الباحث القرآني

لما عدّد اللَّه تعالى فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين، وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم، وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها، ويحظيها عند اللَّه ويرديها، أقبل عليهم بالخطاب، وهو من الالتفات المذكور عند قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، وهو فنّ من الكلام جزل، فيه هزّ وتحريك من السامع، كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث لكما: إنّ فلانا من قصته كيت وكيت، فقصصت عليه ما فرط منه، ثم عدلت بخطابك إلى الثالث فقلت: يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجارى أمورك، وتستوي على جادّة السداد في مصادرك ومواردك، نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبيه، واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة استدعاء، وأوجدته بالانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازاً من طبعه ما لا يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة، وهكذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من صنف إلى صنف، يستفتح الآذان للاستماع، ويستهش الأنفس للقبول، وبلغنا بإسناد صحيح عن إبراهيم عن علقمة: أنّ كل شيء نزل فيه: (يا أَيُّهَا النَّاسُ) [[أخرجه ابن أبى شيبة قال: حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم بهذا. وأخرجه البزار من رواية الأقيس ابن الربيع عن الأعمش موصول بذكر عبد اللَّه بن مسعود فيه. وقال: لا نعلم أحدا أسنده إلا قيس واعترض بما رواه الحاكم والبيهقي في الدلائل عنه. وابن مردويه في تفسير الحج. كلهم من طريق وكيع أيضا قال: حدثنا أبى عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه. (فائدة) هذا محمول على أن المراد بالمكى ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة لأن الغالب على أهل مكة كان الكفر فخوطبوا (يا أَيُّهَا النَّاسُ) . وكان الغالب على أهل المدينة الايمان فخوطبوا: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) . أفاده الشيخ بهاء الدين ابن عقيل.]] فهو مكي، و (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فهو مدنى، فقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ خطاب لمشركي مكة، و «يا» حرف وضع في أصله لنداء البعيد، صوت يهتف به الرجل بمن يناديه. وأما نداء القريب فله أى والهمزة، ثم استعمل في مناداة من سها وغفل وإن قرب. تنزيلا له منزلة من بعد، فإذا نودي به القريب المفاطن فذلك للتأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معنىّ به جداً. فإن قلت: فما بال الداعي يقول في جؤاره: يا رب، [[قوله «يقول في جؤاره: يا رب» في الصحاح: جأر الثور يجأر، أى صاح. وجأر الرجل إلى اللَّه عز وجل: أى تضرع. (ع)]] ويا اللَّه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأسمع به وأبصر؟ قلت: هو استقصار منه لنفسه، واستبعاد لها من مظانّ الزلفى وما يقرّبه إلى رضوان اللَّه ومنازل المقرّبين، هضما لنفسه وإقرارا عليها بالتفريط في جنب اللَّه، مع فرط التهالك على استجابة دعوته والإذن لندائه وابتهاله، و «أى» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، كما أنّ «ذو» و «الذي» وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل. وهو اسم مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه، فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجرى مجراه يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء، فالذي يعمل فيه حرف النداء هو «أىّ» والاسم التابع له صفته، كقولك: يا زيد الظريف إلا أن «أيا» لا يستقل بنفسه استقلال «زيد» فلم ينفك من الصفة. وفي هذا التدرّج من الإبهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد والتشديد. وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدتين: معاضدة حرف النداء ومكانفته بتأكيد معناه، ووقوعها عوضا مما يستحقه أىّ من الإضافة. فان قلت: لم كثر في كتاب اللَّه النداء على هذه الطريقة ما لم يكثر في غيره؟ قلت: لاستقلاله بأوجه من التأكيد وأسباب من المبالغة: لأن كل ما نادى اللَّه له عباده- من أوامره ونواهيه، وعظاته وزواجره ووعده ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم، وغير ذلك مما أنطق به كتابه- أمور عظام، وخطوب جسام، ومعان- عليهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها، وهم عنها غافلون. فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ. فإن قلت: لا يخلو الأمر بالعبادة من أن يكون متوجها إلى المؤمنين والكافرين جميعاً، أو إلى كفار مكة خاصة، على ما روى عن علقمة والحسن، فالمؤمنون عابدون ربهم فكيف أمروا بما هم ملتبسون به؟ وهل هو إلا كقول القائل: فلَوَ انِّى فَعَلْتُ كُنْتُ مَنْ تَسْأَلُهُ ... وهُوَ قائمٌ أنْ يَقُوما [[نعمة اللَّه فيك لا أسأل ... اللَّه إليها نعمي سوى أن تدوما فلو انى فعلت كنت كمن ... تسأله وهو قائم أن يقوما النعمة بالكسر، والنعمى بالضم، وكذلك النعماء بالفتح بمعنى واحد. يقول: نعمة اللَّه علينا فيك كافية لا نطلب من اللَّه نعمة أخرى منضمة إليها، سوى أن تدوم هي أو أنت أو أنتما. فلو انى- بالنقل للوزن- فعلت، أى سألت اللَّه غيرها كانت حالى مع اللَّه كحالك مع من تسأله القيام وهو قائم، فهو تشبيه مركب، وإلا فهو سائل ومن تسأله مسؤل. يعنى أن السؤال يكون تحصيلا للحاصل، لأنه لا نعمة سواها أعظم منها في ظنه. وفيه مبالغة في تعظيمها.]] وأما الكفار فلا يعرفون اللَّه، ولا يقرّون به فكيف يعبدونه؟ قلت: المراد بعبادة المؤمنين: ازديادهم منها وإقبالهم وثباتهم عليها. وأما عبادة الكفار فمشروط فيها ما لا بد لها منه وهو الإقرار. كما يشترط على المأمور بالصلاة شرائطها من الوضوء والنية وغيرهما وما لا بد للفعل منه، فهو مندرج تحت الأمر به وإن لم يذكر، حيث لم ينفعل إلا به، وكان من لوازمه. على أنّ مشركي مكة كانوا يعرفون اللَّه ويعترفون به (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) . فان قلت: فقد جعلت قوله: (اعْبُدُوا) متناولا شيئين معاً: الأمر بالعبادة، والأمر بازديادها. قلت: الازدياد من العبادة عبادة وليس شيئاً آخر. فإن قلت: (رَبَّكُمُ) ما المراد به؟ قلت: كان المشركون معتقدين ربوبيتين: ربوبية اللَّه، وربوبية آلهتهم. فإن خصوا بالخطاب فالمراد به اسم يشترك فيه رب السموات والأرض والآلهة التي كانوا يسمونها أربابا وكان قوله الَّذِي خَلَقَكُمْ صفة موضحة مميزة. وإن كان الخطاب للفرق جميعاً، فالمراد به «ربكم» على الحقيقة. والذي خلقكم: صفة جرت عليه على طريق المدح والتعظيم. ولا يمتنع هذا الوجه في خطاب الكفرة خاصة، إلا أن الأول أوضح وأصح. والخلق: إيجاد الشيء على تقدير واستواء. يقال: خلق النعل، إذا قدرها وسواها بالمقياس. وقرأ أبو عمرو: (خلقكم) بالإدغام. وقرأ أبو السميقع: وخلق من قبلكم. وفي قراءة زيد بن على: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وهي قراءة مشكلة، ووجهها على إشكالها أن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيداً، كما أقحم جرير في قوله: يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيّ لا أَبَا لَكُمُ [[يا تيم تيم عدى لا أبا لكم ... لا يلقينكم في سوءة عمر تعرضت تيم لي جهلا لأهجوها ... كما تعرض الاست الخارئ الحجر لجرير، تعرض له عمر بن لجأ، ويقال بن لجام التميمي بالهجو فخاطب قبيلته بذلك. وحذف المضاف إليه مع بقاء المضاف على حالة الاضافة مضطرد، إن اقترن بذكر مثله ليدل عليه وإلا فهو سماعي. ومثل هذا للتركيب يجوز فيه ضم الأول فهو مفرد والثاني مضاف لما بعده، وفتحه على أنه مضاف للمذكور، أو لمحذوف مماثل له، أو على أنهما مركبان اسما واحداً مضافا لما بعدهما فتيم الأول هنا مضاف لعدي، والثاني مقحم بينهما مضاف لعدي محذوفا عند سيبويه أو مضاف للمذكور، والأول مضاف لمحذوف مثل المذكور عند المبرد وتبعه ابن مالك، أو هما معا مركبان كخمسة عشر، مضافان لعدي عند الفراء وتبعه الأعلم. ولو كان الثاني بدلا أو بيانا أو توكيداً والأول مفرد، لضم الأول وهم غير تيم قريش. وقولهم «لا أبا له» دعاء بعدم الأب. وقيل محتمل للذم، أنى لا أبله رشيداً، بل هو ابن زنا. ويحتمل المدح، أى ليس محتاجا إلى الأب بل مفاخره ذاتية، لكن ما هنا من الأول. و «لكم» خبر «لا» عند ابن الحاجب. وخبرها محذوف عند غيره ولكم متعلق بمحذوف صفة. أو اللام زائدة والضمير مضاف إليه. وأما على الأول مبنى على فتح مقدر وحذف تنوينه للبناء. وعلى الثاني منصوب بفتحة مقدرة وحذف تنوينه لشبه الاضافة. وعلى الثالث منصوب بفتحة مقدرة وحذف تنوينه للاضافة. وهذا كله على لغة قصره كفتى. وأما نصبه بالألف على لغة إعرابه بالحروف فلا يظهر إلا في الثالث، وفيه أن المضاف معرفة و «لا» لا تعمل إلا في النكرات، إلا أن يقال زيادة اللام صيرته في صورة النكرة فعملت فيه. و «لا يلقينكم» نهى عن الإلقاء في المكروه. وروى بالفاء بدل القاف، من ألفى إذا وجد لكن روى «لا يوقعنكم» وهو يؤيد الأول. والمراد النهى عن إقرار عمر على هجوه الموقع لهم في السوءة وهي هجو جرير لهم. واللام في لأهجوها لام العاقبة. وقد شبه نفسه- بل فمه- باست الخارئ، أى دبره. ومهد لذلك التشبيه فيما تقدم بالتعبير بالسوءة. ولقد هجا نفسه من حيث لم يشعر. والاست: من الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون فزادوها همزة الوصل.]] تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف والمضاف إليه في: لا أبالك: ولعل للترجى أو الإشفاق. تقول: لعل زيداً يكرمني. ولعله يهينني. وقال اللَّه تعالى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) ، (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) . ألا ترى إلى قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها) . وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن، ولكن لأنه إطماع من كريم رحيم، إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة، لجرى إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به. قال من قال: إن «لعل» بمعنى «كى» ، و «لعل» لا تكون بمعنى «كى» ، ولكن الحقيقة ما ألقيت إليك. وأيضا فمن ديدن الملوك وما عليه أوضاع أمرهم ورسومهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا: عسى، ولعل، ونحوهما من الكلمات أو يخيلوا إخالة. أو يظفر منهم بالرمزة أو الابتسامة أو النظرة الحلوة، فإذا عثر على شيء من ذلك منهم، لم يبق للطالب ما عندهم شك في النجاح والفوز بالمطلوب. فعلى مثله ورد كلام مالك الملوك ذى العز والكبرياء. أو يجيء على طريق الإطماع دون التحقيق لئلا يتكل العباد، كقوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً، عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) . فان قلت: ف «لعل» التي في الآية ما معناها وما موقعها؟ قلت: ليست مما ذكرناه في شيء، لأن قوله: (خَلَقَكُمْ) ، (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، لا يجوز أن يحمل على رجاء اللَّه تقواهم لأن الرجاء لا يجوز على عالم الغيب والشهادة: وحمله على أن يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد أيضا. ولكن «لعل» واقعة في الآية موقع المجاز [[قال محمود رحمه اللَّه: «لعل واقعة في الآية موقع المجاز ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: كلام سديد إلا قوله: وأراد منهم التقوى والخير فانه كلام أبرزه على قاعدة القدرية. والصحيح والسنة أن اللَّه تعالى أراد من كل أحد ما وقع منه من خير وغيره، ولكن طلب الخير والتقوى منهم أجمعين. والطلب والأمر عند أهل السنة مباين للارادة، ألهمنا اللَّه صواب القول وسداده.]] لا الحقيقة، لأن اللَّه عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين، ووضع في أيديهم زمام الاختيار، وأراد منهم الخير والتقوى [[قوله «وأراد منهم الخير والتقوى» مبنى على مذهب المعتزلة أنه تعالى لا يريد إلا الخير وإن وقع خلافه. ومذهب أهل السنة أنه يريد الخير والشر، وكل ما أراده يقع، لإجماع السلف على أنه ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن. (ع)]] . فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم- وهم مختارون بين الطاعة والعصيان- كما ترجحت حال المرتجى بين أن يفعل وأن لا يفعل، ومصداقه قوله عز وجل: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) وإنما يبلو ويختبر من تخفى عليه العواقب، ولكن شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار. فإن قلت: كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون، فكذلك خلق الذين من قبلهم لذلك، فلم قصره عليهم دون من قبلهم؟ قلت: لم يقصره عليهم، ولكن غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادتهم جميعا. فان قلت: فهلا قيل تعبدون لأجل اعبدوا؟ [[قال محمود رحمه اللَّه: «فان قلت فهلا قيل تعبدون ... الخ» ؟ قال أحمد رحمه اللَّه: كلام حسن إلا قوله خلقكم للاستيلاء على أقصى غاية العبادة فانه مفرع على تلك النزغة المتقدمة آنفا. والعبارة المحررة في ذلك على قاعدة السنة أن يقال: اعبدوا ربكم الذي خلقكم على حالة من حقكم معها أن تستولوا على أقصى غاية العبادة وهي التقوى لما ركب فيكم من العقول، وبينه لكم من البواعث على تقواه، فكان جديرا بكم أن لا تدعوا من جهدكم في التقوى شيئا.]] أو اتقوا لمكان تتقون ليتجاوب طرفا النظم. قلت: ليست التقوى غير العبادة حتى يؤدّى ذلك إلى تنافر النظم. وإنما التقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده. فإذا قال: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) للاستيلاء على أقصى غايات العبادة كان أبعث على العبادة، وأشدّ إلزاما لها، وأثبت لها في النفوس. ونحوه أن تقول لعبدك: احمل خريطة الكتب، فما ملكتك يمينى إلا لجرّ الأثقال. ولو قلت: لحمل خرائط الكتب لم يقع من نفسه ذلك الموقع.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب