الباحث القرآني

قرئ أَإِنَّكَ على الاستفهام. وأنك، على الإيجاب. وفي قراءة أبىّ: أإنك أو أنت يوسف، على معنى أإنك يوسف أو أنت يوسف، فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه، وهذا كلام متعجب مستغرب لما يسمع، فهو يكرر الاستثبات. فإن قلت: كيف عرفوه؟ قلت: رأوا في روائه [[قوله «قلت رأوا في روائه» بالضم، أى منظره. أفاده الصحاح. (ع)]] وشمائله حين كلمهم بذلك ما شعروا به أنه هو، مع علمهم بأنّ ما خاطبهم به لا يصدر مثله إلا عن حنيف مسلم من سنخ إبراهيم، لا عن بعض أعزاء مصر. وقيل: تبسم عند ذلك فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم. وقيل: ما عرفوه حتى رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه كانت ليعقوب وسارة مثلها، تشبه الشامة البيضاء. فإن قلت: قد سألوه عن نفسه فلم أجابهم عنها وعن أخيه؟ على أن أخاه كان معلوماً لهم. قلت: لأنه كان في ذكر أخيه بيان لما سألوه عنه مَنْ يَتَّقِ من يخف الله وعقابه وَيَصْبِرْ عن المعاصي وعلى الطاعات فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجرهم، فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين والصابرين لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا أى فضلك علينا بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين. وإنّ شأننا وحالنا أنا كنا خاطئين متعمدين للإثم، لم نتق ولم نصبر، لا جرم أنّ الله أعزّك بالملك وأذلنا بالتمسكن بين يديك لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ لا تأنيب عليكم ولا عتب. وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش. ومعناه: إزالة الثرب، كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع [[قوله «والقرع» في الصحاح «القرع» بالتحريك: بثر أبيض، يخرج بالنصال. والتقريع: معالجة الفصيل من القرع، وينزع ذلك منه. (ع)]] ، لأنه إذا ذهب كان ذلك غاية الهزال والعجف الذي ليس بعده، فضرب مثلا للتقريع الذي يمزق الأعراض ويذهب بماء الوجوه. فإن قلت: بم تعلق اليوم؟ [[قال: «فان قلت بم تعلق اليوم في قوله لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ... الخ» ؟ قال أحمد: وهذا المعنى إنما يتوجه على الاعراب الأول وهو الأوجه. ألا ترى إلى قولهم بعد ذلك يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ وقوله سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي دل على أنهم كانوا بعد في عهدة الذنب، ولو كان متعلقا بيغفر للزم أن يقطعوا بغفران ذنبهم حينئذ باخبار النبي الصديق. ويحتمل أن يقال: إنما أراد مغفرة ما يرجع إلى حقه دون حق أبيه، إذ الإثم كان مشتركا بينهما، والله أعلم.]] قلت: بالتثريب، أو بالمقدر في عَلَيْكُمُ من معنى الاستقرار. أو بيغفر. والمعنى: لا أثر بكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم بغيره من الأيام، ثم ابتدأ فقال يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم. يقال: غفر الله لك، ويغفر الله لك، على لفظ الماضي والمضارع جميعاً. ومنه قول المشمت «يهديكم الله ويصلح بالكم» والْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ بشارة بعاجل غفران الله، لما تجدّد يومئذ من توبتهم وندمهم على خطيئتهم. وروى أن رسول الله ﷺ أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح، فقال لقريش: ما ترونني فاعلا بكم؟ قالوا: نظن خيراً، أخ كريم وابن أخر كريم، وقد قدرت. فقال: أقول ما قال أخى يوسف: لا تثريب عليكم اليوم [[أخرجه النسائي والبيهقي من رواية ثابت عن عبد الرحمن بن رباح عن أبى هريرة بمعناه وأتم منه. وأخرجه الثعلبي من رواية سمعان عن عطاء عن ابن عباس بهذا اللفظ وأتم منه. وكذا ذكره ابن إسحاق عن بعض أهل العلم وقال فيه «قدرت فاسمح» وكذا أخرجه الواقدي في المغازي من حديث برة بنت تجراة. ورواه أبو عبيد في الأموال عن إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى حسين.]] . وروى أنّ أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس: إذا أتيت الرسول فاتل عليه لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ففعل، فقال رسول الله ﷺ: غفر الله لك ولمن علمك [[لم أجده]] . ويروى أن إخوته لما عرفوه وأرسلوا إليه: إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشية، ونحن نستحيى منك لما فرط منا فيك، فقال يوسف: إنّ أهل مصر وإن ملكت فيهم، فإنهم ينظرون إلىّ بالعين الأولى ويقولون سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتى، وأنى من حفدة إبراهيم اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا قيل هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف وكان من الجنة، أَمره جبريل عليه السلام أن يرسله إليه فإنّ فيه ريح الجنة، لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا عوفي يَأْتِ بَصِيراً يصر بصيراً، كقولك: جاء البناء محكما، بمعنى صار. ويشهد له فَارْتَدَّ بَصِيراً أو يأت إلىّ وهو بصير. وينصره قوله وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ أى يأتنى أبى، ويأتنى آله جميعاً وقيل: يهوذا هو الحامل، قال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم إليه، فأفرّحه كما أحزنته. وقيل: حمله وهو حاف حاسر [[قوله «وهو حاف حاسر» أى لا مغفر له ولا درع، أفاده الصحاح. (ع)]] من مصر إلى كنعان، وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب