الباحث القرآني

وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش، يعنى: بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم. وذلك قوله سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ وغير ذلك، فجعله كأن قد كان ووجد، فقال: أحاط بالناس على عادته في إخباره، وحين تزاحف الفريقان يوم بدر والنبي ﷺ في العريش مع أبى بكر رضى الله عنه كان يدعو ويقول: «اللهم إنى أسألك عهدك ووعدك» ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول «سيهزم الجمع ويولون الدبر» [[لم أجده هكذا فأما أوله ففي البخاري عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال وهو في قبته يوم بدر: اللهم إنى أنشدك عهدك ووعدك اللهم إنى أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم. فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبه. فخرج وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر»]] ولعلّ الله تعالى أراه مصارعهم في منامه، فقد كان يقول حين ورد ماء بدر «والله لكأنى أنظر إلى مصارع القوم» [[أخرجه مسلم من حديث أنس قال قال رسول الله ﷺ «هذا مصرع فلان ويضع يده على الأرض هاهنا. قال: فما ماط أحد عن موضع يده،]] وهو يومئ إلى الأرض ويقول: هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، فتسامعت قريش بما أوحى إلى رسول الله ﷺ من أمر يوم بدر وما أرى في منامه من مصارعهم، فكانوا يضحكون ويستسخرون ويستعجلون به استهزاء وحين سمعوا بقوله: «إن شجرة الزقوم طعام الأثيم» [[قال محمود: «افتتانهم بالشجرة أنهم حين سمعوا بقوله، إن شجرة الزقوم ... الخ» قال أحمد: والعمدة في ذلك أن النار لا تؤثر إحراقا في شيء، ولكن الله تعالى أجرى العادة أنه يخلق الحرق عند ملاقاة جسم النار لبعض الأجسام، فإذا كان ذلك من فعل الله لا من فعل النار فلله تعالى أن لا يفعل الحرق في الشجرة التي في أصل الجحيم.]] جعلوها سخرية وقالوا: إن محمدا يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة، ثم يقول ينبت فيها الشجر. وما قدر الله حق قدره من قال ذلك، وما أنكروا أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار! فهذا وبر السمندل وهو دويبة ببلاد الترك تتخذ منه مناديل، إذا اتسخت طرحت في النار فذهب الوسخ وبقي المنديل سالما لا تعمل فيه النار. وترى النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد الحمر كالجمر بإحماء النار فلا تضرها، ثم أقرب من ذلك أنه خلق في كل شجرة نارا فلا تحرقها، فما أنكروا أن يخلق [[قوله «فما أنكروا أن يخلق» عبارة النسفي: فجاز أن يخلق. (ع)]] في النار شجرة لا تحرقها. والمعنى: أنّ الآيات إنما يرسل بها تخويفا للعباد، وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر. فما كان ما أَرَيْناكَ منه في منامك بعد الوحى إليك إِلَّا فِتْنَةً لهم حيث اتخذوه سخريا وخوّفوا بعذاب الآخرة وشجرة الزقوم فما أثر فيهم، ثم قال فيهم وَنُخَوِّفُهُمْ أى نخوفهم بمخاوف الدنيا والآخرة فَما يَزِيدُهُمْ التخويف إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً فكيف يخاف قوم هذه خالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات. وقيل: الرؤيا هي الإسراء [[عاد كلامه. قال: «وأما الرؤيا فقيل الاسراء، وتعلق من جعله مناما بهذه الآية. وقيل: إنما سماها رؤيا على زعم المكذبين ... الخ» قال أحمد: ويبعد ذلك قوله تعالى طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ وقوله فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها والله أعلم.]] ، وبه تعلق من يقول: كان الإسراء في المنام، ومن قال: كان في اليقظة، فسر الرؤيا بالرؤية. وقيل: إنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له: لعلها رؤيا، رأيتها، وخيال خيل إليك، استبعاداً منهم، كما سمى أشياء بأساميها عند الكفرة، نحو قوله: فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ، أَيْنَ شُرَكائِيَ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ وقيل: هي رؤياه أنه سيدخل مكة. وقيل: رأى في المنام أن ولد الحكم يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة. فإن قلت: أين لعنت شجرة الزقوم في القرآن؟ قلت: لعنت حيث لعن طاعموها من الكفرة والظلمة، لأنّ الشجرة لا ذنب لها حتى تلعن على الحقيقة، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز. وقيل: وصفها الله باللعن، لأن اللعن الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة. وقيل: تقول العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون، وسألت بعضهم فقال: نعم الطعام الملعون القشب الممحوق [[قوله «الطعام الملعون القشب الممحوق» الخلط الضار يمزج بالطعام أو الشراب كالسم. والممحوق المذاب حتى يذهب عينه. أفاده الصحاح. وفيه «الكشوث» نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض، قال الشاعر: هو الكشوث فلا أصل ولا ورق ... ولا نسيم ولا ظل ولا ثمر (ع)]] . وعن ابن عباس: هي الكشوث التي تتلوى بالشجر يجعل في الشراب. وقيل: أبو جهل. وقرئ: والشجرة الملعونة بالرفع، على أنها مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قيل: والشجرة الملعونة في القرآن كذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب