرة الاستعمال، ولأن مقام التحذير يقتضى السرعة وإيجاز الكلام، وقيل أصله: باعد نفسك من الأمر وباعد الأمر من نفسك، فحذف لذلك، وشبه أسباب الدخول في الأمر بالموارد: أى مواضع الورود إلى نحو الماء، وأسباب الخروج منه بالمصادر: أى مواضع الصدور: أى الرجوع، فكل منهما استعارة تصريحية، وأما تشبيه الأمر بشيء له موارد ومصادر كالماء على طريقة المكنية، فهو خارج عن قانون البيان لأن الأمر يطلق على كل شيء، فتخصيصه بغير نحو الماء ثم تشبيهه به، بالقصد لا بالوضع. ويروى هكذا: فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر فما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر أى فليس عذر المرء لنفسه حسناً: أى قبوله لاعتذارها بعد وقوعها في الورطة، وقوله: وليس له الخ: جملة حالية وعلى هذا فحقه حرف الراء.]] والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل. ومنه ثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة وقوّة النسج، ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع للَّه تعالى، لأنه مولى أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع. فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات في علم البيان قد يكون [[قوله «في علم البيان قد يكون» لعله وقد، وعبارة النسفي: وهو قد يكون. (ع)]] من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) . وقوله تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ) . وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات: [[قال محمود رحمه اللَّه: «وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: يعنى أنه ابتدأ بالخطاب ثم التفت إلى الغيبة، ثم إلى التكلم وعلى هذا فهما التفاتان لا غير، وإنما أراد الزمخشري واللَّه أعلم أنه أتى بثلاثة أساليب: خطاب لحاضر، وغائب، ولنفسه، فوهم بقوله ثلاث التفاتات، أو تجعل الأخير ملتفتا التفاتين عن الثاني وعن الأول فيكون ثلاثا، والأمر فيه سهل.]] تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بالإثْمدِ ... ونَامَ الخَلِىُّ ولَم تَرْقُدِ وبَاتَ وباتَتْ لهُ لَيْلةٌ ... كلَيْلةِ ذِى العائرِ الأرْمَدِ وذلِكَ مِنْ نَبَإ جَاءَنى ... وخُبِّرْتُهُ عن أَبى الأَسْوَدِ [[لامرئ القيس بن حجر الجاهلى، وقال ابن هشام: هو غلط، وقائله امرؤ القيس بن عابس الصحابي، وقيل لعمرو بن معديكرب، والأثمد كأحمد، وقد تضم ميمه، وقد يروى بكسرها: اسم موضع، والعائر اسم جامد يطلق على قذى تدمع منه العين، وعلى الرمد، وعلى كل ما أعل العين، وفي الشعر ثلاث التفاتات، لكن الأول على مذهب السكاكي فقط: وهو أنه كان الظاهر التعبد بطريق التكلم فالتفت إلى الخطاب وذلك في البيت الأول. والثاني: عدوله عن الخطاب إلى الغيبة في الثاني. والثالث: التفاته عن الغيبة إلى التكلم في الثالث. والجمهور يجعلون الأول من قبيل التجريد. وأبو الأسود: كنية صاحب الشاعر الذي يرثيه، وقيل هو المخبر واسمه ظالم بن عمرو وهو عم امرئ القيس. وقيل أبى مضاف لياء المتكلم والأسود صفته، ويروى: عن بنى الأسود.]] وذلك على عادة افتنانهم في الكلام وتصرفهم فيه، ولأنّ الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أنّ العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به. فإن قلت: لم قرنت الاستعانة بالعبادة؟ قلت: ليجمع بين ما يتقرّب به العباد إلى ربهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته. فإن قلت: فلم قدّمت العبادة على الاستعانة؟ [[قال محمود رحمه اللَّه: «فان قلت لم قدمت العبادة على الاستعانة ... الخ» . قال أحمد: معتقد أهل السنة أن العبد لا يستوجب على ربه جزاء- تعالى اللَّه عن ذلك- والثواب عندنا- من الاعانة في الدنيا على العبادة ومن صنوف النعيم في الآخرة- ليس بواجب على اللَّه تعالى، بل فضل منه وإحسان. وفي الحديث «أنه عليه الصلاة والسلام قال: لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته» مضافا إلى دليل العقل المحيل أن يجب على اللَّه تعالى شيء، لكن قام الدليل عقلا وشرعا على أنه تعالى لا يجب عليه شيء، فقد قام عقلا وشرعا على أن خبره تعالى صدق ووعده حق، أى يجب عقلا أن يقع، فاما أن يكون الزمخشري تسامح في إطلاق الاستيجاب وأراد وجوب صدق الخبر، وإما أن يكون أخرجه على قواعد البدعية في اعتقاد وجوب الخير على اللَّه تعالى وإن لم يكن وعد.]] قلت: لأنّ تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة ليستوجبوا الإجابة إليها. فإن قلت: لم أطلقت الاستعانة؟ قلت: ليتناول كل مستعان فيه، والأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله: اهْدِنَا بيانا للمطلوب من المعونة، كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم، وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض. وقرأ ابن حبيش: نستعين، بكسر النون.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب