الباحث القرآني

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً أى جعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة، فكفروا وتولوا، فأنزل الله بهم نقمته. فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون في قرى الأوّلين قرية كانت هذه حالها، فضربها الله مثلا لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها مُطْمَئِنَّةً لا يزعجها خوف، لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف رَغَداً واسعاً. والأنعم: جمع نعمة، على ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع. أو جمع نعم، كبؤس وأبؤس. وفي الحديث. نادى منادى النبي ﷺ بالموسم بمنى: «إنها أيام طعم ونعم فلا تصوموا [[لم أجده هكذا.]] » . فإن قلت: الإذاقة واللباس استعارتان، فما وجه صحتهما؟ والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار، فما وجه صحة إيقاعها عليه [[قال محمود: «إن قلت الاذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحة إيقاع الاذاقة على اللباس ... الخ» ؟ قال أحمد: وهذا الفصل من كلامه يستحق على علماء البيان أن يكتبوه بذوب التبر لا بالحبر، وقد نظر إليهما جميعاً في قوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ فاستعير الشراء لاختيارهم الضلالة على الهدى، وقد كانوا متمكنين من اختياره عليها، ثم جاء ملاحظا الشراء المستعار قوله فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ فاستعمل التجارة والربح ليناسب ذلك لاستعارة الشراء، ثم جاء ملاحظا الحقيقة الأصلية المستعار لها قوله وَما كانُوا مُهْتَدِينَ فانه مجرد عن الاستعارة، إذ لو قيل أولئك الذين ضلوا وما كانوا مهتدين، لكان الكلام حقيقة معرى عن ثوب الاستعارة والنظر إلى المستعار في بابه، كترشيح المجاز في بابه. ومنه: إذا الشيطان قصع في قفاها ... تنفقناه بالحبل التؤام فجعل الشيطان في قفاها قاصعاً ثم نافقاً، ثم جعله مستخرجا بالحبل المحكم المثنى كما يستخرج الحيوان من جحره، والشوط في هذا الفن البديع فطين، والله الموفق.]] ؟ قلت: أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمسّ الناس منها، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب: شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المرّ والبشع [[قوله «بما يدرك من الطعم المر والبشع» عبارة غيره: طعم المر والبشع، ولعله المر البشع بدون واو. (ع)]] . وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس: ما غشى الإنسان والتبس به من بعض الحوادث. وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس، فكأنه قيل: فأذاقه ما غشيهم من الجوع والخوف، ولهم في نحو هذا طريقان لا بد من الإحاطة بهما، فإن الاستنكار لا يقع إلا لمن فقدهما، أحدهما: أن ينظروا فيه إلى المستعار له، كما نظر إليه هاهنا. ونحوه قول كثير: غَمْرُ الرِّدَاءِ إذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكاً ... غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقَابُ المَالِ [[لكثير. والغمر: الكثير. وشبه العطاء بالرداء، لأنه يصون عرض صاحبه أو يستر فقر السائل، فاستعاره له على سبيل التصريحية وإضافة الغمر إليه تجريد، لأنه يلائم المشبه. هذا وقد يقال الغمر، يطلق على الماء الذي يغمر قامة المنغمس فيه، فيجوز أنه يشبه العطاء من حيث صونه عرض صاحبه بالرداء، فيكون استعارة مصرحة، وتكون إضافة الغمر إليه من إضافة المشبه به للمشبه، يجامع عموم كل ونفعه، والقرينة على كل ذلك قوله: إذا تبسم. شارعا في الضحك: غلقت لضحكته رقاب المال: يقال: غلق الرجل إذا ضجر وغضب، وغلق الرهن إذا ملكه المرتهن ولم يقدر صاحبه على فكه، وكانت تلك عادتهم. فالمعنى: إذا ضحك غضبت الأموال لعلها أنها ستؤخذ ويملكها غيره، أو ثبتت في أيدى السائلين وملكوها. ورقاب المال: مجاز مرسل، أى أعيانه.]] استعارة الرداء للمعروف، لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه. ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف [[قوله «ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف» في الصحاح الغمر الماء الكثير. وفيه «الاعتجار» لف العمامة على الرأس، وفيه «الضافي» السابغ. (ع)]] والنوال، لا صفة الرداء، نظر إلى المستعار له. والثاني: أن ينظروا فيه إلى المستعار، كقوله: يُنَازِعُنِى رِدَائِى عَبْدُ عَمْرٍو ... رُوَيْدَكَ يَا أَخَا عَمْرِو بْنِ بَكْر لِىَ الشّطْرُ الَّذِى مَلَكَتْ يَمِينِى ... وَدُونَكَ فَاعْتَجِرْ مِنْهُ بِشَطْرِ [[استعار المنازعة لتسببه في امتداد السيف إليه حتى توسط بينهما، كالشىء يتجاذبه اثنان. واستعار الرداء السيف بجامع حفظ كل لصاحبه وعدم الاستغناء عنه. والاعتجار ترشيح، ومعناه: التعمم أو التلفع، فهو ملائم الرداء. ويحتمل أن التركيب كله من باب التمثيل. وعبد عمرو: فاعل. ورويدك: اسم فعل، بمعنى أمهل، والكاف حرف خطاب، قاله الجوهري. وبالنظر لأصله فهو مصدر، والكاف مضاف إليه، وفيه التفات. وبكر: أبو قبيلة. والشطر الذي ملكته يمينه: هو مقبض السيف. ودونك: اسم فعل بمعنى خذ» أى خذه فتلفع منه بالشطر الآخر وهو صدره، والأمر للاباحة، وفيه نوع تهكم»]] أراد بردائه سيفه، ثم قال: فاعتجر منه بشطر، فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقيل: فكساهم لباس الجوع والخوف، ولقال كثير: ضافى الرداء إذا تبسم ضاحكا وَهُمْ ظالِمُونَ في حال التباسهم بالظلم، كقوله الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ نعوذ بالله من مفاجأة النقمة والموت على الغفلة. وقرئ وَالْخَوْفِ عطفاً على اللباس، أو على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. أصله: ولباس الخوف. وقرئ: لباس الخوف والجوع.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب