الباحث القرآني

لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان. ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر- شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد. وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبىّ، ولأمر مّا أكثر اللَّه في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء. قال اللَّه تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) ومن سور الإنجيل سورة الأمثال. والمثل في أصل كلامهم: بمعنى المثل، وهو النظير. يقال: مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه. ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثل. ولم يضربوا مثلا، ولا رأوه أهلا للتسيير، ولا جديرا بالتداول والقبول، إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه. ومن ثمّ حوفظ عليه وحمى من التغيير. فإن قلت: ما معنى مثلهم كمثل الذي استوقد نارا، وما مثل المنافقين ومثل الذي استوقد نارا حتى شبه أحد المثلين بصاحبه؟ قلت: قد استعير المثل استعارة الأسد للمقدام، للحال أو الصفة أو القصة، إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا. وكذلك قوله: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أى وفيما قصصنا عليك من العجائب: قصة الجنة العجيبة. ثم أخذ في بيان عجائبها. وللَّه المثل الأعلى: أى الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة. (مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ) : أى صفتهم وشأنهم المتعجب منه. ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن. فإن قلت: كيف مثلت الجماعة بالواحد؟ قلت: وضع الذي موضع الذين، كقوله: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) والذي سوّغ وضع الذي موضع الذين، ولم يجز وضع القائم موضع القائمين ولا نحوه من الصفات أمران: أحدهما: أنّ «الذي» لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة بجملة، وتكاثر وقوعه في كلامهم، ولكونه مستطالا بصلته، حقيق بالتخفيف، ولذلك نهكوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا به على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين. والثاني: أن جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون. وإنما ذاك علامة لزيادة الدلالة. ألا ترى أن سائر الموصولات لفظ الجمع، والواحد فيهن واحد. أو قصد جنس المستوقدين. أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا. على أنّ المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد. ونحوه قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) ، وقوله: (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) . ووقود النار: سطوعها وارتفاع لهبها. ومن أخواته: وقل في الجبل إذا صعد وعلا، والنار: جوهر لطيف مضيء حارّ محرق. والنور: ضوءها وضوء كل نير، وهو نقيض الظلمة. واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأنّ فيها حركة واضطرابا، والنور مشتق منها. والإضاءة: فرط الإنارة. ومصداق ذلك قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً) ، وهي في الآية متعدية. ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى ما حوله. والتأنيث للحمل على المعنى لأنّ ما حول المستوقد أماكن وأشياء. ويعضده قراءة ابن أبى عبلة (ضاءت) . وفيه وجه آخر، وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار. ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها، على أنّ ما مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة. وحَوْلَهُ نصب على الظرف وتأليفه للدوران والإطافة. وقيل للعام: حول لأنه يدور. فإن قلت: أين جواب لما؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن جوابه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. والثاني: أنه محذوف كما حذف في قوله: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ) . وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس للدالّ عليه، وكان الحذف أولى من الإثبات لما فيه من الوجازة، مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار. فإن قلت: فإذا قدّر الجواب محذوفا فبم يتعلق (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) ؟ قلت: يكون كلاما مستأنفاً. كأنهم لما شبهت حالهم بحال المستوقد الذي طفئت ناره، اعترض سائل فقال: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟ فقيل له: ذهب اللَّه بنورهم. أو يكون بدلا من جملة التمثيل على سبيل البيان. فإن قلت: قد رجع الضمير في هذا الوجه إلى المنافقين فما مرجعه في الوجه الثاني؟ [[قوله «فما مرجعه في الوجه الثاني» لعله السابق. (ع)]] قلت: مرجعه الذي استوقد لأنه في معنى الجمع. وأما جمع هذا الضمير وتوحيده في: (حَوْلَهُ) ، فللحمل على اللفظ تارة، وعلى المعنى أخرى. فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إلى اللَّه تعالى في قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) ؟ قلت: إذا طفئت النار بسبب سماوي ريح أو مطر، فقد أطفأها اللَّه تعالى وذهب بنور المستوقد. ووجه آخر، وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا يرضاها اللَّه. ثم إما أن تكون ناراً مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النار متقاصرة مدّة اشتعالها قليلة البقاء. ألا ترى إلى قوله: (كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) ، وإما ناراً حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي، ويتهدوا بها في طرق العبث، فأطفأها اللَّه وخيب أمانيهم. فإن قلت: كيف صح في النار المجازية أن توصف بإضاءة ما حول المستوقد؟ قلت: هو خارج على طريقة المجاز المرشح فأحسن تدبره. فإن قلت: هلا قيل ذهب اللَّه بضوئهم؟ لقوله: (فَلَمَّا أَضاءَتْ) ؟ قلت: ذكر النور أبلغ لأنّ الضوء فيه دلالة على الزيادة. فلو قيل: ذهب اللَّه بضوئهم، لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، والغرض إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلا. ألا ترى كيف ذكر عقيبه وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ والظلمة عبارة عن عدم النور وانطماسه، وكيف جمعها، وكيف نكرها، وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة مبهمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله لا يُبْصِرُونَ. فان قلت: فلم وصفت بالإضاءة؟ قلت: هذا على مذهب قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل. ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت، ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح. والفرق بين أذهبه وذهب به، أن معنى أذهبه: أزاله وجعله ذاهبا. ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه. وذهب السلطان بماله: أخذه (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ) ، (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ) . ومنه: ذهبت به الخيلاء. والمعنى: أخذ اللَّه نورهم وأمسكه، (وما يمسك فلا مرسل له) فهو أبلغ من الإذهاب. وقرأ اليماني: أذهب اللَّه نورهم. وترك: بمعنى طرح وخلى، إذا علق بواحد، كقولهم: تركه ترك ظبى ظله. فإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير، فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة: فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ [[فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم فتركته جزر السباع ينشنه ... يقضمن حسن بنانه والمعصم لعنترة بن شداد العبسي من معلقته. يقول: فخرقت بالرمح اليابس الصلب ثيابه، أى قلبه وأحشاءه، فهي كناية عنها. أو شككت ثيابه بمعنى نظمتها ببدنه بإدخال الرمح فيها. ويروى: إهابه، أى جلده. وليس الكريم ... إلى آخره: اعتراض دال على أن عادة الكرام أن يجودوا بكل شيء حتى بالأرواح للرماح. وفيه نوع تهكم. فتركته: أى صيرته. جزر السباع- بالتحريك- أى نصيبها وطعمتها من اللحم. ونهشه وناشه: تناوله بفمه وكدمه. وقضمه يقضمه، من بابى علم وضرب: عضه بمقدم أسنانه. فقوله «يقضمن» بدل. وعبر بالحسن عن الشيء الحسن مبالغة: أى يأكلن بنانه الحسن ومعصمه الحسن. ويروى بدل هذا الشطر: ما بين قلة رأسه والمعصم. وما زائدة، و «بين» ظرف للنوش. ويجوز أن «ما» موصولة بدل من ضمير المفعول. وقلة الرأس: أعلاه، كقلة الجبل وقنته.]] ومنه قوله: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ) أصله: هم في ظلمات، ثم دخل ترك فنصب الجزأين. والظلمة عدم النور. وقيل: عرض ينافي النور. واشتقاقها من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا: أى ما منعك وشغلك، لأنها تسدّ البصر وتمنع الرؤية. وقرأ الحسن (ظلمات) بسكون اللام وقرأ اليماني (في ظلمة) على التوحيد. والمفعول الساقط من (لا يبصرون) من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي، كأنّ الفعل غير متعدّ أصلا، نحو (يَعْمَهُونَ) في قوله: (وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) . فإن قلت: فيم شبهت حالهم بحال المستوقد؟ قلت: في أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورّطوا في حيرة. فان قلت: وأين الإضاءة في حال المنافق؟ وهل هو أبداً إلا حائر خابط في ظلماء الكفر؟ قلت: المراد ما استضاءوا به قليلا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمى بهم إلى ظلمة سخط اللَّه وظلمة العقاب السرمد. ويجوز أن يشبه بذهاب اللَّه بنور المستوقد اطلاع اللَّه على أسرارهم وما افتضحوا به بين المؤمنين واتسموا به من سمة النفاق. والأوجه أن يراد الطبع، لقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) . وفي الآية تفسير آخر: وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب اللَّه بنورهم وتركه إياهم في الظلمات. وتنكير النار للتعظيم. كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدّوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم جعلوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتقضت بناها التي بنيت عليها للإحساس والإدراك كقوله: صُم إذا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِهِ ... وإنْ ذُكِرْتُ بسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا [[إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... منى وما سمعوا من صالح دفنوا صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا جهلا على وجبنا عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن لقعنب بن أم صاحب بن ضمرة. وضمرة أبوه. وأم صاحب: كنية أمه. يقول: إن يسمعوا. وروى: يأذنوا، كيسمعوا وزنا ومعنى، من جهتى كلمة بهتان وزور أذاعوها، فكأنهم يطيرون بها بين الناس من فرحهم بما تقل عنى. فالطيران استعارة مصرحة لذلك. قال اين مالك تبعا للفراء: ويجوز إجابة المضارع بالماضي وإن منعه الجمهور في الاختيار. وأى شيء سمعوه من قول صالح كتموه، فالدفن استعارة تصريحية أيضاً. وهم صم: أى كالصم، فهو تشبيه بليغ واستعارة على الخلاف. وإن ذكرت عندهم بسوء أذنوا وأنصتوا. ويروى «سبة» بالضم: ما يسب به. وقد يروى: سبأة، بتحتية ساكنة فهمزة. ويروى: وما يسمعوا. ويروى: صموا، على لفظ الماضي، بدل صم. ويروى بسوء كلهم أذن: أى فكلهم أذن فهو على تقدير الفاء، لأنه جواب الشرط. ويحتمل أنه على التقديم والتأخير: أى كلهم أذن إن ذكرت بسوء وهو أنسب بما قبله. وجعلهم نفس الأذن مبالغة. ويجوز أن الأذن وصف يقع على الواحد والمتعدد، وذلك لجهلهم وبأسهم على، وجبنهم وضعفهم عن عدوهم. وقيل: هو على تقدير جمعوا جهلا. والخلتان الخصلتان. والجبن بضمتين لغة فيه. وفيه إطاب بالتوشع، لأنه أتى بمثنى وفسره باسمين ثانيهما معطوف على الأول وهو حسن.]] أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ أَصَمُّ عَنِ الشَّىْءِ الَّذِى لا ارِيدُهُ ... وأَسْمَعُ خَلْقِ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ [[صم صمما، كتعب تعباً. فأصم- بفتح الصاد- فعل مضارع. ولو جعلته اسما على الخبرية لضمير محذوف لكانت مناسبة لأسمع المعطوف عليه. والمعنى أن حالى تكون كحال الأصم فهو مجاز عن ذلك. وأسمع: أى أفعل بمقتضى السماع، فهو مجاز أيضا. ويجوز أنه كناية. يقول: لا أستمع لما أكره. وأسمع كلام خلق اللَّه حين أريده، بأن يكون محبوبا إلى، أو حين أريد السماع.]] فأَصمَمتُ عَمْراً وأَعْمَيتُهُ ... عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يَوْمَ الفَخَار [[يقول: لما أظهرت مفاخرى ومكارمى، أصممت عمرا: أى صيرته كالأصم. وأعميته: أى صيرته كالأعمى فالصمم والعمي: استعارتان مصرحتان. والمراد ألجمته وأسكته عن الكلام في الفخر والجود حين مفاخرتى إياه. وقيل أصممته وأعميته: وجدته أصم ووجدته أعمى: أى كأنه كذلك على ما مر.]] فإن قلت: كيف طريقته عند علماء البيان؟ قلت: طريقة قولهم «هم ليوث» للشجعان، وبحور للأسخياء. إلا أنّ هذا في الصفات، وذاك في الأسماء، وقد جاءت الاستعارة في الأسماء والصفات والأفعال جميعاً. تقول: رأيت ليوثا، ولقيت صما عن الخير، ودجا الإسلام. وأضاء الحق. فإن قلت: هل يسمى ما في الآية استعارة؟ قلت: مختلف فيه. والمحققون على تسميته تشبيها بليغاً لا استعارة لأنّ المستعار له مذكور وهم المنافقون. والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خلواً عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه، لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام، كقول زهير: لَدَى أَسَدٍ شَاكِى السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ... لَهُ لِبَدٌ أَظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ [[فشد فلم يفزع بيوتا كثيرة ... لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم لزهير بن أبى سلمي من معلقته يمدح حصين بن ضمضم بأنه شد على عدوه بحسن تدبير فلم يفزع بيوتا كثيرة. أو المعنى شد عليه وحده، فلم يفزع بيوتا، أى أهل بيوت تساعده. و «حيث» بدل من «لدى» ويحتمل أن لدى لمكان مبهم مضاف لحيث المعنى بإضافته للجملة. وأم قشعم: اسم للمنية. شبهها بالمسافر على طريق المكنية. والرحل تخييل و «لدى» الثاني بدل من الأول. وجرد من الممدوح لكماله في الشجاعة شخصا آخر، فاستعار له الأسد استعارة تصريحية. وشاكي: أى تام السلاح تجريد لأنه يلائم المشبه. قال الفراء: هو مقلوب شايك: أى ذى شوكة وحدة. ومقذف: أى ضخم، كأنه قذف باللحم ورمى به. له لبد: أى شعور متلبدة على منكبيه. أظفاره لم تقلم: كل هذا ترشيح لأنه يلائم المشبه به. وفي قوله أظفاره لم تقلم: نوع من الاطناب يسمى الإيغال ختم به البيت للمبالغة في التشبيه، كقول الخنساء في أخيها صخر: كأنه علم في رأسه نار.]] ومن ثم ترى المفلقين السحرة منهم كأنهم يتناسون التشبيه ويضربون عن توهمه صفحاً. قال أبو تمام: ويُصْعِدُ حتَّي يَظُنَّ الجَهُولُ ... بأَنَّ لهُ حاجَةً في السَّمَاء [[لأبى تمام يمدح خالد بن يزيد الشيباني ويدكر أباه. فضمير «يصعد» ليزيد. واستعار الصعود من العلو الحسى للعلو المعنوي على طريق التصريح، ثم بنى عليه ما ينبنى على العلو في المكان ترشيحا وتتميما للمبالغة في التشبيه، لأن ذلك الظن لا ينبني إلا على رؤيته صاعدا حقيقة. والظن- كالعلم- يتعدى بنفسه تارة وبالحرف أخرى. وخص الجهول ليفيد أن ذلك الظن خطأ، ويشبه أنّ يكون تجريداً للاستعارة، لكن أخفاه ظهور الترشيح. وأفاد السعد أن ذكر الجهول احتراس من توهم احتياج الممدوح والمقام، لدعوى أنه في غاية الكمال. واشتهرت روايته لظن بالماضي، وهو على تقدير القسم وقد: أى واللَّه لقد ظن الجهول ذلك.]] وبعضهم: لا تَحْسَبُوا أَنَّ في سِرْبالهِ رَجُلًا ... ففِيهِ غَيْثٌ ولَيْثٌ مُسْبِلٌ مُشْبِل [[للزمخشري. شبه الممدوح بالغيث في كثرة الخير والكرم، وبالليث في كثرة الشجاعة، واستعارهما له على طريق الاستعارة التصريحية، وبنى على ذلك نهى الناس عن أن يظنوا أن في ثوبه رجلا، للدلالة على تناسى التشبيه وادعاء الاتحاد. والمسبل: كثير الانسياب، فهو راجع للغيث. والمشبل الذي كثرت أشباله: أى أولاده من الأسود، فهو راجع لليث، ففيه لف ونشر، وفيه شبه التضاد حيث جمع بين ما يخشى وما يرجى. وفيه الجناس اللاحق بين غيث وليث، وبين مسبل ومشبل.]] وليس لقائل أن يقول: طوى ذكرهم عن الجملة بحذف المبتدإ فأتسلق بذلك إلى تسميته استعارة لأنه في حكم المنطوق به، نظيره قول من يخاطب الحجاج: أَسَدٌ عَلَىَّ وفي الحُرُوبِ نَعَامَةٌ ... فَتْخاءُ تَنْفُرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ [[أسد على وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر هلا كررت على غزالة في الوغي ... بل كان قلبك في جناحي طائر لعمران بن حطان قاتل الحجاج. روى أن شبيب الخارجي وأمه جهيزة وامرأته غزالة، كانوا في غاية الفراسة فدخلوا الكوفة في ألف وثلاثين فارسا، وفيها حينئذ الحجاج ومعه ثلاثون ألف مقاتل فحاربوه سنة كاملة حتى هرب منهم فعيره عمران بذلك: أى أنت كالأسد، ولا يصح استعارة عند الجمهور لنية ذكر المشبه. وجوزها التفتازاني على أن المذكور فرد هن أفراده لا عينه. و «على» متعلق بأسد، لما فيه من معنى الشجاعة والقوة، و «في الحروب» متعلق بنعامة، لما فيه من معنى الجبن والضعف. وهذا ظاهر على مذهب العلامة، لأن الأسد مستعار لمطلق شجاع، والنعامة لمطلق جبان. وأما على مذهب الجمهور فهما جامدان لبقائهما على حقيقتهما، إلا أن يقال: لما وقع في مقام التشبيه لو حظ فيهما الوصف الذي بنيت عليه المشابهة. ويجوز تعلقهما بمعنى التشبيه، أو بمحذوف حال من المبتدأ المحذوف على رأى سيبويه. والفتخ- بالتحريك- لين وانفراج في الأصابع والأجنحة. والفتخاء: وصف منه. وتنفر: صفة نعامة، أى تفزع وتهلع خوفا من أدنى صوت تسمعه. وصفها بغاية الضعف ليدل على أن المشبه كذلك ثم وبخه بقوله: هلا كررت على تلك المرأة في الحرب. لم تفعل ذلك بل كان قلبك يخضق ويضطرب، كأنه في جناحي طائر، وهو من التشبيه البليغ. ويروى: هلا برزت إلى غزالة.]] ومعنى لا يَرْجِعُونَ أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها، تسجيلا عليهم بالطبع. أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخرون؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه؟
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب