الباحث القرآني

قرئ (قرح) بفتح القاف وضمها، وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل: هو بالفتح الجراح، وبالضم ألمها. وقرأ أبو السمال (قرح) بفتحتين. وقيل القرح والقرح كالطرد والطرد. والمعنى: إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال، فأنتم أولى أن لا تضعفوا. ونحوه (فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ) وقيل: كان ذلك يوم أحد، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. فإن قلت: كيف قيل (قَرْحٌ مِثْلُهُ) وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟ قلت: بلى كان مثله، ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ) . وَتِلْكَ الْأَيَّامُ تلك مبتدأ، والأيام صفته. ونُداوِلُها خبره، ويجوز أن يكون (تِلْكَ الْأَيَّامُ) مبتدأ وخبراً، كما تقول: هي الأيام تبلى كل جديد. والمراد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة، نداولها: نصرفها بين الناس نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، كقوله وهو من أبيات الكتاب: فَيَوْماً عَلَيْنَا وَيَوماً لَنَا ... وَيَوْماً نُسَاءُ وَيَوما نُسَرّ [[فلا وأبى الناس لا يعلمون ... فلا الخير خير ولا الشر شر فيوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر للنمر بن تولب، وهو من أبيات الكتاب. و «لا» زائدة قبل القسم، لأنه في الغالب لنفى شيء. وقيل: إشارة إلى اتضاح القضية المقسم عليها وعدم احتياجها إلى قسم، لكنه إنما يظهر في مثل قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ) حيث أبرز في صورة النفي المعتادة: و «الناس» مبتدأ خبره «لا يعلمون» ثم بين ذلك بقوله: فليس الخير الذي زعموا أنه خير، خيراً كما زعموا. وليس الشر الذي زعموه شراً كما زعموا. أو ليس الخير خيراً دائماً، وليس الشر شراً دائماً. فيوم علينا نخذل فيه. ويوم لنا ننصر فيه، ويوم نساء فيه، ويوم نسر فيه. وروى بنصب اليوم. والمعنى: فيوما تدور الدائرة علينا، ويوما تكون الدولة لنا. ونساء يوما، ونسر يوما. وكل جملتين من هذه الجمل واقعتان موقع البيان مما قبلهما. وفي البيت الثاني: لف ونشر مرتب، وذلك حسن.]] ومن أمثال العرب: الحرب سجال. وعن أبى سفيان أنه صعد الجبل يوم أحد فمكث ساعة ثم قال: أين ابن أبى كبشة، أين ابن أبى قحافة، أين ابن الخطاب. فقال عمر: هذا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر. فقال أبو سفيان يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال. فقال عمر رضى اللَّه عنه: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. فقال: إنكم تزعمون ذلك فقد خبنا إذن وخسرنا [[أخرجه أحمد والحاكم والطبراني والبيهقي في الدلائل. من رواية ابن أبى الزناد عن أبيه عن ابن عباس أن أبا سفيان قال يوم أحد فذكره. قلت: وأصله في الصحيح من غير هذا الوجه بغير هذا السياق.]] ، والمداولة مثل المعاورة. وقال: يَرِدُ المِيَاهَ فَلَا يَزَالُ مُدَاوِلا ... فِى النَّاسِ بَيْنَ تَمَثُّلٍ وَسَمَاعِ [[فلأهدين مع الرياح قصيدة ... منى محبرة إلى القعقاع ترد المياه فلا تزال تداولا ... في الناس بين تمثل وسماع المحبرة: المحسنة. والقعقاع اسم الممدوح، وهو في الأصل الشيء اليابس الصلب. ترد تلك القصيدة المياه، خصها لكثرة الناس عليها وتغنيهم بالأشعار عندها، أى ترد مواضع المياه فلا تزال متداولة في الناس، أو فلا تزال ذات تداول، أو فلا تزال تتداول تداولا بين الناس دائرة بين تمثل، أى إنشاد لها بأن يضربها الناس أمثالا لأحوالهم، وبين استماع لها لحسنها. وروى يرد المياه فلا يزال مداولا الخ فذكر ضمير القصيدة لأنها بمعنى الشعر.]] يقال: داولت بينهم الشيء فتداولوه وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا فيه وجهان: أحدهما أن يكون المعلل محذوفا معناه: وليتميز الثابتون على الإيمان منكم من الذين على حرف، فعلنا ذلك وهو من باب التمثيل. بمعنى: فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت، وإلا فاللَّه عز وجل لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها. وقيل: معناه وليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات، والثاني أن تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه، معناه: وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت وليعلم اللَّه. وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة، ليسليهم عما جرى عليهم، وليبصرهم أن العبد يسوءه ما يجرى عليه من المصائب، ولا يشعر أنّ للَّه في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وليكرم ناسا منكم بالشهادة، يريد المستشهدين يوم أحد. أو وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما يبتلى به صبركم من الشدائد، من قوله تعالى: (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) . وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ اعتراض بين بعض التعليل وبعض. ومعناه: واللَّه لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان، المجاهدين في سبيل اللَّه، الممحصين من الذنوب. والتمحيص: التطهير والتصفية وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ويهلكهم. يعنى: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وغير ذلك مما هو أصلح لهم. وإن كانت على الكافرين، فلمحقهم ومحو آثارهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب