الباحث القرآني

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ على تقدير حذف المضاف، أراد: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن. وقيل: معناه يتربصن بعدهم، كقولهم: السمن منوان بدرهم. وقرئ: يَتوفون بفتح الياء [[قال محمود رحمه اللَّه: «قرأها علي رضى اللَّه عنه بفتح الياء ... الخ» ، قال أحمد رحمه اللَّه: ولعل السائل لأبى الأسود كان ممن يفهم عنه أنه لا فرق عنده بين الكسر والفتح وهو الظاهر، وعلى ذلك أجابه أبو الأسود، فلا تناقض حينئذ.]] أى يستوفون آجالهم، وهي قراءة على رضى اللَّه عنه. والذي يحكى أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشى خلف جنازة، فقال له رجل: من المتوفى- بكسر الفاء، فقال اللَّه تعالى. وكان أحد الأسباب الباعثة لعلى رضى اللَّه عنه على أن أمره بأن يضع كتابا في النحو، تناقضه هذه القراءة يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً يعتددن هذه المدّة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، وقيل عشراً ذهابا إلى الليالي والأيام داخلة معها، ولا تراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام. تقول: صمت عشراً [[قال محمود رحمه اللَّه: «تقول: صمت عشراً ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: ومنه «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر» فغلب الليالي أو كان الصوم غير متصور فيها حتى قالوا: إن شرطة النية وزمانها الليل، فلهذا جعل لها حظاً في الصوم وغلبها.]] ، ولو ذكرت خرجت من كلامهم. ومن البين فيه قوله تعالى: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً) ثم (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فإذا انقضت عدّتهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الأئمة وجماعة المسلمين فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التعرّض للخطاب بِالْمَعْرُوفِ بالوجه الذي لا ينكره الشرع. والمعنى أنهن لو فعلن ما هو منكر كان على الأئمة أن يكفوهنّ. وإن فرّطوا كان عليهم الجناح فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ هو أن يقول لها إنك لجميلة أو صالحة أو نافقة ومن غرضي أن أتزوّج، وعسى اللَّه أن ييسر لي امرأة صالحة، ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرح بالنكاح، فلا يقول: إنى أريد أن أنكحك، أو أتزوجك، أو أخطبك. وروى ابن المبارك عن عبد اللَّه بن سليمان عن خالته قالت: دخل علىَّ أبو جعفر محمد بن على وأنا في عدتي فقال: قد علمت قرابتي من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وحق جدّى علىّ وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر اللَّه لك! أتخطبنى في عدّتى وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: أو قد فعلت! إنما أخبرتك بقرابتي من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وموضعى، قد دخل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبى سلمة فتوفى عنها، فلم يزل يذكر لها منزلته من اللَّه وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدّة تحامله عليها، فما كانت تلك خطبة [[هكذا هو في كتاب النكاح لابن المبارك ورواه الدارقطني من رواية محمد بن الصلت عن عبد الرحمن بن سليمان- وهو ابن الغسيل- نحوه بتمامه.]] . فإن قلت: أى فرق بين الكناية والتعريض؟ قلت: الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، كقولك: طويل النجاد والحمائل لطول القامة [[قوله «لطول القامة» لعله: لطويل. (ع)]] وكثير الرماد للمضياف. والتعريض أن تذكر شيأ تدل به على شيء لم تذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم. ولذلك قالوا: وَحَسْبُكَ بِالتَّسلِيمِ مِنِّى تَقَاضِيَا وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرّضين ولا مصرحين عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ لا محالة ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهنّ ولا تصبرون عنه، وفيه طرف من التوبيخ كقوله: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ) . فإن قلت: أين المستدرك بقوله [[قال محمود رحمه اللَّه: «إن قلت أين المستدرك بقوله ولكن ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: وقويت دلالة هذا المذكور على ما حذف، لأن المعتاد في مثل هذه الصيغة ورود الاباحة عقيبها. ونظير هذا النظم قوله تعالى (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) الآية. ولهذا الحذف سر واللَّه أعلم، وهو أنه اجتنب لأن الاباحة لم تنسحب على الذكر مطلقا، بل اختصت بوجه واحد من وجوهه وذلك الوجه المباح عسر التميز عما لم يبح، فذكرت مستثناة بقوله: (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً) تنبيهاً على أن المحل ضيق والأمر فيه عسر والأصل فيه الحظر، ولا كذلك الوطء في زمن ليل الصوم فانه أبيح مطلقا غير مقيد، فلذلك صدر الكلام بالاباحة والتوسعة، وجاء النهى عن مباشرة المعتكفة في المسجد تلوا للاباحة وتبعا في الذكر، لأنها حالة فاذة والمنع فيها لم يكن لأجل الصوم، ولكن الأمر يتعلق به من حيث المصاحب وهو الاعتكاف، فتفطن لهذا السر فانه من غرائب النكت.]] وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ؟ قلت: هو محذوف لدلالة ستذكرونهنّ عليه، تقديره: علم اللَّه أنكم ستذكرونهنّ فاذكروهنّ، ولكن لا تواعدوهنّ سراً. والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء، لأنه مما يسرّ. قال الأعشى: وَلَا تَقْرَبَنْ مِنْ جَارَةٍ إنَّ سِرَّهَا ... عَلَيْكَ حَرَامٌ فَانْكِحَنْ أوْ تَأَبَّدَا [[ولا تسخرن من بائس ذى ضرارة ... ولا تحسبن المال للمرء مخلدا ولا تقربن من جارة إن سرها ... عليك حرام فانكحن أو تأبدا للأعشى ميمون بن قيس. والبائس: الفقير المحتاج. والضرارة: العمى. وإسناد الإخلاد إلى المال مجاز، لأنه سببه على التوهم. وتقرب- بفتح الراء- بمعنى نفعل، فمن زائدة. وجارة: مفعول، وبضمها بمعنى تدنو، فمن أصلية. وروى: ولا تقربن جارة- بتشديد النون- وعلى كل فهو كناية عن النهى عن الوطء. والسر: ضد الجهر، واستعمل هنا في الموطئ مجازا لأنه يقع فيه، أو لأنه مما يسر. والنكاح: عقد الزوجية. ويقال: أبد الوحشي أبودا، وتأبد تأبدا: نفر عن الأنيس، وألفه هنا منقلبة عن نون التوكيد في الوقف، والمراد منه التباعد مجازاً، والمخاطب بذلك ليس معينا. ونهاه عن الدنو منها لأنه أبلغ من تهيه عن وطئها، ثم قال: فتزوج أو اعتزل النساء كالوحش.]] ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً وهو أن تعرّضوا ولا تصرحوا. فإن قلت: بم يتعلق حرف الاستثناء؟ قلت: بلا تواعدوهنّ، أى لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة. أى لا تواعدوهنّ إلا بأن تقولوا، أى لا تواعدوهنّ إلا بالتعريض. ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعا من (سِرًّا) لأدائه إلى قولك لا تواعدوهنّ إلا التعريض. وقيل معناه: لا تواعدوهن جماعا، وهو أن يقول لها إن نكحتك كان كيت وكيت، يريد ما يجرى بينهما تحت اللحاف. إلا أن تقولوا قولا معروفا يعنى من غير رفث ولا إفحاش في الكلام. وقيل لا تواعدوهن سراً: أى في السر على أنّ المواعدة في السرّ عبارة عن المواعدة بما يستهجن، لأن مسارّتهنّ في الغالب بما يستحيا من المجاهرة به. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً) ، هو أن يتواثقا أن لا تتزوّج غيره وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ من عزم الأمر وعزم عليه، وذكر العزم مبالغة في النهى عن عقدة النكاح في العدّة، لأن العزم على الفعل يتقدّمه، فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى ومعناه: ولا تعزموا عَقد عُقدة النكاح. وقيل: معناه ولا تقطعوا عقدة النكاح: وحقيقة العزم: القطع، بدليل قوله عليه السلام «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل» وروى «لمن لم يبيت الصيام [[أخرجه أصحاب السنن من حديث حفصة بلفظ «لمن لم يجمع» وقوله: وروى «لمن لم يبيت» هي عند النسائي.]] » حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ يعنى ما كتب وما فرض من العدّة يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم على ما لا يجوز فَاحْذَرُوهُ ولا تعزموا عليه. غَفُورٌ حَلِيمٌ لا يعاجلكم بالعقوبة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب