الباحث القرآني

وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أى نظر عينيك، ومدّ النظر: تطويله، وأن لا يكاد يرده، استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به، وتمنيا أن يكون له، كما فعل نظارة قارون حين قالوا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ حتى واجههم أو لو العلم والإيمان ب وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه، وذلك مثل نظر من باده الشيء بالنظر ثم غض الطرف، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع، وأنّ من أبصر منها شيئا أحب أن يمدّ إليه نظره ويملأ منه عينيه: قيل وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أى لا تفعل ما أنت معتاد له وضاربه، ولقد شدّد العلماء من أهل التقوى في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمراكب وغير ذلك، لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم، وكالمغري لهم على اتخاذها أَزْواجاً مِنْهُمْ أصنافا من الكفرة. ويجوز أن ينتصب حالا من هاء الضمير، والفعل واقع على مِنْهُمْ كأنه قال: إلى الذي متعنا به وهو أصناف بعضهم وناسا منهم. فإن قلت: علام انتصب زَهْرَةَ؟ قلت: على أحد أربعة أوجه: على الذم وهو النصب على الاختصاص. وعلى تضمين مَتَّعْنا معنى أعطينا وخوّلنا، وكونه مفعولا ثانيا له. وعلى إبداله من محل الجار والمجرور. وعلى إبداله من أزواجا، على تقدير ذوى زهرة. فإن قلت: ما معنى الزهرة فيمن حرّك [[قوله «حرك» أى حرك الهاء بالفتح. (ع)]] ؟ قلت: معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة، كما جاء في الجهرة الجهرة. وقرئ: أرنا الله جهرة. وأن تكون جمع زاهر، وصفا لهم بأنهم زاهروا هذه الدنيا، لصفاء ألوانهم مما يلهون ويتنعمون، وتهلل وجوههم [[قوله «وتهلل وجوههم» الذي في الصحاح: تهلل وجه الرجل من فرحه، وهلهل النساج الثوب. أرق نسجه وخففه. (ع)]] وبهاء زيهم وشارتهم [[قوله «وبهاء زيهم وشارتهم» في الصحاح: الزي والشارة: اللباس والهيئة. (ع)]] ، بخلاف ما عليه المؤمنون والصلحاء: من شحوب الألوان والتقشف في الثياب لِنَفْتِنَهُمْ لنبلوهم حتى يستوجبوا العذاب، لوجود الكفران منهم. أو لنعذبهم في الآخرة بسببه وَرِزْقُ رَبِّكَ هو ما ادّخر له من ثواب الآخرة الذي هو خير منه في نفسه وأدوم. أو ما رزقه من نعمة الإسلام والنبوّة. أو لأن أموالهم الغالب عليها الغصب والسرقة والحرمة [[قال محمود: «معناه أن رزق هؤلاء المتمتعين في الدنيا أكثره مكتسب من الحرام ... الخ» قال أحمد: لولا أن غرض القدرية من هذا إثبات رازق غير الله تعالى كما أثبتوا خالقا سوى الله تعالى لكان البحث لفظيا. فالحق والسنة أن كل ما تقوم به البنية رزق من الله تعالى، سواء كان حلالا أو غيره، لا يلزم من كون الله تعالى رزقه أن يكون حلالا، فكما يخلق الله تعالى على يدي العبد ما نهاه عنه، كذلك يرزقه ما أباح له تناوله وما لا لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ والله الموفق الصواب.]] من بعض الوجوه، والحلال خَيْرٌ وَأَبْقى لأن الله لا ينسب إلى نفسه إلا ما حل وطاب دون ما حرم وخبث، والحرام لا يسمى رزقا أصلا [[قوله «والحرام لا يسمي رزقا أصلا» هذا عند المعتزلة، ويسمى رزقا عند أهل السنة. (ع)]] . وعن عبد الله بن قسيط عن رافع قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهودى وقال: «قل له يقول لك رسول الله أقرضنى إلى رجب» فقال: والله لا أقرضته إلا برهن، فقال رسول الله «إنى لأمين في السماء وإنى لأمين في الأرض، احمل إليه درعي [[قلت وقع فيه تحريف في الراويين. وإنما هو عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبى رافع. ولعل ذلك من النساخ. والحديث أخرجه إسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى والبزار والطبري والطبراني من هذا الوجه مطولا. وفيه موسى بن عبيدة الزبيري وهو متروك. واستدل على بطلان ما رواه أنه وقع فيه «أن قوله تعالى وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ الآية نزلت في هذه القصة وسورة طه مكية- وهذه القصة إنما كانت في المدينة كما في الصحيح. وهذا يمكن الجواب عنه إذ لا مانع أن تكون الآية وحدها مدنية. وبقية السورة مكي. وأما حمله على تعدد القصة فلم يصب.]] الحديد» فنزلت: ولا تمدّنّ عينيك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب