الباحث القرآني

أمرهم بألا يتوكلوا إلا عليه ولا يفوّضوا أمورهم إلا إليه ثم ذكرهم ما يوجب عليهم التوكل مما يسر لهم من الفتح يوم بدر وهم في حالة قلة وذلة. والأذلة: جمع قلة والذلان جمع الكثرة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلا، وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوّهم في حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس والشكة والشوكة [[قوله «والشكة والشوكة» في الصحاح: الشكة- بالكسر- السلاح. والشوكة: شدة البأس. (ع)]] . وبدر: اسم ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدراً فسمى به فَاتَّقُوا اللَّهَ في الثبات مع رسوله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته. أو لعلكم ينعم اللَّه عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له إِذْ تَقُولُ ظرف لنصركم، على أن يقول لهم ذلك يوم بدر، أو بدل ثان من (إِذْ غَدَوْتَ) على أن يقوله لهم يوم أحد. فإن قلت. كيف يصح أن يقول لهم يوم أحد ولم تنزل فيه الملائكة؟ قلت: قاله لهم مع اشتراط الصبر والتقوى، فلم يصبروا عن الغنائم ولم يتقوا، حيث خالفوا أمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فلذلك لم تنزل الملائكة ولو تموا على ما شرط عليهم لنزلت. وإنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة لتقوى قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر اللَّه. ومعنى أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة. وإنما جيء بلن الذي هو لتأكيد النفي، للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوّهم وشوكته كالآئسين من النصر. وبَلى إيجاب لما بعد لن، بمعنى: بل يكفيكم الإمداد بهم، فأوجب الكفاية ثم قال إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا يمددكم بأكثر من ذلك العدد مسوّمين للقتال وَيَأْتُوكُمْ يعنى المشركين مِنْ فَوْرِهِمْ هذا من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى حنيفة رحمه اللَّه: الأمر على الفور لا على التراخي، وهو مصدر من: فارت القدر، إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها- ولا تعريج على شيء من صاحبها فقيل: خرج من فوره، كما تقول: خرج من ساعته، لم يلبث. والمعنى: أنهم إن يأتوكم من ساعتهم هذه يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم، يريد: أنّ اللَّه يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم. وقرئ (منزلين) بالتشديد. ومنزلين بكسر الزاى، بمعنى: منزلين النصر. و (مُسَوِّمِينَ) بفتح الواو وكسرها، بمعنى: معلمين. ومعلمين أنفسهم أو خيلهم. قال الكلبي: معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم. وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها. وعن مجاهد: مجزوزة أذناب خيلهم. وعن قتادة: كانوا على حيل بلق. وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء، فنزلت الملائكة كذلك، وعن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال لأصحابه «تسوّموا فإنّ الملائكة قد تسوّمت» [[أخرجه ابن أبى شيبة. حدثنا أبو أمامة عن ابن عون. عن ابن عمير، وابن إسحاق بهذا. وهو مرسل وزاد: قال «فهو أول يوم وضع فيه الصوف» ورواه الطبري من وجه آخر عن ابن عون به. وقال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر. عن محمود بن لبيد فذكره. قال: فأعلموا بالصوف في مغافرهم» ولم يذكر الزيادة. ورواه ابن سعد من طرق في قصة «وفيه فقال لأصحابه يومئذ: تسوموا فان الملائكة قد تسومت. قال فأعلموا بالصوف في مغافرهم وقلانسهم»]] وَما جَعَلَهُ اللَّهُ الهاء لأن يمدكم. أى: وما جعل اللَّه إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ كما كانت السكينة لبنى إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لا من عند المقاتلة إذا تكاثروا، ولا من عند الملائكة والسكينة، ولكن ذلك مما يقوى به اللَّه رجاء النصرة والطمع في الرحمة، ويربط به على قلوب المجاهدين الْعَزِيزِ الذي لا يغالب في حكمه الْحَكِيمِ الذي يعطى النصر ويمنعه لما يرى من المصلحة لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش وصناديدهم أَوْ يَكْبِتَهُمْ أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ غير ظافرين بمبتغاهم. ونحوه (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً) ويقال: كبته، بمعنى كبده إذا ضرب كبده بالغيظ والحرقة. وقيل في قول أبى الطيب: لِأَكْبِتَ حَاسِداً وَأرِى عَدُوًّا [[رويدك أيها الملك الجليل ... تأن وعده مما تنيل وجودك بالمقام ولو قليلا ... فما فيما تجود به قليل لأكبت حاسداً وأرى عدواً ... كأنهما وداعك والرحيل لأبى الطيب. يقول تمهل يا أيها الملك عن السفر، واجعل ذلك التأنى مما تحسن به إلينا، وجودك علينا بالاقامة، ولو كانت قليلة عندك أو في ذاتها فهي كثيرة عندنا، فانه ليس فيما تجود به قليل. وقوله «لأكبت» متعلق بتأن. وأصله: لأكبد، قلبت الدال تاء لقرب مخرجيهما، أى لأصيب كبد الحاسد بالغيظ. وأرى: أى أصيب رئة العدو به أيضا، كأنهما: أى الحاسد والعدو، شبه الأول بالوداع، والثاني بالرحيل، في أن كلا يحزنه. وخص الثاني بالثاني لأنه أشد كراهة. وفيه لف ونشر مرتب، وهو حسن.]] هو من الكبد والرئة، واللام المتعلقة بقوله: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ) أو بقوله: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) . أَوْ يَتُوبَ عطف على ما قبله.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب