الباحث القرآني

وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ نصب عطف على: (نِعْمَتِيَ) أى اذكروا نعمتي وتفضيلي عَلَى الْعالَمِينَ على الجم الغفير من الناس، كقوله تعالى: (بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) يقال: رأيت عالما من الناس يراد الكثرة يَوْماً يريد يوم القيامة لا تَجْزِي لا تقضى عنها شيئا من الحقوق. ومنه الحديث في جذعة بن نيار: «تجزى عنك ولا تجزى عن أحد بعدك» [[متفق عليه من حديث البراء رضى اللَّه عنه. قال «ضحى خال لي يقال له أبو بردة بن نيار- فذكر الحديث»]] وشَيْئاً مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر، أى قليلا من الجزاء، كقوله تعالى: (وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) ومن قرأ (لا تجزئ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء. وقرأ أبو السرار الغنوي: لا تجزى نسمة عن نسمة شيئا. وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوما. فإن قلت: فأين العائد منها إلى الموصوف؟ قلت: هو محذوف تقديره: لا تجزى فيه. ونحوه ما أنشده أبو على: تَرَوَّحِى أَجْدَرُ أَنْ تَقِيلِى [[تروحي يا خيرة الغسيل ... تروحى أجدر أن تقيلى غدا بجنبي بارد ظليل لأبى على أحيحة بن الجلاح. يقول لناقته: بكرى بالرواح: أو جدي السير فيه. والغسيل: صنوان النخل. شبه ناقته بالمختار منه لعراقتها في الكرم وارتفاعها. وكرر الأمر للتوكيد. هذا ويقال: تروح النبت إذا طال. فتروحى: أى امتدى وارتفعى. والخطاب لعنعار النخل لا للناقة قاله العيني مخالفا جميع الشراح لهذا الرجز. وقد يؤكده أنه روى بدل «تروحى» الأول «تأبرى» والتأبير: وضع طلع الذكور من النخل في الإناث لتنمو ثمرتها ويمكن أن يقال: إنه ترشيح للتشبيه. والظاهر أنه انتقل من رجز إلى آخر لأحيحة، فقد روى عنه: تأبرى يا خيرة الغسيل ... تأبرى من حنذ فشولى إذ ضن أهل النخل بالفحول هذا هو خطاب الغسيل. وحنذ- بالتحريك- موضع قريب من المدينة. وقيل اسم قرية. وقيل اسم ماء. والمعنى: أن ريح الصبا تهب من جهته فتحمل طلع الذكور منه إلى الإناث فيغنيها عن التأبير الصناعى. وشولى أى ارتفعى وامتدى، أى تأبرى بنفسك، حيث بخل أهل النخل بطلع الذكور التي تلقح الإناث. وأجدر: نصب بمحذوف، أى وأتى مكانا أجدر وأحق بأن تقيلى فيه وتستريحي من السير. ويجوز نصبه بتروحي، بتضمينه معنى اطلبى. فحذف باء الجر ولفظ فيه لعلمها. وغدا نصب بتقيلى، بجنبي: أى في جنبي، فهو بدل من فيه المحذوفة، أى: في حافتي ماء بارد ظليل، أى مظلل بالأشجار، أو في جانبي مكان ذى ظل لا حر فيه. وحينئذ فالمعنى أجدر أن تقيلى بجانبيه، فأظهر في محل الإضمار لإظهار صفة المكان. وأفعل التفضيل المجرد إن لم تتصل به «من» لفظا فهي متصلة به تقديراً، على أن محل ذلك إذا أريد به التفضيل على معين. والظاهر أن أجدر هنا ليس كذلك، فلا حاجة لتقديرها. ويجوز أن يكون أجدر فعلا ماضياً أى دخل في الجدارة والحقية «أن تقيلى» أى حقت ووجبت قيلولتك، فلا حذف أصلا. وقال العيني: يجوز أن يكون بارد ظليل على حذف حرف العطف للضرورة، أى بجنب بارد وجنب ظليل.]] أى ماء أجدر بأن تقيلى فيه. ومنهم من ينزل فيقول: اتسع فيه، فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار ثم حذف الضمير كما حذف من قوله: أم مال أصابوا. ومعنى التنكير أن نفسا من الأنفس لا تجزى عن نفس منها شيئا من الأشياء، وهو الإقناط الكلى القطاع للمطامع. وكذلك قوله: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ أى فدية لأنها معادلة للمفدى. ومنه الحديث «لا يقبل منه صرف ولا عدل» [[متفق عليه من حديث على رضى اللَّه عنه رفعه «المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا، فمن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل- الحديث» ورواه عبد الرزاق وقال في آخره: والصرف والعدل: التطوع والفريضة. واتفقا عليه من حديث أنس نحوه. ولمسلم من حديث أبى صالح عن أبى هريرة رفعه: «بالمدينة حرم، فمن أحدث- فذكره» وغفل الطيبي فعزاه لأبى داود من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه، بلفظ «من تعلم صرف الكلام ليسبى به قلوب الناس لم يقبل اللَّه منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» .]] أى توبة ولا فدية. وقرأ قتادة: ولا يقبل منها شفاعة، على بناء الفعل للفاعل وهو اللَّه عز وجل، ونصب الشفاعة. وقيل: كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا. فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الشفاعة لا تقبل للعصاة [[قال محمود رحمه اللَّه: «هل فيه دليل على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة ... الخ» ؟ قال أحمد رحمه اللَّه: أما من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها. وأما من آمن بها وصدقها وهم أهل السنة والجماعة، فأولئك يرجون رحمة اللَّه. ومعتقدهم أنها تنال العصاة من المؤمنين، وإنما ادخرت لهم. وليس في الآية دليل لمنكريها، لأن قوله يوما أخرجه منكرا، ولا شك أن في القيامة مواطن، ويومها معدود بخمسين ألف سنة، فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة وبعضها هو الوقت الموعود وفيه المقام المحمود لسيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام. قد وردت آي كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها واختلاف أوقاتها. منها قوله تعالى: (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) مع قوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين، متغايرين: أحدهما محل للتساؤل والآخر ليس محلا له، وكذلك الشفاعة، وأدلة ثبوتها لا تحصى كثرة، رزقنا اللَّه الشفاعة وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة]] ؟ قلت: نعم، لأنه نفى أن تقضى نفس عن نفس حقاً أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع فعلم أنها لا تقبل للعصاة. فإن قلت: الضمير في (وَلا يُقْبَلُ مِنْها) إلى أى النفسين يرجع؟ قلت: إلى الثانية العاصية غير المجزى عنها، وهي التي لا يؤخذ منها عدل. ومعنى لا يقبل منها شفاعة: إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها. ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزى عنها شيئا، ولو أعطت عدلا عنها لم يؤخذ منها وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعنى ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة والتذكير بمعنى العباد والأناسى، كما تقول: ثلاثة أنفس.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب