الباحث القرآني

الرمضان: مصدر رمض إذا احترق- من الرمضاء- فأضيف إليه الشهر وجعل علماً، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون كما قيل «ابن داية» للغراب بإضافة الابن إلى داية البعير، لكثرة وقوعه عليها إذا دبرت. فإن قلت: لم سمى شَهْرُ رَمَضانَ؟ قلت: الصوم فيه عبادة قديمة، فكأنهم سموه بذلك لارتماضهم فيه من حرّ الجوع ومقاساة شدّته، كما سموه ناتقا لأنه كان ينتقهم أى يزعجهم إضجاراً بشدّته عليهم. وقيل لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر. فإن قلت: فإذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعاً، فما وجه ما جاء في الأحاديث من نحو قوله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً [[متفق عليه من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه]] » «من أدرك رمضان فلم يغفر له» [[أخرجه الترمذي من رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد بن أبى سعيد المقبري عن أبى هريرة رفعه «رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له- الحديث» قلت: ليس هذا موافقا للفظ المصنف. والموافق له ما أخرجه ابن حبان.]] . قلت: هو من باب الحذف لأمن الإلباس كما قال: بمَا أعْيَا النِّطَاسِى حِذْيَمَا [[فهل لكم فيما إلى فاننى ... بصير بما أعيى النطاسي حذيما يقول: فهل لكم رغبة فيما ينسب إلى من إصابة الرأى، فاننى بصير بحل الأمور المعضلة. وكنى عن ذلك بقوله: بما أعيى حذيما النطاسي، وهو طبيب ماهر حاذق. وحذيم- بكسر فسكون- أراد به ابن حذيم، لأنه كنيته، فحذف جزء الاسم لأمن اللبس. والنطاسي نسبة للنطاس وزان القرطاس، وهو في لغة الروم بمعنى الحاذق الماهر في الطب. وتخفيفه هنا إما من تصرف العرب، وإما لأجل الوزن. وقيل معناه: فهل لكم رأى وتبصر فيما يرجع نفعه إلى، ثم أعرض عن مشاورتهم بقوله: فانى أعلم وأعرف منكم بما أعيى النطاسي، ولا يخفى أنه لا موقع للفاء حينئذ، إلا أن يكون المعنى بأنه يطلب منهم الرشوة.]] أراد ابن حذيم، وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أو على أنه بدل من الصيام في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) أو على أنه خبر مبتدإ محذوف. وقرئ بالنصب على: صوموا شهر رمضان، أو على الإبدال من (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) ، أو على أنه مفعول (وَأَنْ تَصُومُوا) . ومعنى (أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) ابتدئ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر. وقيل: أنزل جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى الأرض نجوما. وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) كما تقول أنزل في عمر كذا، وفي علىّ كذا. وعن النبي عليه السلام «نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين مضين [[أخرجه أحمد والطبراني من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعا به. وفي الباب عند أبى داود. وأخرجه الثعلبي في تفسيره. وعن جابر أخرجه أبو يعلى.]] » هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ نصب على الحال، أى أنزل وهو هداية للناس إلى الحق، وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدى إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل. فإن قلت: ما معنى قوله: (وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى) بعد قوله: (هُدىً لِلنَّاسِ) ؟ قلت: ذكر أوّلا أنه هدى، ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به اللَّه، وفرق به بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فمن كان شاهداً، أى حاضراً مقيما غير مسافر في الشهر، فليصم فيه ولا يفطر. والشهر: منصوب على الظرف وكذلك الهاء في: (فَلْيَصُمْهُ) ولا يكون مفعولا به كقولك: شهدت الجمعة، لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر يُرِيدُ اللَّهُ أن ييسر عليكم ولا يعسر، وقد نفى عنكم الحرج في الدين، وأمركم بالحنيفية السمحة التي لا إصر فيها، وجملة ذلك ما رخص لكم فيه من إباحة الفطر في السفر والمرض. ومن الناس من فرض الفطر على المريض والمسافر، حتى زعم أنّ من صام منهما فعليه الإعادة. وقرئ: اليسر، والعسر- بضمتين. الفعل المعلل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره [[قال محمود رحمه اللَّه: «الفعل المعلل محذوف تقديره شرع ذلك ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: ولقبه الخاص به في صناعة البديع: رد أعجاز الكلام إلى صدوره. ولقد أحسن الزمخشري في التنقيب عنه فهو منظوم في سلك حسناته.]] وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ شرع ذلك يعنى جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص له بمراعاة عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله: (لِتُكْمِلُوا) علة الأمر بمراعاة العدّة (وَلِتُكَبِّرُوا) علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) علة الترخيص والتيسير، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك لا يكاد يهتدى إلى تبينه إلا النقاب المحدث من علماء البيان. وإنما عدّى فعل التكبير بحرف الاستعلاء لكونه مضمنا معنى الحمد، كأنه قيل: ولتكبروا اللَّه حامدين على ما هداكم. ومعنى (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وإرادة أن تشكروا. وقرئ (ولتكملوا) بالتشديد. فإن قلت: هل يصح أن يكون (وَلِتُكْمِلُوا) معطوفا على علة مقدرة، كأنه قيل لتعملوا ما تعلمون، ولتكملوا العدة. أو على اليسر، كأنه قيل: يريد اللَّه بكم اليسر، ويريد بكم لتكملوا، كقوله: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا) ؟ قلت: لا يبعد ذلك والأوّل أوجه. فإن قلت: ما المراد بالتكبير؟ قلت: تعظيم اللَّه والثناء عليه. وقيل: هو تكبير يوم الفطر. وقيل: هو التكبير عند الإهلال [[قوله «عند الإهلال» أى الإحرام بالنسك. أفاده الصحاح. (ع)]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب