الباحث القرآني

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو يملك أمرهم. وهو على كل شيء قدير، فهو يقدر على عقابهم لَآياتٍ لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته لِأُولِي الْأَلْبابِ للذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطر. وفي النصائح الصغار: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلهما في جملة هذه العجائب، متفكرا في قدرة مقدّرها، متدبرا حكمة مدبرها، قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر: وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما: قلت لعائشة رضى اللَّه عنها: أخبرينى بأعجب ما رأيت من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، [[أخرجه ابن حبان من رواية عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء: دخلت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير على عائشة، فقالت: قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول كما قال الأول: زر غباً تزدد حباً، فقالت: دعونا من بطالتكم هذه. ثم قال ابن عمر لعائشة: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ... الحديث بطوله ورواه عبد بن حميد، والثعلبي وغيرهم من رواية أبى جناب الكلبي عن عطاء قال: دخلت أنا وابن عمر على عائشة فقال لها ابن عمر أخبرينى ... فذكّره.]] فبكت وأطالت، ثم قالت: كل أمره عجب، أتانى في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي، ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذنى لي الليلة في عبادة ربى؟ فقلت: يا رسول اللَّه، إنى لأحب قربك وأحب هواك، قد أذنت لك. فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلى، فقرأ من القرآن فجعل يبكى حتى بلغ الدموع حقويه، ثم جلس فحمد اللَّه وأثنى عليه وجعل يبكى، ثم رفع يديه فجعل يبكى حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكى فقال له: يا رسول اللَّه، أتبكي وقد غفر اللَّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا بلال أفلا أكون عبداً شكورا. ثم قال: ومالى لا أبكى وقد أنزل اللَّه علىّ في هذه الليلة (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها. وروى: «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمّلها» [[رواه ابن مردويه في تفسير سورة الروم من رواية أبى جناب عن عطاء عن عائشة قالت «لما نزلت هذه الآية (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ) قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: ويح لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتفكر فيها»]] وعن على رضى اللَّه عنه: أنّ النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [[رواه الثعلبي من طريق حماد عن حجاج عن حبيب بن أبى ثابت عن محمد بن على بن أبى طالب عن على وأصله في المتفق عليه من حديث ابن عباس.]] . وحكى أنّ الرجل من بنى إسرائيل كان إذا عبد اللَّه ثلاثين سنة أظلته سحابة، فعبدها فتى من فتيانهم فلم تظله، فقالت له أمّه: لعلّ فرطة فرطت منك في مدّتك؟ فقال: ما أذكر. قالت: لعلك نظرت مرّة إلى السماء ولم تعتبر؟ قال: لعلّ. قالت: فما أُتيت إلا من ذاك الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ذكراً دائباً على أى حال كانوا، من قيام وقعود واضطجاع لا يخلون بالذكر في أغلب أحوالهم. وعن ابن عمر وعروة بن الزبير وجماعة أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون اللَّه، فقال بعضهم: أما قال اللَّه تعالى: (يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً) فقاموا يذكرون اللَّه على أقدامهم. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «من أحبّ أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر اللَّه [[أخرجه ابن أبى شيبة وإسحاق والطبراني من حديث معاذ وفي إسناده موسى بن عبيدة وهو ضعيف. وأخرجه الثعلبي في تفسير العنكبوت، وابن مردويه في تفسير الواقعة.]] » وقيل: معناه يصلون في هذه الأحوال على حسب استطاعتهم. قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لعمران بن الحصين «صل قائما فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب، تومئ إيماء [[أخرجه البخاري وأصحاب السنن، من حديث عمران بن حصين. قال «كانت في بواسير- فذكر الحديث» وليس في آخره يومئ إيماء» وأورده صاحب الهداية- كما أورده الزمخشري.]] » وهذه حجة للشافعي رحمه اللَّه في إضجاع المريض على جنبه كما في اللحد. وعند أبى حنيفة رحمه اللَّه أنه يستلقى حتى إذا وجد خفة قعد. ومحل عَلى جُنُوبِهِمْ نصب على الحال عطفاً على ما قبله، كأنه قيل: قياما وقعوداً ومضطجعين وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما يدل عليه اختراع هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها وما دبر فيها بما تكل الأفهام عن إدراك بعض عجائبه على عظم [[قوله «على عظم» لعله من عظم ... الخ، فيكون بيانا لما يدل عليه. (ع)]] شأن الصانع وكبرياء سلطانه. وعن سفيان الثوري أنه صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء، فلما رأى الكواكب غشى عليه، وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته. وعن النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم «بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أنّ لك رباً وخالقاً، اللهمّ اغفر لي، فنظر اللَّه إليه فغفر له» [[أخرجه الثعلبي من رواية زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة وفي إسناده من لا يعرف.]] وقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم «لا عبادة كالتفكر [[أخرجه ابن حبان في الضعفاء، والبيهقي في الشعب من رواية أبى رجاء محمد بن عبد اللَّه الخرطى من أهل شر عن شعبة عن أبى إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على رضى اللَّه عنه أنه قال لابنه الحسن «يا بنى، سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: لا مال أعوز من العقل، ولا فقر أشد من الجهل، ولا عقل كالتدبير، ولا ورع كحسن الخلق، ولا عبادة كالتفكر ... الحديث بطوله» وأبو رجاء، قال البيهقي: ليس بالقوى، وقال ابن حبان يروى عن الثقات ما ليس من حديث الأثبات.]] » وقيل: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة. وروى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض» [[لم أجده.]] قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر اللَّه الذي هو عمل القلب، لأن أحداً لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا على إرادة القول. أى يقولون ذلك وهو في محل الحال، بمعنى يتفكرون قائلين. والمعنى: ما خلقته خلقاً باطلا بغير حكمة، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك ولذلك وصل به قوله فَقِنا عَذابَ النَّارِ لأنه جزاء من عصى ولم يطع. فإن قلت: هذا إشارة إلى ماذا؟ قلت: إلى الخلق على أن المراد به المخلوق، كأنه قيل: ويتفكرون في مخلوق السموات والأرض، أى فيما خلق منها. ويجوز أن يكون إشارة إلى السموات والأرض لأنها في معنى المخلوق. كأنه قيل: ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلا. وفي هذا ضرب من التعظيم كقوله: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ويجوز أن يكون باطلا حالا من هذا. وسبحانك: اعتراض للتنزيه من العبث، وأن يخلق شيئاً بغير حكمة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب