الباحث القرآني

ذلِكَ خبر مبتدإ محذوف، أى: الأمر والشأن ذلك، كما يقدّم الكاتب جملة من كتابه في بعض المعاني، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال: هذا وقد كان كذا. والحرمة: ما لا يحل هتكه. وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، فيحتمل أن يكون عاما في جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصا فيما يتعلق بالحج. وعن زيد بن أسلم: الحرمات خمس الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمحرم حتى يحل فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ أى فالتعظيم خير له. ومعنى التعظيم: العلم بأنها واجبة المراعاة والحفظ والقيام بمراعاتها. المتلوّ لا يستثنى من الأنعام، ولكن المعنى إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ آية تحريمه، وذلك قوله في سورة المائدة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ والمعنى: أنّ الله قد أحل لكم الأنعام كلها إلا ما استثناه في كتابه، فحافظوا على حدوده، وإياكم أن تحرموا مما أحل شيئا، كتحريم عبدة الأوثان البحيرة والسائبة وغير ذلك، وأن تحلوا مما حرم الله، كاحلالهم أكل الموقوذة والميتة وغير ذلك. لما حث على تعظيم حرماته وأحمد من يعظمها [[قوله «وأحمد من يعظمها» في الصحاح «أحمدته» : وجدته محمودا موافقا مرضيا. (ع)]] أتبعه الأمر باجتناب الأوثان وقول الزور، لأن توحيد الله ونفى الشركاء عنه وصدق القول أعظم الحرمات وأسبقها خطوا. وجمع الشرك وقول الزور في قران واحد، وذلك أنّ الشرك من باب الزور لأنّ المشرك زاعم أنّ الوثن تحق له العبادة، فكأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله لا تقربوا شيئا منه لتماديه في القبح والسماجة. وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان. وسمى الأوثان رجسا وكذلك الخمر والميسر والأزلام، على طريق التشبيه. يعنى: أنكم كما تنفرون بطباعكم عن الرجس وتجتنبونه، فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء مثل تلك النفرة. ونبه على هذا المعنى بقوله رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ جعل العلة في اجتنابه أنه رجس، والرجس مجتنب مِنَ الْأَوْثانِ بيان للرجس وتمييز له، كقولك: عندي عشرون من الدراهم، لأنّ الرجس مبهم يتناول غير شيء، كأنه قيل: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. والزور من الزور والازورار وهو الانحراف، كما أنّ الإفك من أفكه إذا صرفه. وقيل قَوْلَ الزُّورِ قولهم: هذا حلال وهذا حرام، وما أشبه ذلك من افترائهم. وقيل: شهادة الزور. عن النبي ﷺ أنه صلى الصبح فلما سلم قام قائما واستقبل الناس بوجهه وقال «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» [[أخرجه أبو داود وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة من رواية سفيان بن زياد العصفري عن أبيه عن حبيب ابن النعمان عن حريم بن فاتك. وأخرجه الترمذي من رواية العصفري عن فاتك بن فضالة عن أنس بن حريم كذا قال.]] وتلا هذه الاية. وقيل: الكذب والبهتان. وقيل: قول أهل الجاهلية في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق، فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده نهاية، بأن صور حاله بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته الطير، فتفرق مزعا [[قوله «مزعا» مفرده «مزعة» بالضم. أى: قطعة لحم كما في الصحاح. (ع)]] في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح [[قوله «والمطاوح» أى المقاذف. وطاح يطوح ويطيح: هلك وسقط. وطوحته الطوائح: قذفته القواذف، كذا في الصحاح أيضا. (ع)]] البعيدة. وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوّح به في وادى الضلالة بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوى المتلفة [[قال محمود: «ويجوز في هذا التشبيه أن يكون مركبا ومفرقا، فان كان مركبا فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده نهاية، بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاختطفته الطير فصيرته مزعا في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة، وإن كان مفرقا فقد شبه الايمان في علوه بالسماء والذي ترك الايمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، وشبه الأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادى الضلالة بالريح تهوى بما عصفت به في بعض المهاوى المتلفة» قال أحمد: أما على تقدير أن يكون مفرقا، فيحتاج تأويل تشبيه المشرك بالهاوى من السماء إلى التنبيه على أحد أمرين: إما أن يكون الاشراك المراد ردته، فانه حينئذ كمن علا إلى السماء بإيمانه ثم هبط بارتداده. وإما أن يكون الاشراك أصليا، فيكون قد عد تمكن المشرك من الايمان ومن العلو به ثم عدوله عنه اختيارا، بمنزلة من علا إلى السماء ثم هبط كما قال تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ فعدهم مخرجين من النور وما دخلوه قط، ولكن كانوا متمكنين منه. وقد مضى تقرير هذا المعنى بأبسط من هذا. وفي تقريره تشبيه الأفكار المتوزعة للكافر بالطير المختطفة، وفي تشبيه تطويح الشيطان بالهوى مع الريح في مكان سحيق: نظر، لأن الأمرين ذكرا في سياق تقسيم حال الكافر إلى قسمين، فإذا جعل الأول مثلا لاختلاف الأهواء والأفكار. والثاني مثلا لنزغ الشيطان: فقد جعلهما شيئا واحدا، لأن توزع الأفكار واختلاف الأهواء، مضاف إلى نزغ الشيطان، فلا يتحقق التقسيم المقصود. والذي يظهر في تقرير التشبيهين غير ذلك، فنقول: لما انقسمت حال الكافر إلى قسمين لا مزيد عليهما، الأول منهما: المتذبذب والمتمادى على الشك وعدم التصميم على ضلالة واحدة، فهذا القسم من المشركين مشبه بمن اختطفته الطير وتوزعته فلا يستولى طائر على مزعة منه إلا انتهبها منه آخر، وذلك حال المذبذب لا يلوح له خيال إلا اتبعه ونزل عما كان عليه. والثاني: مشرك مصمم على معتقد باطل، لو نشر بالمباشير لم يكع ولم يرجع لا سبيل إلى تشكيكه ولا مطمع في نقله عما هو عليه، فهو فرح مبتهج لضلالته، فهذا مشبه في إقراره على كفره باستقرار من هوت به الريح إلى واد سافل فاستقر فيه. ونظير تشبيهه بالاستقرار في الوادي السحيق الذي هو أبعد الأخباء عن السماء: وصف ضلاله بالبعد في قوله تعالى أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً أى صمموا على ضلالهم فبعد رجوعهم إلى الحق، فهذا تحقيق القسمين، والله أعلم.]] . وقرئ: فتخطفه. بكسر الخاء والطاء. وبكسر التاء مع كسرهما، وهي قراءة الحسن. وأصلها: تختطفه. وقرئ: الرياح.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب