الباحث القرآني

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي أى جلدهما. ويجوز أن يكون الخبر: فَاجْلِدُوا، وإنما دخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمينه معنى الشرط [[قال محمود: «في الرفع وجهين، أحدهما: الابتداء والخبر محذوف، وهو إعراب الخليل وسيبويه. والتقدير: وفيما فرض عليكم الزانية والزاني، أى: جلدهما. الثاني: أن يكون الخبر فاجلدوا، ودخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وقد ضمن معنى الشرط» قال أحمد: وإنما عدل سيبويه إلى هذا الذي نقله عنه لوجهين: لفظي ومعنوي. أما اللفظي فلأن الكلام أمر وهو يخيل اختيار النصب، ومع ذلك قراءة العامة، فلو جعل فعل الأمر خبرا وبنى المبتدأ عليه لكان خلاف المختار عند الفصحاء، فالتجأ إلى تقدير الخبر حتى لا يكون المبتدأ مبنيا على الأمر، فخلص من مخالفة الاختيار، وقد مثلهما سيبويه في كتابه بقوله تعالى مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ ... الآية ووجه التمثيل أنه صدر الكلام بقوله مَثَلُ الْجَنَّةِ ولا يستقيم جزما أن يكون قوله فِيها أَنْهارٌ خبره، فتعين تقدير خبره محذوفا. وأصله: فيما نقص عليكم مثل الجنة، ثم لما كان هذا إجمالا لذكر المثل فصل بقوله فِيها أَنْهارٌ إلى آخرها، فكذلك هاهنا، كأنه قال: وفيما فرض عليكم شأن الزانية والزاني، ثم فصل هذا المجمل بما ذكر من أحكام الجلد، ويناسب هذا ترجمة الفقهاء في كتبهم حيث يقولون مثلا: الصلاة، الزكاة، السرقة. ثم يذكرون في كل باب أحكامه، يريدون مما يصنف فيه ويبوب عليه: الصلاة، وكذلك غيرها، فهذا بيان المقتضى عند سيبويه، لاختيار حذف الخبر من حيث الصناعة اللفظية. وأما من حيث المعنى فهو أن المعنى أتم وأكمل على حذف الخبر، لأن يكون قد ذكر حكم الزانية والزاني مجملا حيث قال: الزانية والزاني وأراد: وفيما فرض عليكم حكم الزانية والزاني، فلما تشوف السامع إلى تفصيل هذا المجمل ذكر حكمهما مفصلا، فهو أوقع في النفس من ذكره أول وهلة، والله أعلم.]] ، تقديره: التي زنت، والذي زنى فاجلدوهما، كما تقول: من زنى فاجلدوه، وكقوله وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ وقرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، وهو أحسن من سورة أنزلناها لأجل الأمر. وقرئ: والزان، بلا ياء. والجلد: ضرب الجلد، يقال: جلده، كقولك: ظهره وبطنه ورأسه. فإن قلت: أهذا حكم جميع الزناة والزواني، أم حكم بعضهم؟ قلت: بل هو حكم من ليس بمحصن منهم، فإنّ المحصن حكمه الرجم. وشرائط الإحصان عند أبى حنيفة ست: الإسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والتزوج بنكاح صحيح، والدخول. إذا فقدت واحدة منها فلا إحصان. وعند الشافعي: الإسلام ليس بشرط، لما روى أنّ النبي ﷺ رجم يهوديين زنيا [[متفق عليه من حديث ابن عمر رضى الله عنهما]] . وحجة أبى حنيفة قوله ﷺ «من أشرك بالله فليس بمحصن [[أخرجه إسحاق والدارقطني تفرد برفعه إسحاق. قلت: قال إسحاق في مسنده أن شيخه حدثه به مرة أخرى موقوفا.]] » فإن قلت: اللفظ يقتضى تعليق الحكم بجميع الزناة والزواني، لأن قوله الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي عام في الجميع، يتناول المحصن وغير المحصن. قلت: الزانية والزاني يدلان على الجنسين المنافيين لجنسى العفيف والعفيفة دلالة مطلقة والجنسية قائمة في الكل والبعض جميعا، فأيهما قصد المتكلم فلا عليه، كما يفعل بالاسم المشترك. وقرئ: ولا يأخذكم، بالياء. ورأفة، بفتح الهمزة. ورآفة على فعالة. والمعنى: أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ويستعملوا الجدّ والمتانة فيه، ولا يأخذهم اللين والهوادة في استيفاء حدوده. وكفى برسول الله ﷺ أسوة في ذلك حيث قال «لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها [[متفق عليه من حديث عائشة رضى الله عنها.]] » وقوله إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه وقيل لا تترحموا عليهما حتى لا تعطلوا الحدود أو حتى لا توجعوهما ضربا. وفي الحديث «يؤتى بوال نقص من الحدّ سوطا، فيقول: رحمة لعبادك، فيقال له: أأنت أرحم بهم منى، فيؤمر به إلى النار. ويؤتى بمن زاد سوطا فيقول لينتهوا عن معاصيك فيؤمر به إلى النار [[لم أجده بهذا اللفظ وعند أبى يعلى من رواية عمرو بن ضرار عن حذيفة مرفوعا «يؤتى بالذي ضرب فوق الحد فيقول له الله تعالى: عبدى، لم ضربته فوق الحد؟ فيقول غضبا لك. فيقول: أكان غضبك أشد من غضبي. ويؤتى بالذي قصر فيقول عبدى لم قصرت؟ فيقول: رحمته. فيقول أكانت رحمتك أشد من رحمتي. ثم يؤمر بهما جميعا إلى النار»]] » وعن أبى هريرة: إقامة حدّ بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة [[أخرجه النسائي من طريق أبى زرعة عنه موقوفا وأخرجه النسائي أيضا وابن حبان وأحمد وابن ماجة والطبرانى من هذا الوجه مرفوعا. وقال «أربعين صباحا» ولأحمد «ثلاثين أو أربعين صباحا» وفي الباب عن ابن عمر، أخرجه ابن ماجة بلفظ «إقامة حد من حدود الله تعالى خير من مطر أربعين ليلة»]] . وعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلا عالما بصيرا يعقل كيف يضرب. والرجل يجلد قائما على مجرّده [[قوله «على مجرده» في الصحاح: فلان حسن المجرد، أى: المعرى اه، أى: المكشوف عن الثياب. (ع)]] ليس عليه إلا إزاره، ضربا وسطا لا مبرحا ولا هينا، مفرّقا على الأعضاء كلها لا يستثنى منها إلا ثلاثة: الوجه، والرأس، والفرج. وفي لفظ الجلد: إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم. والمرأة تجلد قاعدة، ولا ينزع من ثيابها إلا الحشو والفرو، وبهذه الآية استشهد أبو حنيفة على أن الجلد حدّ غير المحصن بلا تغريب. وما احتج به الشافعي على وجوب التغريب من قوله ﷺ «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام [[أخرجه مسلم وأصحاب السنن من حديث عبادة بن الصامت في أثناء حديث]] » وما يروى عن الصحابة: أنهم جلدوا ونفوا [[أخرجه الترمذي والحاكم من حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب.]] : منسوخ عنده وعند أصحابه بالآية. أو محمول على وجه التعزير والتأديب من غير وجوب. وقول الشافعي في تغريب الحرّ واحد، وله في العبد ثلاثة أقاويل: يغرب سنة كالحرّ، ويغرب نصف سنة كما يجلد خمسين جلدة، ولا يغرب كما قال أبو حنيفة. وبهذه الآية نسخ الحبس الأذى في قوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، وقوله تعالى فَآذُوهُما. قيل: تسميته عذابا دليل على أنه عقوبة. ويجوز أن يسمى عذابا، لأنه يمنع من المعاودة كما سمى نكالا. الطائفة: الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة، وأقلها ثلاثة أو أربعة، وهي صفة غالبة كأنها الجماعة الحافة حول الشيء. وعن ابن عباس في تفسيرها: أربعة إلى أربعين رجلا من المصدقين بالله. وعن الحسن: عشرة. وعن قتادة: ثلاثة فصاعدا. وعن عكرمة: رجلان فصاعدا. وعن مجاهد: الواحد فما فوقه. وفضل قول ابن عباس، لأن الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها هذا الحد والصحيح أن هذه الكبيرة من أمّهات الكبائر، ولهذا قرنها الله بالشرك وقتل النفس في قوله وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً، وقال: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا وعن النبي ﷺ «يا معشر الناس اتقوا الزنى فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا، وثلاث في الآخرة. فأما اللاتي في الدنيا: فيذهب البهاء ويورث الفقر، وينقص العمر. وأما اللاتي في الآخرة: فيوجب السخطة، وسوء الحساب، والخلود في النار» [[أخرجه البيهقي في الشعب في السابع والثلاثين وابن مردويه وابن أبى حاتم وأبو نعيم في الحلية في ترجمة أبى وائل عن حذيفة، بلفظ «يا معشر الناس» وفي آخره: ثم تلا أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ قال أبو نعيم: تفرد به مسلمة بن على الحسنى عن أبى عبد الرحمن الكوفي عن الأعمش وهو ضعيف، وقال البيهقي: مسلمة متروك. وعبد الرحمن مجهول، وأخرجه الثعلبي من رواية معاوية بن يحيى عن الأعمش فيحتمل أن يكون هو أبو عبد الرحمن المذكور. وفي الباب عن أنس أخرجه الخطيب وابن الجوزي من طريقه وفي إسناده كعب بن عمرو بن جعفر وهو غير ثقة. ورواه الواحدي في الوسيط غالبا من طريق أبى الدنيا الأشج عن على مرفوعا والأشج ادعى أنه سمع من على بعد الثلاثمائة فسمع منه أبو بكر المفيد وغيره وأخباره معروفة.]] ولذلك وفي الله فيه عقد المائة بكماله، بخلاف حد القذف وشرب الخمر. وشرع فيه القتلة الهولة وهي الرجم، ونهى المؤمنين عن الرأفة على المجلود فيه، وأمر بشهادة الطائفة للتشهير، فوجب أن تكون طائفة يحصل بها التشهير، والواحد والاثنان ليسوا بتلك المثابة، واختصاصه المؤمنين لأن ذلك أفضح، والفاسق بين صلحاء قومه أخجل. ويشهد له قول ابن عباس رضى الله عنهما: إلى أربعين رجلا من المصدقين بالله.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب