الباحث القرآني

لا يخلو الموعد في قوله فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً من أن يجعل زمانا أو مكانا أو مصدرا. فإن جعلته زمانا نظرا في أن قوله تعالى مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ مطابق له، لزمك شيئان أن تجعل الزمان مخلفا، وأن يعضل عليك ناصب مكانا: وإن جعلته مكانا لقوله تعالى مَكاناً سُوىً لزمك [[قال محمود: «إن جعلت موعدا الأول اسم مكان ليطابق قوله مكانا سوى لزمك ... الخ» قال أحمد: وفي إعماله وقد وصف بقوله لا نُخْلِفُهُ بعد، إلا أن تجعل الجملة معترضة، فهو مع ذلك لا يخلو من بعد، من حيث أن وقوع الجملة عقيب النكرة بحيزها، الشأن أن تكون صفة، والله أعلم. ويحتمل عندي وجه آخر أخصر وأسلم، وهو أن يجعل موعدا اسم مكان فيطابق مكانا، ويكون بدلا منه، ويطابق الجواب بالزمان بالتقرير الذي ذكره، ويبقى عود الضمير، فنقول: هو والحالة هذه عائد على المصدر المفهوم من اسم المكان، لأن حروفه فيه. والموعد إذا كان اسم مكان فحاصله مكان وعد، كما إذا كان اسم زمان فحاصله زمان وعد. وإذا جاز رجوع الضمير إلى ما دلت قوة الكلام عليه وإن لم يكن منطوقا به بوجه، فرجوعه إلى ما هو كالمنطوق به أولى. ومما يحقق ذلك أنهم قالوا: من صدق كان خيرا له. يعنون: كان الصدق خيرا له، فأعادوا الضمير على المصدر وقدروه منطوقا به للنطق بالفعل الذي هو مشتق منه. وإذا أوضح ذلك فاسم المكان مشتق من المصدر اشتقاق الفعل منه، فالنطق به كاف في إعادة الضمير على مصدره والله أعلم. وعلى هذين التأويلين يكون جواب موسى عليه السلام من جوامع كلم الأنبياء لأنه سئل أن يواعدهم مكانا فعلم أنهم لا بد أن يسألوه مواعدة على زمان أيضا، فأسلف الجواب عنه وضمنها جوابا مفردا، ولقائل أن يقول: إن كان المسئول منه المواعدة على المكان فلم أجاب بالزمان الذي لم يسئل عنه صريحا، وجعل جواب ما سئل عنه مضمنا. وجوابه- والله أعلم- أن يقال اكتفى بقرينة السؤال عن صريح الجواب. وأما ما لم يسئل عنه فلو ضمنه لم يفهم قصده إليه، إذ لا قرينة تدل عليه والله أعلم.]] . أيضا أن توقع الإخلاف على المكان، وأن لا يطابق قوله مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وقراءة الحسن غير مطابقة له مكانا وزمانا جميعا، لأنه قرأ يَوْمُ الزِّينَةِ بالنصب، فبقى أن يجعل مصدرا بمعنى الوعد، ويقدر مضاف محذوف، أى: مكان موعد، ويجعل الضمير في نُخْلِفُهُ للموعد ومَكاناً بدل من المكان المحذوف. فإن قلت. فكيف طابقه قوله مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ولا بد من أن تجعله زمانا، والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان؟ قلت: هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظا، لأنهم لا بدّ لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه، مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم، فبذكر الزمان علم المكان. وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير. والمعنى: إنجاز وعدكم يوم الزينة. وطباق هذا أيضا من طريق المعنى. ويجوز أن لا يقدر مضاف محذوف، ويكون المعنى: اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه. فإن قلت: فبم ينتصب مكانا؟ قلت: بالمصدر. أو بفعل يدل عليه المصدر. فإن قلت: فكيف يطابقه الجواب؟ قلت: أما على قراءة الحسن فظاهر. وأما على قراءة العامة فعلى تقدير: وعدكم وعد يوم الزينة. ويجوز على قراءة الحسن أن يكون مَوْعِدُكُمْ مبتدأ، بمعنى الوقت. وضُحًى خبره، على نية التعريف فيه لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه. وقيل في يوم الزينة: يوم عاشوراء، ويوم النيروذ [[قوله «ويوم النيروذ» لعله النيروز بالزاي كعبارة غيره. (ع)]] ، ويوم عيد كان لهم في كل عام، ويوم كانوا يتخذون فيه سوقا ويتزينون ذلك اليوم. قرئ نُخْلِفُهُ بالرفع على الوصف للموعد. وبالجزم على جواب الأمر. وقرئ سُوىً وسوى، بالكسر والضم، ومنونا وغير منون. ومعناه: منصفا بيننا [[قوله «منصفا بيننا» أى وسطا، كما في الصحاح. (ع)]] وبينك عن مجاهد، وهو من الاستواء لأنّ المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية لا تفاوت فيها. ومن لم ينون فوجهه أن يجرى الوصل مجرى الوقف. قرئ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ بالتاء والياء. يريد: وأن تحشر يا فرعون. وأن يحشر اليوم. ويجوز أن يكون فيه ضمير فرعون ذكره بلفظ الغيبة إما على العادة التي يخاطب بها الملوك، أو خاطب القوم بقوله مَوْعِدُكُمْ وجعل يُحْشَرَ لفرعون. ومحل أَنْ يُحْشَرَ الرفع أو الجرّ، عطفا على اليوم أو الزينة: وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وظهور دينه وكبت الكافر [[قوله «وكبت الكافر» أى إذلاله. أقاده الصحاح. (ع)]] وزهوق الباطل على رءوس الأشهاد وفي المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب في اتباع الحق، ويكل حدّ المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب