الباحث القرآني

الْحَيُّ الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء، [[قوله «الحي الباقي الذي لا سبيل عليه ... الخ» المعتزلة يفرون من أن يثبتوا للَّه صفة وجودية كالحياة التي تنافى الموت فلذا فسر الحي بما قال. (ع)]] وهو على اصطلاح المتكلمين الذي يصح أن يعلم ويقدر. والْقَيُّومُ الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه. وقرئ: القيام، والقيم. والسنة: ما يتقدّم النوم من الفتور الذي يسمى النعاس. قال ابن الرقاع العاملي: وَسْنَانُ أقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ ... فِى عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ [[لولا الحياء وإن رأسى قد عثى ... فيه المشيب لزرت أم القاسم وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم لعدي بن الرقاع في تشبيب مدح الوليد بن عبد الملك. وعن الأصمعى: أنه لأحمد بن الرقاع. وعثى يعثى كسعي يسعى، وعاث يعيث كعاش يعيش: سار على وجه الإفساد. وروى «عسى» بالسين أى ظهر وانتشر واشتد، فعسى هنا تامة لا ناقصة. وأم القاسم: كنية محبوبته. وبين النساء: أى دون النساء، وقد روى كذلك أيضا. و «أحور» فاعل «أعار» والحور: صفاء سواد العين وبياضها. والجآذر: جمع جؤذر وهو ولد الظبية. وجاسم: موضع بعينه. ووسنان: نعت أحور. وأقصدت الرجل: إذا طعنته فلم تخطئ مقتله، أى أصابه النعاس وهو ما يتقدم النوم من الفتور والغفلات. ورنق الماء: كدر. وترنق: تكدر. ورنقه وأرنقه: كدره ورنق الطائر ترنيقا، إذا وقف في الهواء صافا جناحه يريد الوقوع. فالمعنى: وقفت في عينه سنة. ويجوز أن المعنى: رنقت عينه سنة، أى كدرتها. وأقحم «في» لأنه جعل العين ظرفا للترنيق، وهذا يشعر بتشبيه العين بالماء في شدة الصفاء. والسنة من وسن فهو وسنان، فهي من باب عدة. وسبب النوم: ريح يقوم في أغشية الدماغ، فإذا وصل إلى العين فترت، وهذا هو الوسن، وإذا وصل إلى القلب وتمكن منه زال إدراك الحواس، وهذا هو النوم فلذلك نفاه مع إثبات السنة.]] أى لا يأخذه نعاس ولا نوم وهو تأكيد للقيوم لأنّ من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوما. ومنه حديث موسى: أنه سأل الملائكة وكان ذلك من قومه كطلب الرؤية: أينام ربنا؟ فأوحى اللَّه إليهم أن يوقظوه ثلاثا ولا يتركوه ينام، ثم قال: خذ بيدك قارورتين مملوءتين. فأخذهما، وألقى اللَّه عليه النعاس فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا، ثم أوحى إليه: قل لهؤلاء إنى أمسك السموات والأرض بقدرتي، فلو أخذنى نوم أو نعاس لزالتا [[قلت قوله «وذلك من قومه كطلب الرؤية» من كلام الزمخشري، أدرجه في الخبر. فقد رواه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) أن موسى سأل الملائكة: هل ينام اللَّه عز وجل؟ فذكره» وقد رواه أبو يعلى والطبري والدارقطني في الأفراد وابن مردويه والبيهقي في الصفات، كلهم من طريق إسحاق بن أبى إسرائيل عن هشام بن يوسف عن أمية بن سبل عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبى هريرة: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يحكى عن موسى عليه السلام قال وقع في نفس موسى: هل ينام ربنا؟ فأرسل إليه ملكا فأرقه، ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يختفظ بهما. قال: فجعل ينام ويكاد يداه يلتقيان فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى حتى نام نومة. فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان. قال: ضرب اللَّه له مثلا: إن اللَّه لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض» ورواه البيهقي موقوفا وقال: هذا هو الأشبه. وقال الدارقطني تفرد به الحاكم عن عكرمة وأمه عن الحكم وهشام عن أمية. وقال الخطيب: رواه معمر عن الحكم عن عكرمة من قوله. ولم يذكر أبا هريرة. ولا النبي صلى اللَّه عليه وسلم. قلت: ورواية عبد الرزاق ترد عليه. لكنها موقوفة. وقد ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية وقال: يشبه أن يكون عكرمة تلقاه عن كتب اهل الكتاب. قال: وقد روى عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة له عن سعيد بن جبير «أن بنى إسرائيل قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: هل ينام ربنا، قال: وهذا هو الصحيح.]] مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ بيان لملكوته وكبريائه، وأن أحدا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام، كقوله تعالى (لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ما كان قبلهم وما يكون بعدهم. والضمير لما في السموات والأرض لأنّ فيهم العقلاء، أو لما دل عليه مَنْ ذَا من الملائكة والأنبياء مِنْ عِلْمِهِ من معلوماته إِلَّا بِما شاءَ إلا بما علم. الكرسي: ما يجلس عليه، ولا يفضل عن مقعد القاعد. وفي قوله وَسِعَ كُرْسِيُّهُ أربعة أوجه [[قال محمود رحمه اللَّه: «وفي قوله تعالى «وسع كرسيه السموات والأرض» أربعة أوجه ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: قوله في الوجه الأول أن ذلك تخييل للعظمة سوء أدب في الإطلاق وبعد في الإضرار، فان التخيل إنما يستعمل في الأباطيل وما ليست له حقيقة صدق، فان يكن معنى ما قاله صحيحا فقد أخطأ في التعبير عنه بعبارة موهمة لا مدخل لها في الأدب الشرعي، وسيأتى له أمثالها مما يوجب الأدب أن يجتنب.]] : أحدها أنّ كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته، وما هو إلا تصوير لعظمته وتخييل فقط، ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد، كقوله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ من غير تصوّر قبضة وطىّ ويمين، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسىّ. ألا ترى إلى قوله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. والثاني: وسع علمه وسمى العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم. والثالث: وسع ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك والرابع: ما روى أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السموات والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء. وعن الحسن: الكرسي هو العرش وَلا يَؤُدُهُ ولا يثقله ولا يشق عليه حِفْظُهُما حفظ السموات والأرض وَهُوَ الْعَلِيُّ الشأن الْعَظِيمُ الملك والقدرة. فإن قلت: كيف ترتبت الجمل في آية الكرسي [[عاد كلامه قال: «فان قلت: كيف ترتبت الجمل في آية الكرسي وما بالها لم تعطف بالواو؟ قلت: لأنها كلها في حكم البيان والبيان متحد بالمبين فدخول الواو بينهما- كما تقول العرب- دخول بين العصا ولحائها، فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه، والثانية لكونه مالكا لتدبيره، والثالثة لكبرياء شأنه، والرابعة لاحاطته بأحوال الخلق، والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها. وقد وردت آثار في تفضيلها. منها قوله عليه السلام «ما قرئت هذه الآية في دار إلا اجتنبتها الشياطين ثلاثين يوما، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة، يا على علمها ولدك وأهلك وجيرانك فما نزلت آية أعظم منها» وعن على رضى اللَّه عنه سمعت نبيكم على أعواد المنبر يقول «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد. ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه اللَّه على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله» وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال على أين أنتم من آية الكرسي، ثم قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «يا على، سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال طور سيناء، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي» . وإنما فضلت لما فضلت له سورة الإخلاص، من اشتمالها على توحيد اللَّه وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى» قال أحمد: وكان جدي رحمة اللَّه عليه يقول: اشتملت آية الكرسي على ما لم تشتمل عليه آية من أسماء اللَّه عز وجل وذلك أنها مشتملة على سبعة عشر موضعا فيها اسم اللَّه تعالى، ظاهرا في بعضها ومستكنا في بعض، ويظهر لكثير من العادين منها ستة عشر إلا على بصير حاد البصيرة لدقة استخراجه. الأول اللَّه، الثاني هو، الثالث الحي، الرابع القيوم، الخامس ضمير لا تأخذه، السادس ضمير له، السابع ضمير عنده، الثامن ضمير إلا باذنه، التاسع ضمير يعلم، العاشر ضمير علمه، الحادي عشر ضمير شاء، الثاني عشر ضمير كرسيه، الثالث عشر ضمير ولا يؤده، الرابع عشر وهو، الخامس عشر العلى، السادس عشر العظيم. فهذه عدة الأسماء البينة. وأما الخفي فالضمير الذي اشتمل عليه المصدر في قوله: (حِفْظُهُما) فانه مصدر مضاف إلى المفعول، وهو الضمير البارز، ولا بد له من فاعل وهو اللَّه، ويظهر عند فك المصدر فيقول: ولا يؤده أن يحفظهما هو. وكان الشيخ أبو عبد اللَّه محمد بن أبى الفضل المرسى قد رام الزيادة على هذا العدد لما أخبرته به عن الجد رحمه اللَّه فقال: يمكن أن يعد ما في الآية من الأسماء المشتقة كل واحد منها بآيتين. لأن كل واحد يتحمل ضميراً ضرورة كونه مشتقا، وذلك الضمير إنما يعود إلى اللَّه تعالى، وهي باعتبار ظهورها اسم وقد اشتملت على آخر مضمر، فيكون جملة العدد على هذا النظر أحداً وعشرين اسما، وكنت قد أجريت معه في تعدد الزيادة المذكورة وجها لطيفاً، وهو أن الاسم المشتق لا يتحمل الضمير بعد صيرورته بالتسمية علما على الأصح، وهذه الصفات كلها أسماء اللَّه تعالى، ثم ولو فرضناها متحملة للضمائر بعد التسمية على سبيل التنزيل، فالمشتق إنما يقع على موصوفه باعتبار تحمله ضميره. ألا تراك إذا قلت: زيد كريم، وجدت «كريماً» إنما يقع على زيد، لأن فيه ضميره، حتى لو جردت النظر إليه لم تجده مختصا بزيد، بل لك أن توقعه على كل موصوف بالكرم من الناس، ولا تجده مختصا بزيد إلا باعتبار اشتماله على ضميره، فليس المشتق إذاً مستقلا بوقوعه على موصوفه إلا بضميمة الضمير إليه، فلا يمكن أن يجعل له حكم الانفراد عن الضمير مع الحكم برجوعه إلى معين ألبتة، فرضي الشيخ المذكور عن هذا البحث وصوبه واللَّه الموفق للصواب.]] من غير حرف عطف؟ قلت: ما منها جملة إلا وهي واردة على سبيل البيان لما ترتبت عليه والبيان متحد بالمبين، فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب: بين العصا [[قوله «بين العصا ولحائها» في الصحاح: اللحاء- ممدود- قشر الشجر. وفي المثل: لا تدخل بين العصا ولحائها. (ع)]] ولحائها، فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه. والثانية لكونه مالكا لما يدبره. والثالثة لكبرياء شأنه. والرابعة لإحاطته بأحوال الخلق، وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة، وغير المرتضى. والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله وعظم قدره. فان قلت: لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد منه قوله صلى اللَّه عليه وسلم: ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة، يا علىّ علمها ولدك وأهلك وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها [[لم أجده.]] وعن علىّ رضى اللَّه عنه: سمعت نبيكم صلى اللَّه عليه وسلم على أعواد المنبر وهو يقول: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمّنه اللَّه على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله [[أخرجه البيهقي في الشعب من طريق ابن إسحاق عن حبة بن جوين العرفي» سمعت على بن أبى طالب يقول: فذكره دون قوله «ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد» : وذكر ما بعده. وفي إسناده نهشل بن سعيد وهو متروك. وكذلك حبة العرفي، وأخرجه أيضا من حديث أنس بلفظ «من قرأ في دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي حفظ إلى الصلاة، ولا يحافظ عليها إلا نبى أو صديق أو شهيد» وإسناده ضعيف وصدر الحديث أخرجه النسائي وابن حبان، من حديث أبى أمامة، وإسناده صحيح، وله شاهد عن المغيرة بن شعبة عند أبى نعيم في الحلية من رواية محمد بن كعب القرظي عنه، وغفل ابن الجوزي فأخرجه في الموضوعات.]] وتذاكر الصحابة رضوان اللَّه عليهم أفضل ما في القرآن، فقال لهم علىّ رضى اللَّه عنه: أين أنتم عن آية الكرسي، ثم قال: قال لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم «يا علىّ، سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي [[لم أجده. وقد ذكره صاحب الفردوس ولم يخرجه ابنه.]] » قلت: لما فضلت له سورة الإخلاص لاشتمالها على توحيد اللَّه وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى، ولا مذكور أعظم من رب العزة فما كان ذكراً له كان أفضل من سائر الأذكار. وبهذا يعلم أنّ أشرف العلوم وأعلاها منزلة عند اللَّه علم أهل العدل والتوحيد [[قوله «علم أهل العدل والتوحيد» المعتزلة سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وعلم التوحيد أشرف العلوم في نفسه لا بقيد إضافته إلى فرقة من أهله، اللهم إلا عند المتعصب. (ع)]] ولا يغرّنك عنه كثرة أعدائه: ف إنَّ الْعَرَانِينَ تَلْقَاهَا مُحَسَّدَةً ... وَلَا تَرَى لِلِئَامِ النَّاسِ حُسَّادَا [[للمغيرة شاعر آل المهلب. وقيل للمهلبية: ما أكثر حسادكم فأنشدوه. والعرانين: الخيار الأشراف و «لن» لتوكيد النفي. ويروى: ولا ترى. ويروى: ما ترى. واللئيم: الخسيس، واللئام جمعه. وحساد- بضم الحاء- جمع حاسد. أى ليس للئيم الناس حاسداً، فهو من مقابلة الجمع بالجمع. وفتحها على أنه مفرد أبلغ من حيث المعنى، حيث نفى الواحد عن الجمع نفياً شمولياً.]]
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب