الباحث القرآني

وَلْيَسْتَعْفِفِ وليجتهد في العفة وظلف النفس [[قوله «وظلف النفس» في الصحاح: ظلف نفسه عن الشيء، أى: منعها. وظلفت نفسي عن كذا بالكسر-: أى كفت. (ع)]] ، كأن المستعف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه لا يَجِدُونَ نِكاحاً أى استطاعة تزوج. ويجوز أن يراد بالنكاح: ما ينكح به من المال حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ترجية للمستعفين وتقدمة وعد بالتفضل عليهم بالغنى، ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفا لهم في استعفافهم، وربطا على قلوبهم، وليظهر بذلك أن فضله أولى بالإعفاء وأدنى من الصلحاء. وما أحسن ما رتب هذه الأوامر: حيث أمر أولا بما يعصم من الفتنة ويبعد من مواقعة المعصية وهو غض البصر، ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها [[قوله «وعزفها عن الطموح إلى الشهوة» في الصحاح: عزفت نفسي عن الشيء: زهدت فيه وانصرفت عنه. (ع)]] عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ مرفوع على الابتداء. أو منصوب بفعل مضمر يفسره فَكاتِبُوهُمْ كقولك: زيدا فاضربه، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط. والكتاب والمكاتبة، كالعتاب والمعاتبة: وهو أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على ألف درهم، فإن أداها عتق. ومعناه: كتبت لك على نفسي أن تعتق منى إذا وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك. أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت على العتق. ويجوز عند أبى حنيفة رضى الله عنه حالا ومؤجلا. ومنجما وغير منجم لأن الله تعالى لم يذكر التنجيم، وقياسا على سائر العقود. وعند الشافعي رضى الله عنه: لا يجوز إلا مؤجلا منجما. ولا يجوز عنده بنجم واحد لأنّ العبد لا يملك شيئا، فعقده حالا منع من حصول الغرض، لأنه لا يقدر على أداء البدل عاجلا. ويجوز عقده على مال قليل وكثير، وعلى خدمة في مدة معلومة، وعلى عمل معلوم مؤقت: مثل حفر بئر في مكان بعينه معلومة الطول والعرض وبناء دار قد أراه آجرها وجصها وما يبنى به. وإن كاتبه على قيمته لم يجز. فإن أداها عتق. وإن كاتبه على وصيف [[قوله «على وصيف» الوصيف: الخادم، غلاما كان أو جارية، كذا في الصحاح. (ع)]] ، جاز، لقلة الجهالة ووجب الوسط، وليس له أن يطأ المكاتبة، وإذا أدى عتق، وكان ولاؤه لمولاه، لأنه جاد عليه بالكسب الذي هو في الأصل له، وهذا الأمر للندب عند عامة العلماء. وعن الحسن رضى الله عنه: ليس ذلك بعزم، إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب. وعن عمر رضى الله عنه: هي عزمة من عزمات الله. وعن ابن سيرين مثله وهو مذهب داود خَيْراً قدرة على أداء ما يفارقون عليه. وقيل: أمانة وتكسبا. وعن سلمان رضى الله عنه أن مملوكا له ابتغى أن يكاتبه فقال: أعندك مال؟ قال: لا، قال: أفتأمرنى أن آكل غسالة أيدى الناس وَآتُوهُمْ أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال، كقوله تعالى وَفِي الرِّقابِ عند أبى حنيفة وأصحابه رضى الله عنهم. فإن قلت: هل يحل لمولاه إذا كان غنيا أن يأخذ ما تصدق به عليه؟ قلت. نعم. وكذلك إذا لم تف الصدقة بجميع البدل وعجز عن أداء الباقي طاب للمولى ما أخذه، لأنه لم يأخذه بسبب الصدقة، ولكن بسبب عقد المكاتبة كمن اشترى الصدقة من الفقير أو ورثها أو وهبت له، ومنه قوله ﷺ في حديث بريرة «هو لها صدقة ولنا هدية» [[متفق عليه من حديث عائشة رضى الله عنها في أثناء حديث في قصة بريرة وعتقها.]] وعند الشافعي رضى الله عنه: هو إيجاب على الموالي أن يحطوا لهم من مال الكتابة. وإن لم يفعلوا أجبروا. وعن على رضى الله عنه: يحط له الربع. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: يرضخ له من كتابته شيئا. وعن عمر رضى الله عنه أنه كاتب عبدا له يكنى أبا أمية، وهو أوّل عبد كوتب في الإسلام، فأتاه بأوّل نجم فدفعه إليه عمر رضى الله عنه وقال: استعن به على مكاتبتك فقال: لو أخرته إلى آخر نجم؟ قال: أخاف أن لا أدرك ذلك [[أخرجه ابن أبى شيبة من طريق عكرمة عن ابن عباس إلا قوله «وهو أول عبد كوتب في الإسلام» ذكره في آخره من قول عكرمة. وزاد ثم قرأ وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ ورواه ابن أبى حاتم من طريق وكيع شيخ ابن أبى شيبة كذلك.]] . وهذا عند أبى حنيفة رضى الله عنه على وجه الندب وقال: إنه عقد معاوضة فلا يجبر على الحطيطة كالبيع. وقيل: معنى وَآتُوهُمْ: أسلفوهم. وقيل: أنفقوا عليهم بعد أن يؤدوا ويعتقوا. وهذا كله مستحب. وروى أنه كان لحويطب بن عبد العزى مملوك يقال له الصبيح: سأل مولاه أن يكاتبه فأبى، فنزلت. كانت إماء أهل الجاهلية يساعين على مواليهن، وكان لعبد الله بن أبىّ رأس النفاق ست جوار: معاذة، ومسيكة، وأميمة، وعمرة، وأروى، وقتيلة: يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت ثنتان منهن إلى رسول الله ﷺ» . فنزلت. ويكنى بالفتى والفتاة: عن العبد والأمة. وفي الحديث: «ليقل أحدكم فتاي وفتأتي، ولا يقل عبدى وأمتى» [[تقدم في الكهف.]] والبغاء: مصدر البغي. فإن قلت: لم أقحم قوله إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً قلت: لأن الإكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن، وآمر الطيعة الموانية للبغاء لا يسمى مكرها ولا أمره إكراها [[قال محمود: «إن قلت: لم أقحم قوله إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً؟ قلت: لأن الإكراه لا يكون إلا إذا أردن تحصنا ولا يتصور إلا كذلك، إذ لولا ذلك لكن مطاوعات» ولم يجب بما بشفى العليل. وعند العبد الفقير إلى الله تعالى أن فائدة ذلك- والله أعلم: أن يبشع عند المخاطب الوقوع فيه، لكي يتيقظ أنه كان ينبغي له أن يأنف من هذه الرذيلة وإن لم يكن زاجر شرعي. ووجه التبشيع عليها: أن مضمون الآية النداء عليه بأن أمته خير منه، لأنها آثرت التحصن عن الفاحشة، وهو يأبى إلا إكراهها عليها. ولو أبرز مكنون هذا المعنى لم يقع الزاجر من النفس موقعه، وعسى هذه الآية تأخذ بالنفوس الدنية، فكيف بالنفوس العربية، والله الموفق.]] . وكلمة إِنْ وإيثارها على «إذا» إيذان بأن المساعيات كنّ يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن، وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حين الشاذ النادر غَفُورٌ رَحِيمٌ لهم أو لهن. أو لهم ولهنّ إن تابوا وأصلحوا. وفي قراءة ابن عباس: لهن غفور رحيم. فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهنّ، لأن المكرهة على الزنى بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة. قلت: لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل، أو بما يخاف منه التلف أو ذهاب العضو، من ضرب عنيف أو غيره حتى تسلم من الإثم، وربما قصرت عن الحدّ الذي تعذر فيه فتكون آثمة
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب