الباحث القرآني

شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرهما بشهادة الشاهد في البيان والكشف، وكذلك إقرار الملائكة وأولى العلم بذلك واحتجاجهم عليه قائِماً بِالْقِسْطِ مقيما للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال، ويثيب ويعاقب، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم. وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه كقوله: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً) . فإن قلت: لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه؟ ولو قلت جاءني زيد وعمرو راكباً لم يجز؟ قلت: إنما جاز هذا لعدم الإلباس كما جاز في قوله: (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً) أن انتصب نافلة حالا عن يعقوب. ولو قلت: جاءني زيد وهند راكباً جاز لتميزه بالذكورة، أو على المدح. فإن قلت: أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة كقولك: الحمد للَّه الحميد. «إنا معشر الأنبياء لا نورث» [[أخرجه أحمد، حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة مرفوعا بهذا. ورواه النسائي في الكبرى، من رواية ابن عيينة عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: قال عمر لعبد الرحمن وسعد وعثمان وطلحة والزبير «أنشدكم باللَّه الذي قامت له السموات والأرض، أسمعتم النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول- فذكره، وفيه قالوا: اللهم نعم» وأخرجه في الكنى في ترجمة أبى إدريس تلميذ أبى سليمان من رواية عن عبد الملك بن عمر عن أبى هريرة مثله. وأصله متفق عليه من حديث عائشة بلفظ «لا نورث ما تركنا صدقة»]] . إنا بنى نهشل لا ندعى لأب؟ قلت: قد جاء نكرة كما جاء معرفة. وأنشد سيبويه فيما جاء منه نكرة قول الهذلي: وَيَأْوِى إلَى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ... وَشُعْثاً مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِى [[للهذلى يصف رجلا يصيد ويرجع إلى زوجته وبناته عطل عاريات من الحلي والثياب. وشعثا نصب على الذم، أى وأذم شعثا أى مغبرات الوجوه من الجوع. والعطل: جمع عاطلة. والشعث. جمع شعثاء، كسود وسوداء. ومراضيع: جمع مرضاع قياسا، أو مرضع سماعا، أى ترضع أولادها مثل السعالى جمع سعلاة وهي أنثى الشياطين، أى كريهات المنظر مثل الأغوال. وهي أقبح شيء عند العرب.]] فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو؟ قلت: لا يبعد، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف. فإن قلت: قد جعلته حالا من فاعل شهد، فهل يصح أن ينتصب حالا عن «هو» في: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) ؟ قلت: نعم، لأنها حال مؤكدة والحال المؤكدة لا تستدعى أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها، كقولك: أنا عبد اللَّه شجاعاً. وكذلك لو قلت: لا رجل إلا عبد اللَّه شجاعاً. وهو أوجه من انتصابه عن فاعل شهد، وكذلك انتصابه على المدح. فإن قلت: هل دخل قيامه بالقسط في حكم شهادة اللَّه والملائكة وأولى العلم كما دخلت الوحدانية؟ قلت: نعم إذا جعلته حالا من هو، أو نصباً على المدح منه، أو صفة للمنفي، كأنه قيل: شهد اللَّه والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو، وأنه قائم بالقسط. وقرأ عبد اللَّه: القائم بالقسط، على أنه بدل من هو، أو خبر مبتدإ محذوف. وقرأ أبو حنيفة: قيما بالقسط الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ صفتان مقرّرّتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل، يعنى أنه العزيز الذي لا يغالبه إله آخر، الحكيم الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله. فإن قلت: ما المراد بأولى العلم الذين عظمهم هذا التعظيم حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ قلت: هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة وهم علماء العدل [[قوله «والبراهين القاطعة وهم علماء العدل» تلميح بالمعتزلة حيث سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد، لكن الانصاف التعميم حتى يشمل أهل السنة والجماعة. (ع)]] والتوحيد. وقرئ (أنه) بالفتح، و (إِنَّ الدِّينَ) بالكسر على أنّ الفعل واقع على أنه بمعنى شهد اللَّه على أنه، أو بأنه. وقوله إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى. فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد؟ قلت: فائدته أن قوله: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) توحيد، وقوله: (قائِماً بِالْقِسْطِ) تعديل، فإذا أردفه قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) فقد آذن أن الإسلام هو العدل [[قوله «فقد آذن أن الإسلام هو العدل» تعسف لا يقتضيه النظم الكريم، لكن دعى إليه التعصب. وقوله «وفيه أن من ذهب» الخ تورك على أهل السنة مبنى على ذلك، وتحقيقه في علم التوحيد. وبالجملة فالعدل والتوحيد لم ينحصرا في مذهب المعتزلة. (ع)]] والتوحيد، وهو الدين عند اللَّه، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين. وفيه أن من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدّى إليه كإجازة الرؤية أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور، لم يكن على دين اللَّه الذي هو الإسلام، وهذا بين جلى كما ترى. وقرئا مفتوحين، على أن الثاني [[قوله «وقرئا مفتوحتين على أن الثاني» الضمير عائد إلى قوله تعالى: (أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) وقوله: (إِنَّ الدِّينَ) اه. (ع)]] بدل من الأوّل، كأنه قيل: شهد اللَّه أن الدين عند اللَّه الإسلام، والبدل هو المبدل منه في المعنى، فكان بيانا صريحاً، لأن دين اللَّه هو التوحيد والعدل. وقرئ الأوّل بالكسر والثاني بالفتح، على أن الفعل واقع على إنّ [[قوله «واقع على إن» أى على إن الدين ... الخ. (ع)]] ، وما بينهما اعتراض مؤكد. وهذا أيضا شاهد على أن دين الإسلام هو العدل والتوحيد، فترى القراءات كلها متعاضدة على ذلك. وقرأ عبد اللَّه: أن لا إله إلا هو. وقرأ أبىّ: إن الدين عند اللَّه للإسلام، وهي مقوية لقراءة من فتح الأولى وكسر الثانية. وقرئ: شهداء للَّه، بالنصب على أنه حال من المذكورين قبله، وبالرفع على هم شهداء اللَّه. فإن قلت: فعلام عطف على هذه القراءة (وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ) ؟ قلت: على الضمير في شهداء، وجاز لوقوع الفاصل بينهما. فإن قلت: لم كرر قوله: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) ؟ [[قال محمود رحمه اللَّه: «إن قلت ما فائدة تكرار لا إله إلا هو ... الخ» ؟ قال أحمد رحمه اللَّه: وهذا التكرار لما قدمته في نظيره مما صدر الكلام به إذا طال عهده. وذلك أن الكلام مصدر بالتوحيد، ثم أعقب التوحيد تعداد الشاهدين به، ثم قوله: (قائِماً بِالْقِسْطِ) وهو التنزيه، فطال الكلام بذلك، فجدد التوحيد تلو التنزيه ليلي قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) ولولا هذا التجديد لكان التوحيد المتقدم كالمنقطع في الفهم مما أريد إيصاله به واللَّه أعلم. قال: «وفيه أن من ذهب إلى تشبيه ... الخ» . قال أحمد: هذا تعريض بخروج أهل السنة من ربقة الإسلام بل تصريح، وما ينقم منهم إلا أن صدقوا وعد اللَّه عباده المكرمين على لسان نبيهم الكريم صلى اللَّه تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنهم يرون ربهم كالقمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، ولأنهم وحدوا اللَّه حق توحيده فشهدوا أن لا اله إلا هو ولا خالق لهم ولأفعالهم إلا هو، واقتصروا على أن نسبوا لأنفسهم قدرة تقارن فعلهم لا خلق لها ولا تأثير غير التمييز بين أفعالهم الاختيارية والاضطرارية، وتلك المعبر عنها شرعا بالكسب في مثل قوله تعالى: (فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) هذا إيمان القوم وتوحيدهم، لا كقوم يغيرون في وجه النصوص فيجحدون الرؤية التي يظهر أن جحدهم لها سبب في حرمانهم إياها. ويجعلون أنفسهم الخسيسة شريكة للَّه في مخلوقاته، فيزعمون أنهم يخلقون لأنفسهم ما شاءوا من الأفعال على خلاف مشيئة ربهم محادة ومعاندة للَّه في ملكه، ثم بعد ذلك يتسترون بتسمية أنفسهم أهل العدل والتوحيد، واللَّه أعلم بمن اتقى. ولجبر خير من إشراك، إن كان أهل السنة مجبرة فأنا أول المجبرين. ولو نظرت أيها الزمخشري بعين الانصاف إلى جهالة القدرية وضلالها، لانبعثت إلى حدائق السنة وظلالها، ولخرجت عن مزالق البدع ومزالها، ولكن كره اللَّه انبعاثهم، ولعلمت أى الفريقين أحق بالأمن وأولى بالدخول في أولى العلم المقرونين في التوحيد بالملائكة المشرفين بعطفهم على اسم اللَّه عز وجل. اللهم ألهمنا على اقتفاء السنة شكرك. ولا تؤمنا مكرك إنه لا يأمن من مكر اللَّه إلا القوم الخاسرون، فليس ينجى من الخوف إلا الخوف. واللَّه ولى التوفيق.]] قلت: ذكره أوّلا للدلالة على اختصاصه بالوحدانية، وأنه لا إله إلا تلك الذات المتميزة، ثم ذكره ثانيا بعد ما قرن بإثبات الوحدانية إثبات العدل، للدلالة على اختصاصه بالأمرين، كأنه قال: لا إله إلا هذا الموصوف بالصفتين، ولذلك قرن به قوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لتضمنهما معنى الوحدانية والعدل الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أهل الكتاب من اليهود والنصارى. واختلافهم أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل [[قوله «تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل» مبنى على ما قاله آنفا. (ع)]] مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أنه الحق الذي لا محيد عنه، فثلثت النصارى، وقالت اليهود عزير ابن اللَّه، وقالوا: كنا أحق بأن تكون النبوّة فينا من قريش لأنهم أمّيون ونحن أهل كتاب، وهذا تجويز للَّه بَغْياً بَيْنَهُمْ أى ما كان ذلك الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب إلا حسداً بينهم وطلبا منهم للرئاسة وحظوظ الدنيا، واستتباع كل فريق ناسا يطؤن أعقابهم، لا شبهة في الإسلام. وقيل: هو اختلافهم في نبوّة محمد صلى اللَّه عليه وسلم، حيث آمن به بعض وكفر به بعض. وقيل: هو اختلافهم في الإيمان بالأنبياء، فمنهم من آمن بموسى، ومنهم من آمن بعيسى. وقيل هم اليهود، واختلافهم أن موسى عليه السلام حين احتضر استودع التوراة سبعين حبراً من بنى إسرائيل، وجعلهم أمناء عليها، واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن واختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم علم التوراة بغيا بينهم وتحاسداً على حظوظ الدنيا والرياسة. وقيل: هم النصارى واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد اللَّه ورسوله
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب